اقتصاد الهامش .. بقلم: صلاح الماحي/كلورادو
1 أكتوبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
إنعقد الاسبوع الفائت المؤتمر الإقتصادي الذي دعت له الحكومة الكثير من الشخصيات في الوقت الذي غاب فيه المنتجين الحقيقين أهلنا في الريف. وبنظرة سريعة لصادرات السودان في الربع الأخير لسنة 2019 كما هو منشور في المجوز الإحصائي الذي يصدره بنك السودان المركزي يمثل الزراعيه (38%) منها صادر السمسم فقط 19% يليه صادر الذهب (31%). هذه الحقائق التي تبين الدور الرئيسي الذي يسهم فيه الانتاج الزراعي والذي يقوم به السواد الأعظم من أهلنا في الريف لم يؤخز البته في الإعتبار في مداولات وتوصيات المؤتمر. لم يشمل المؤتمر كذلك فقراء الخرطوم الذين صنعوا إقتصاد هامشي لهم ليتمكون من الحياة. فصارت لهم وجباتهم الخاصه من شاكلة (امبلكسات) وقدر ظروفك والعدسية (الباكمبا) أطعمة شوارع يقيموا بها أودهم.
التركيز في نقاشات المؤتمر إنصب فقط في قضايا رفع الدعم عن المحروقات والخبز. وليس عجبا أن جاءت توصيات المؤتمر كلاما فضفاضا وانشاء فقط (أبرزها ترشيد الدعم السلعي، ودمج البنوك، واتباع سياسات جديدة لاستقرار سعر الصرف، وتأكيد ولاية وزارة المالية على المال العام، ومراجعة عمل الشركات الحكومية). لم يتم أي نقاش مهني حقيقي عن من هو المستفيد فعلاّ من هذا الدعم. لماذا لا يتم تفصيل ونشر المبالغ التي تذهب للدعم. لا أحد يناقش إن كان هناك عدل في توزيع هذا الدعم. هل دعم الكهرباء أولية للحكومة السودانية في الوقت الذي يتم تركيز هذا الدعم فقط في الخرطوم والمدن الكبيره يظل السواد الأعظم من أهلنا في الريف والبوادي لا ينالهم نصيب من هذا الدعم. كل أهل القري لا ينعمون بالكهرباء وحتي الذين لهم كهرباء يتم تمويلها بالعون الذاتي عن طريق شراء وابورات (اللستر) عن طريق المقتدريين منهم والذين يقومون بدروهم ببيع الكهرباء لهؤلاء المساكين. وحتي طلاب المدارسه في القري يقوم اهلهم بشراء خلايا الطاقة الشمسية بأموالهم الخاصة لتمكين هؤلاء الطلاب من الدراسة وقت الأمتحانات. إن كان لا بد من دعم الكهرباء فساووا أهل الريف والقري في الدعم أو أرفعوه.
الأمرنفسه ينطبق علي دعم الخبز والمحروقات …. كل أهل القري والبوادي لا يستهلكون الخبز فهل تقوم الحكومة بدعم كسرتهم أو دعم وقود وابراتهم التي تسقيهم الماء. وعلي ذكر الوابورات فرئيس الوزراء د. حمدوك تربي في الريف ويعلم حياة الريف ومؤكد (ورد) (الدونكي) و (فزع جاب القش) في المرحلة المتوسطه من دراسته. وفي خورطقت الثانوية (التي كان أول مدراؤها النصري حمزه) تشبّع بالعلم والحضارة وفي (الفيحاء) تعلم في أسبوعه الأول لما تشرب من الزير تقيف صف وتملأ (الكوز) لزميلك الذي يليك وخلال العام تسهر الليالي في الإعداد لليلة الثقافية لداخليتك (ود زايد) حتي تفوز الداخلية بجائزة أفضل ليلة ثقافية في مدرسة خورطقت التي كانت تشهد منافسة حادة بيت الداخليات ال 11 وإن لم تفز الدخلية بالجائزة يكون كل اعضاء الدخلية كونوا خبره عظيمة كناقد فنيين (ناقد للأداء المسرحي/ الاداء الغناني/ الالقاء الشعري ).
و الناس في الريف قد إستبشروا بوجود أحد ابناءهم في الريف وهم لا يريدون من الحكومة شئ فهي (اي الحكومة) لم تكن تقدم شيء في الماضي غير التعليم (وهذا ما يحتاجونه بالفعل) والمياه. وبمناسية المياه رفعت الحكومات منذ زمن طويل يدها عن المياة منذ اختفاء طيبة الذكر (هيئة توفير المياة الريفية) ويالها من تجربه رائده حيث كانت الهيئة في الماضي في فترة الصيف بصيانة الدوانكي (الصهاريج/الأحواض/المواسير/السور) ومكتب كاتب محطة المياة الذي يعتبر من الطبقة الوسطي في ذلك الزمن …. يلية المكنيكي (الزياتي) ثم الغفير. ومنذ ان تم حل هذه الهيئة ظل اهلنا في القري هم من يشرفون علي هذا الآبار والغريب في الامر منذ السبعينات قوم اهل الريف بدفع فاتورة المياه كامله (ناس الخراطيم والبندر يا قول البقاري ظلوا كل ذلك الوقت يشربون الماء مجانا ولم يدفعوا فاتورة الماء إلا في السنوات الاخيره). وللذين يتحدثون عن الدعم (الوقود والكهرباء) لا تنسونا في الريف فنحن موجودون ولا ننال دعما واحدا فساوونا في الدعم او ارفعوه كما رفعتموه في الريف منذ زمن مجلس الشعب الاقليمي ….الحقيقة الريف لا يريد دعما وهم يرددون دوما مع ود بادي (مرحاتنا شرابهن يوت ماغبن/ شبعانات في الشقل أب شوك ما شبن/ الحملن ولدن وربن/ حلماتن تقلن.. جرّن.. فوق سيقانن كبن ….. المغصة إن كان ضرعاتن خربن …..شوفو النعمة السالت فوق قيزان الرملة ……. ناس البندر …. لبن الشاي بالعملة …سمح الخمج الفوق أسيادو). المغصة الحاصله انو ضرعاتن خربن بسبب التدخل الحكومي في كل شئ.
يا د. هبه احمد علي وناس وزارة المالية (نحن هنا في الريف موجودين) خلي ناس البندر ارفعوا رجولهم من اعناق ناس الريف وشوفي (ميزان مدفوعاتك ان ما استعدل) وستكون نهاية (التضخم الأبدي) الذي يستلزم محاربته العناية بالريف وتوجيه الدعم لهم أو أقله مساواتهم بالدعم الموجه لأهل المدن أو علي أقل تقدير رفع هذا الدعم. وما يؤكد كلامنا نظره سريعه للموجز الإحصائي الذي يصدره بنك السودان المركري ستري أن تسعين في الميه من صادراتنا تأتي من الريف.
الصمغ العربي من الريف / الخروف الحمري من الريف /الذهب الاحمر من الريف / حتي البترول الاسود من الريف وناس الريف في كردفان لم ينالوا منه التلوث المنبعث من الانبوب الشاقي صحاري كردفان.
ويا ناس الماليه حررو الإقتصاد والتفتوا لدوركم الحقيقي في توفير المعلومات للمستثمرين والمنتجين (أخر تقرير إقتصاد علي موقع وزارة المالية سنة ) 2016) (http://mof.gov.sd/en/reports/annual-reports ).
أهل الريف ومناطق الإنتاج لا يريدون شئ من الحكومة فقط يريدون أن ترفع الحكومة يدها عنهم … أي منطق يجعل الحكومة تحتكر صادر الصمغ العربي مثلا في الوقت الذي لا تقدم فيه شيء لمزارع الصمغ والله سبحانه ينزل المطر والمزراع يكابد الشوك للقيط الصمغ ثم تأتي الحكومة (ممثلة في شركة الصمغ العربي) تفرض عليه السعر الذي يروقها كما تفعل كذلك شركات الحكومة التي احتكرت تجارة وترحيل وتصدير محصول السمسم. لم يكن اهل الريف في الماضي يعرفون الحكومة الا عندما تأتي حملات التطعيم أو عندما تصاب كلابهم بالسعر (والحكومة في عرف البقاري هي فقط ذلك البوليس الذي يأتي لقتل الكلاب المسعورة … يسمون البوليس الكارب صليبه كتال الكلاب). أهل الريف يديرون أمور حياتهم (مدارسهم وامنهم وعيشهم) بأنفسهم ولا وجود للحكومة في حياتهم.
وبعد هذا كله أهلنا في الريف ما سائلين في زول ومتعففين ويكابدون الفقر في صمت لايرهبهم رفع دعم او زيادة اسعار الخبز وهم كما يقول الرائع ودبادي ما خسرانيين شئ فبيوتهم لاشئ فيها غير (لدايات) وزير وعنقريب (ومشلعيب) سعيتهم سارحة براها وشبعانه وبعد دا كله سعداء فرحين …. فرح لا ينعم به من بنوا بيوتهم بالمسلح والسرميك. وهم كما وصفهم صاحب عرس الزين (هم قوم لا حول لهم ولاطول، ولا نفوذ ولا صوت يتحدث باسمهم في محافل الحكام) لا يعنيهم الترف الفكري وإنشغال منظري الخرطوم الذين ما فتئوا يوصمون عقولهم (بالعقل الرعوي …… هذا العقل الرعوي بان في متحدثكم بإسم الخارجية) يعملون بأيديهم ويرجون عون الله ولا يأملون في خير وتطبيع مع من يأخذ ملابسه المتسخله ليغسلها في البيت الابيض مستفيدا من هذا الغسيل المجاني.
لقد فرحت كثير بالفيديو المنشور للدكتور كبلو الذي قال فيه “يا جماعة للمرة المليون، عشان ما في زول ينزل بعد ما أنزل وآخر كلمة إنو يقول: الزول ده قاعد يدعو للاشتراكية. نحن عايزين نعمل نظام رأسمالي صناعي حديث لازم تقوم فيهو الدولة بدورها الاجتماعي والاستثماري عشان تحدث الثورة”. هذا تطور كبير في تفكير دعاة الإشتراكية وسيطرة الدولة علي الإقتصاد. وتحضرني هنا قصه حكاها لنا أحد الإخوة حيث قال أن زميلة في الدراسة التقي الدكتور علي عبد القادر وقال له والله يا دكتور أنا جيت بلد (يقصد أمريكا) لقيته مجهزه وقالوا لي أركب وركبيت لا في إقتصادي كلي ولا (Structural Adjustment and Financial Programming ). وكان بروفيسور علي أستاذ للإقتصاد في جامعة الخرطوم سعدنا بتدريسه لنا في الجامعة أوائل التسعينات. ونحن كذلك ما الذي يجبرنا علي الدعوة للماركسية والإشتراكية والتجارب الباليه ونحن نري العالم شرقا وغربا يجني ثمار الإقتصاد الحر.
إن دور الدولة في الإقتصاد ينبغي أن لا يتعدي وضع السياسات العامه وتوفير المناخ للقطاع الخاص لأداء عمله. فالافراد وحدهم هم القادرين علي تجويد الانتاج في ظل إقتصاد حر بعيدا عن تدخل الدولة وهذا ما يقوم به أهلنا في الريف بالفعل.
هذه ليست دعوة أن ترفع الحكومة يدها تماما عن الشأن الإقتصادي فدور الحكومة في دعم الحكومة للفقراء مطلوب وهو موجود في إعتي الإقتصاديات الرأسمالية، كل الذي نريد ان بعد الحكومة من السيطرة علي النشاط الإقتصادي.
(نواصل)
صلاح الماحي
كلورادو
Salahm2000@hotmail.com