ضفاف شاردة
= = = = =
عندما يتحدث الأدباء بحسهم المرهف ورؤيتهم الثاقبة عن الواقع المر الذي يحاصر المواطن، فإنهم يضعون مرآة مستوية أمام المسؤولين يعكسون من خلاله الصورة الحقيقية بلا رتوش ولا أصباغ، بل يضعون تساؤلات بسيطة وعميقة في آنٍ واحد قد تفضي إلى حلول؛ حيث لا يكفي الانتقاد وحده لنيل المطالب.
الأديبة هيفاء رحمة أحمد، كاتبة ذكية ومثقفة، آثرت الابتعاد عن الأضواء، تكتب – كما أعرفها- لترضي ضميرها عندما ترى شجراً أخضر يزحف نحو المدينة، فهي مولعة بحد الشغف في استدراج مخزونها الفكري والمعلوماتي لتمازجه مع رهق الحياة اليومية واستنطاق الفئة الصامتة، صقلتها دراستها في كلية الآداب بجامعة الخرطوم في أوائل تسعينات القرن الماضي، لتخوض صراعاً عنيفاً داخل نصوصها مع من قادة البلاد حتى لا تخرج من سياق الراهن السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يهم مواطنها الغلبان.
في خضم تداعياتها المثقلة بهموم الواقع المعيشي وشح وغلاء أسعار، تقف أديبتنا بجانب الطبقة الكادحة وتسأل سؤالاً مباشراً: (هل فكر رئيس الوزراء، ووزير شؤون مجلس الوزراء، ووزير الزراعة، ووزير الري والمياه،،، الخ،، هل فكر أي مسؤول أن يجلس فقط مع المزارعين أو ممثل عنهم،، مثل اتحاد المزارعين لبحث حلول لمشاكل الزراعة في السودان؟ هل يفكر المسؤولون في إيجاد نمط جديد من الأفكار أو الحلول؟).
وتمضي الأديبة هيفاء رحمة في استنهاض همم المسؤولين للقيام بأدوارهم بالتقاط قفاز المبادرة والاستفادة من تجارب الآخرين: هل تخاطروا مرة مع نشرة تتحدث عن إنتاج أفريقيا الزراعي وتوقفوا لوهلة أمام تقرير من نوع: “زيادة إنتاج مثلا 33%، بتقليل تكلفته…. %، .. “، أو سؤال من نوع : كيف فعلتها مثلا..).
أما النتيجة الحتمية لتمهيش المثقفين كما ترويها هيفاء: “عندما لا يصل صوت محبي هذه البلاد، أصحاب الخبرة والتجربة، الحاذقبن، الذين تكتظ أدمغتهم بالتجارب الجيدة، وحين لا تصل أصوات أهل العلم وأصحاب الفكر واستخلاص الدروس والتاريخ، ومقاربات الكتب والدراسات، عندما لا تصل أصوات هؤلاء للمسؤولين؛ فإن صوت الجهالة السياسية المختالة سيرتفع، وسيشكل للمستقبل الرموز… والخيارات…”، ويعزز ما ذهبت إليه ما وردته عن محمد حسنين هيكل: “أن أحد الرؤساء الأمريكيين، دعا المفكرين، وأصحاب الخبرة ورموز مراكز البحث، للمشاركة في صياغة قرار الولايات المتحدة، قائلا : (احضروا إلي منكوشي الشعر.. “يقصد بهم الخبراء والمفكرين والباحثين” في عملية أطلق عليها هيكل (الصلح التاريخي، والشراكة، بين السياسة والفكر).
الأدباء لا يكتبون كما يكتب الآخرون مقالات تنتهي مدة صلاحيتها بشروق اليوم التالي، فمادتهم الدسمة والمحليّة بأسلوب جاذب ولغة رفيعة تمنحها الاستمرارية وحياةً أطول بين القراء، لذلك لن ينتابك الملل وأنت تقرأ الأرشيف الخاص بالكاتبة هيفاء لرحمة، بل ستكتشف وأنت تُعيد القراءة بأن الكثير من المعاني والمدلولات التي خبأتها بين الأسطر مرت من تحت جسر الانتباه والتمعن.
gamous1972@gmail.com
/////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم