أحمد إبراهيم أبوشوك
التيجاني الأستاذ
أثبتت شهادة وفاة الأستاذ الدكتور التيجاني عبد القادر حامد أن روحه الطاهرة قد صعدت إلى بارئها في يوم الأربعاء الموافق 16 سبتمبر 2026 في مدينة الدوحة. وشُيّع جثمانه في موكب مهيب في مساء يوم الجمعة الموافق 18 سبتمبر 2026، شاركت فيه جموع غفيرة، إلى مثواه الأخير في مقابر مسيمير بدولة قطر؛ فالجنائز شهادات صادقة على مكانة الراحلين في قلوب الناس، وعلى ما خلّفوه من محبة وأثر طيب.
لم يكن رحيل التيجاني فقدًا لأستاذ جامعي أو باحث مرموق فحسب، بل كان غيابًا لعقل ظل مشغولًا بأسئلة الدين والوطن والإنسان؛ ولقلب سكنته محبة الخير؛ ولسان لم يعرف في الخصومة تجريحًا، ولا في الاختلاف إساءةً أو انتقاصًا. وحين عُرضت عليه المناصب، اختار محراب الفكر. لم يكن عاجزًا عن ممارسة السياسة أو الإدارة، ولكنه أدرك أن رسالته أبقى من وظيفة، وأن العقل الذي خُلق للسؤال لا ينبغي أن يتحول إلى أداة في يد تنظيم أو سلطة. ولذلك مضى في طريقه هادئًا، متنقلًا بين السودان وماليزيا والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة وقطر، يحمل كتبه وأسئلته وهموم وطنه، ويترك في كل محطة تلاميذ وأصدقاء وذكرًا حسنًا.
وقد شهد تلاميذه الذين درسوا عليه، والذين استرشدوا بكتاباته وأفكاره، ومنهم الدكتور بهاء الدين مكاوي، والأستاذ خالد عثمان الفيل، والأستاذ حسان ناصر، والأستاذ غفاري فضل السيد، والأستاذ عبد الرحمن المري، بأن التيجاني لم يكن يلقّن طلابه إجابات جاهزة، بل كان يفتح أمامهم أبواب الأسئلة المغلقة. فكانت محاضراته توسّع مساحات التفكير في عقولهم، وتُضيّق دوائر اليقين السهل. وكان يصبر على أسئلتهم، ويواصل حوارهم خارج قاعة الدرس، ويحيلهم إلى الكتب والمراجع، ويعاملهم باحترام الأب ورفق المربي. لم يكن التعليم عنده مهنة تنتهي بانتهاء المحاضرة أو مغادرة قاعة الدرس، بل كان صحبةً فكرية وإنسانية ممتدة في دروب الحياة. ويشهد على ذلك تلميذه الوفي الدكتور أبوبكر محمد أحمد، إذ يقول: “لم تكن علاقتي بأستاذنا التيجاني علاقة تلميذ بأستاذه، ولا علاقة زمالة أو صداقة؛ كانت كل ذلك وأكثر. كنت أحد أفراد أسرته، وكان أخي الأكبر وأبًا لأولادي، أفرح لفرحه وأحزن لحزنه.”
وحين انتهت فترة تعاقد التيجاني مع جامعة قطر في خريف 2026، لم يسمح لمرارة اللحظة أن تنسيه سنوات الوفاء والتقدير. ولذلك، عندما سأله الدكتور حسام الدين طالب الله عن الأمر، جاء رده المفعم بالرضا والإنصاف: “ناس الجامعة ما قصّروا”. وبهذه العبارة الصادقة حفظ لجامعة قطر فضلها عليه، واستقبل نهاية تلك المرحلة لا بوصفها بابًا قد أُغلق، بل فرصةً جديدة للتفرغ لرسالته الفكرية.
وحين صعدت روحه إلى بارئها، كانت إلى جواره مخطوطة تضم مقالاته عن السودان، وقد بلغت مرحلة المراجعة الأخيرة والإعداد للنشر؛ وكأنما أراد القدر أن تكون أوراق الوطن آخر ما صحبه في دنياه. هكذا كان التيجاني: يرى في المحنة معنى، وفي النهاية بداية، وفي الفراغ فسحةً لمزيد من العطاء.
وقد أجمعت مراثي زملائه وطلابه وأصدقائه على أنه ظل وفيًّا لأفكاره وقناعاته؛ فرفض تحويل الفكرة إلى تبرير للسلطة، كما رفض أن يتحول المفكر إلى موظف في خدمتها أو سادن على أبوابها. ولذلك بقيت صورته حاضرة في ذاكرة الذين عرفوه: هادئ الطبع، عميق الفكرة، متواضعًا من غير تصنّع، زاهدًا فيما يتنافس عليه الناس، وفيًّا لمن أحسن إليه، وحافظًا للفضل حتى عند انقضاء الصلة.
عاش بعيدًا عن الضجيج والاستعراض، ينجز عمله في صمت، ويجعل من العلم عبادة، ومن الفكر مسؤولية، ومن الكلمة أمانة لا تُقال طلبًا لمنصب أو ابتغاءً لحظوة. وهكذا رحل التيجاني عن عالم الناس، لكنه بقي في كتبه وتلاميذه ومواقفه وسيرته العطرة؛ أثرًا حيًّا لعالم اتسق فكره مع خُلقه، وصدقت كلمته مع عمله.
التيجاني والدوحة
أحبَّ التيجاني الدوحة، وأحبَّه أهلها؛ لأنه قد وجد في رحاب جامعة قطر، وفي مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، وفي مجالسها الأكاديمية والفكرية، فضاءً رحبًا للبحث والتأليف والحوار. ولم تكن الدوحة بالنسبة إليه مجرد محطة مهنية عابرة، بل غدت موطنًا ثانيًا احتضن فكره، وقدَّر علمه، وأتاح له أن يتفرغ لمشروعه العلمي في سكينة العالم وزهد المفكر.
وفي الدوحة، اتسعت دائرة محبيه من السودانيين والقطريين والعرب، واجتمع حوله الزملاء والتلاميذ والباحثون؛ ينهلون من علمه، ويأنسون إلى حديثه الهادئ، ويجدون في مجالسه رحابة الفكر ودفء الأخوة ونبل المعشر. وقد أمضى فيها سنواته الأخيرة منكبًّا على كتبه وأوراقه، متنقلًا بين مكتبه ومكتبة الجامعة، يحمل في قلبه همَّ السودان الجريح، ويتابع بألم وبصيرة تحولات وطنه؛ محاولًا أن يفهم سقوط الدولة وثورتها وحربها، وأن يستجلي جذور أزمتها، ويضيء لأهلها طريقًا وسط العتمة. ظل السودان حاضرًا في وجدانه، مقيمًا في فكره، مهما باعدت بينه وبينه الجغرافيا.
ولذلك، لم يكن الحزن على رحيله حكرًا على أسرته وأصدقائه وتلاميذه من السودانيين، بل امتد إلى كل من عرفه في قطر وخبر علمه وخلقه وتواضعه. فعندما أرسلتُ خبر وفاته إلى صديقنا المشترك الدكتور نايف بن نهار، المدير السابق لمركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، جاء ردُّه مثقلًا بالحزن والأسى. أخبرني بأنه في طريقه إلى موسكو للمشاركة في فعالية أكاديمية، وأنه لو بلغه الخبر قبل سفره لاعتذر عن المشاركة؛ وفاءً لصديق وزميل عزيز جمعته به سنوات من العمل والتقدير المتبادل. كانت كلماته صادقة وموجعة، تكشف عن مكانة التيجاني في نفسه، وعن أثره العميق في الذين اقتربوا منه وعرفوا معدنه الأصيل.
وفي تلك الساعات العصيبة من فجر يوم الجمعة، وبينما كنا نحو الساعة الثانية صباحًا نتابع إجراءات استخراج شهادة الوفاة في مركز شرطة السد، بعث الدكتور أبوبكر محمد أحمد برسالة إلى الدكتور إبراهيم الأنصاري، عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، يخبره فيها بوفاة التيجاني. وبعد كلمات العزاء، جاء الرد على الفور، مقترحًا أن يُقام مجلس العزاء في إحدى قاعات مجمع الشيخ عبد الله الأنصاري العلمي. لم تكن تلك الاستجابة العاجلة مجرد ترتيب لمكان العزاء، بل كانت موقفًا إنسانيًا نبيلاً، جسّد ما حظي به الراحل من محبة وتقدير، وما تركه من أثر كريم في نفوس أهل قطر.
هكذا ردّت الدوحة إلى التيجاني بعض وفائه لها؛ احتضنته حيًّا عالمًا ومفكرًا، ثم أكرمته راحلًا، وشيّعته بالحب والدعاء، وفتحت أبوابها لاستقبال أهله وزملائه ومحبيه. وفي هذه المواقف النبيلة يتجلى الوفاء في أنقى صوره، حين تقترن الاستقامة بالتواضع، ويتآخى العلم مع الخلق، فيترك العالم في القلوب أثرًا لا تطويه الأيام، وسيرةً عطرةً تظل حاضرة بعد أن يغيب الجسد.
رحم الله الأستاذ الدكتور التيجاني عبد القادر حامد؛ فقد عاش في الدوحة مكرَّمًا بين أهل العلم والفضل، ورحل عنها محمولًا على أكفّ المحبة والوفاء، وبقي ذكره في مجالسها وجامعتها ومكتبتها، وفي قلوب زملائه وتلاميذه ومحبيه، شاهدًا على أن العلماء الصادقين لا تحدّهم الأوطان، بل تصير كل أرض احتضنت علمهم وأخلاقهم وطنًا لهم.
