الأستاذ في متاهته! عادل الباز وما تحت جزمته.. كم هو عدد الشهداء الذين يُريدهم قبل أن يتحرّك العالم لإيقاف المجزرة؟  .. بقلم: د. أمجد فريد الطيب


(نشر بجريدة السوداني بتاريخ ١٢ يناير ٢٠٢٢)
خرج الجزء الثاني من مقال الأستاذ عادل الباز عمّا يرى في الأفق المسدود، بمكتوب لم يختلف كثيراً في مضمونه ولا مغزاه عن بيان حزب المؤتمر الوطني المحلول عن مبادرة البعثة الدولية يونيتامس لعملية سياسية في السودان. كلا المكتوبين يرفضان ما يسميناه بالتدخل الدولي ويشجبان الدعوة له. وهو موقف متوقع من الإسلاميين الذين يتخوّفون من كون المشاركة والضمانات الدولية للانتقال في السودان، قد تجعل من مهمتهم للردة ومُحاولة الانفراد بالمشهد السياسي مرة أخرى أكثر صُعوبةً. يمضي مكتوب أستاذ الباز في نفس خطاب البشير عن أن المجتمع الدولي تحت جزمته وأنه لن يسلمه (جلد كديسة) أو كما قال. خطاب (صرف البركاوي) قبل السفر إلى روسيا لتوسل الحماية، الذي مارسه البشير والمؤتمر الوطني بكل بجاحة وقوة عين، غير مكترث بما يترتّب عليه من ضرر للبلاد والعباد. والحمد لله أن ليس للأستاذ الباز غير قلمه ورأيه، والذي هو بالطبع من حقه كما يشاء.
أوجز ردي على الأستاذ عادل الباز فيما يلي:
(1)
السودان دولة عضو في الأمم المتحدة وبقية مؤسسات المنظومة الدولية، ومن حقه مثل غيره من الدول الاستفادة من القدرات والإمكانيات التي توفرها هذه المنظومة الدولية في الحفاظ على استقراره وتطوير نظامه السياسي بالشكل المُرضي لشعبه والذي يضمن الحقوق الأساسية له. ذلك غير أن البعثة الدولية لدعم الانتقال في السودان التي يستنكر أستاذ الباز الاستعانة بها الآن، جاءت بناءً على طلب مباشر من الحكومة المدنية وبتفويض أممي واضح لها للمُساعدة في تحوُّل البلاد إلى حكم ديمقراطي، ودعم حماية وتعزيز حقوق الإنسان والسلام المستدام، ودعم الوحدة وعمليات السلام وتنفيذ اتفاقات السلام في المستقبل؛ مساعدة بناء السلام والحماية المدنية وسيادة القانون، لا سيما في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. (نص قرار مجلس الأمن 2524)، وهو تفويض أممي ظل السودانيون يفتقدون إلى مثله لمساعدتهم في معركة استمرت 30 عاماً ضد نظام البشير حتى اقتلعوه بأنفسهم ورموا بقادته في السجون. قدموا في ذلك ما قدموا من تضحيات وشهداء في بيوت الأشباح وفي أحراش العمل المُسلّح وفي التظاهرات السلمية، بل وحتى في حوش الجامعات والمدارس.
خلال كل ذلك، ظلّت مؤسسات المجتمع الدولي مُكبّلة بعدم وجود تفويض يخولها لنجدة السودانيين في مواجهة غولة الإنقاذ. الآن يوجد تفويض سياسي واضح للمساعدة في عملية الانتقال نحو الديمقراطية. فكم شهيد آخر يريد له الأستاذ الباز أن يُقتل قبل أن تقوم هذه المؤسسات بممارسة الدور المُوكل لها والمطلوب منها؟! وهل موقف الأستاذ الباز هو تخوُّفٌ من عدم نجاحها في هذا الدور أم عدم رغبة فيه؟ فإن كان الأول، فـ(سيد الرايحة) يا أستاذ عادل الباز (فتّش خشم البقرة) بحسب الحكمة الشعبية المُتوارثة، والأجدى به في تلك الحالة تقديم المقترحات التي يراها مُناسبةً لإنجاح مثل هذه المُبادرة، أما إن كان الثاني هو خيار أستاذ الباز، فالأولى به أن يتحسّس إنسانيته وضميره مرة أخرى، قبل أن يتحسّس موضوع الوجع من شعاراته القومية المُستعارة من قواميس لم يحسن قراءة لغتها جيداً.
(2)
يعمد الأستاذ الباز في مقاله لتبرير بعض مكتوبه الاحتجاجي بعدم فعالية بعثات أممية سابقة، مستخدماً مثال يوناميد. وينسى الأستاذ الباز أن أحد الأسباب الأساسية التي حدّت من فعالية يوناميد كانت تعنُّت النظام المخلوع في إقرار تفويضها وسعيه على الدوام لإضعاف دورها. لكن على الرغم من ذلك ظل أثر بعثة يوناميد ملموساً في حماية النازحين الذين عانوا الأمرين من هجمات قوات الحكومة ومليشياتها المباشرة والمدعومة. وما أدل على ذلك من المُطالبات المُستمرّة من النازحين بعدم السماح بخروج يوناميد خلال عهد المؤتمر الوطني، بل وحتى بعد إسقاط نظام البشير. ولكن لعل إحساس هؤلاء النازحين – وهم مُواطنون سُودانيون مثلهم مثل أستاذ الباز المُستغضب لعبقرية شعبنا – بالأمان حتى ولو بشكل جزئي لا يستوي مع غضبة أستاذ الباز المضرية لجرح مشاعره القومية الحَسّاسَة.
(3)
يسخر الأستاذ الباز من وصف الصورة القاتمة والكارثية التي يُمكن أن تحدث جرّاء فشل الانتقال في السودان. وهي كوارث حقيقيّة تصيبنا آثارها كسودانيين في المقام الأول قبل أن يتأثر بها بقية العالم – أو الغرب كما يصفه الأستاذ الباز مُحاولاً استدعاء الخطاب اليساري الذي سأتناوله لاحقاً –ولكن هذه الكوارث لا تستوي عند المدرسة التي ينتمي لها الأستاذ عادل الباز مع كارثة فقدان السُّلطة. وهذه السُّلطة بالطبع وإن لم تكن مباشرة في يده، فيكفي أنها متوفرة عند الإخوان. فالتسهيلات متوفرة عبرهم.
السودان دولة كبيرة حجماً وجغرافيةً، ومُؤثِّرة ثقافةً وسياسةً، بما يجعل لها وجوداً جيوسياسياً يُؤهِّلها للعب دور كبير في استقرار الإقليم والقارة، وما يحدث فيها ينعكس على مُحيط إقليمي واسع يمتد من شرق أفريقيا وحتى غربها. وما منعنا من احتلال المكانة السياسية الرائدة التي تستحقها بلادنا بين دول العالم، غير سرطان حكم الكيزان الذي استمر على مدى ثلاثة عقود مصحوباً بعزلة دولية جرّاء عنتريات (تحت جزمتي) و(صرف البركاوي) والتصريفات الإنشائية والبلاغية المُصاحبة لها مثل كتابة أستاذ الباز ومن لَفَّ لَفّه. تجاهل أستاذ الباز كل هذا، وأشار بالتحديد لتناول خطر الوجود الروسي في المنطقة. حسناً من حق أستاذ الباز أن يقرأ ما يشاء ويغفل ما يشاء، ولكن تبقى الحقيقة أن خطراً توطد الوجود الروسي الممتد على نطاق منطقة الساحل عبر مجموعة فاغنر والمليشيات شبه العسكرية والاستثمارات الرمادية غير المنظمة، هو خطرٌ داهمٌ مرتبطٌ بالدور الذي ظلّت تلعبه روسيا في عهد بوتين منذ بداية الألفينات، في محاربة الديمقراطيات الناشئة وتمتين أوتاد الحكومات العسكرية وتشجيع الفساد والكليبتوقراطية في الدول النامية بغرض دعم الأنشطة الاقتصادية الرمادية ونهب الموارد بشكل مُباشر. هذا الدور الروسي يبدو على أشده في سوريا التي يُحذِّرنا الأستاذ الباز من مصيرها، جرّاء التدخل الدولي، ولكنه يسخر في ذات الحين من التخوُّف والتحذير من الداعم الأساسي لآلة الطغيان التي تحرقها؟!
(4)
ليس من معوق أكبر للانتقال من انقلاب 25 أكتوبر. وهو الانقلاب الذي أنهى فصلاً كاملاً من الانتقال بغثِّه وثمينه وقضه وقضيضه، ووضع البلاد مرة أخرى في مهاوي الانزلاق إلى درن الشمولية العسكرية الذي طهّرتنا منه تضحيات ثورة ديسمبر المجيدة. وهذا الانقلاب لم يخلُ من أيدٍ خارجية دعمته ودعمت التخطيط له وتنفيذه، امتدّت ما بين دول العالم والمنطقة. هناك أياد خارجية اشتركت في التخطيط والتنفيذ للجريمة يا أستاذ الباز، ولم نرك تستصرخ حمية النزعات القومية المجروحة الآن، بل لعلها لم تتأذ حينما تدخّلت هذه الأيادي مُنفردةً لنصرة تيار سلطوي شمولي وخدمة مصالحها المباشرة عبره. فمَالك الآن تَستنكر دعوة العالم في مُؤسّساته الرسمية وعبر التفويض الذي دعوناهم له وناقشه العالم على مرأى ومسمع الجميع للمُساعدة في إزالة آثار الجريمة؟!
أما عن عبقرية الشعب السوداني وبسالته، والتي لم تظهر في مقاومة هذا الانقلاب فحسب، بل امتدّت على مدى عقود الإنقاذ الثلاثة، دون أن تُحظى منك بهذا الغزل والثناء، فهي التي صنعت هذا الوضع بالأساس. انطلقت مقاومة السودانيين شيباً وشباباً، نساءً ورجالاً، منذ اللحظات الأولى لانقلاب 25 أكتوبر، حتى تحوّل الانقلاب الذي أراد به صانعوه الاستئثار بالسُّلطة وإعادة عقارب الساعة للوراء، إلى كارثة سياسية وأزمة لم يحلها لهم القمع ولا الرصاص الذي لم يتوقّف عن حصاد صفوف الشهداء منذ اليوم الأول للانقلاب. عبقرية الشارع السوداني التي نتغنّى بها منعت الانقلابيين من أن يتهنُّوا بانقلابهم، ومنعت 25 أكتوبر من أن يتحوّل إلى 30 يونيو أخرى حتى الآن، وستستمر في ذلك. ولكن كم هو عدد الشهداء الذين يُريدهم الأستاذ الباز قبل أن يتحرّك العالم لإيقاف هذه المجزرة. أم أنه يرى أو يرى آخرون مِمّن يشاركونه خطاب (المُجتمع الدولي تحت جزمتي) أن هذا الوضع هو الأمثل والمُفضّل لك لأنّه يسمح لقِوى الردة في التسلُّل عائدةً إلى المشهد؟!
(5)
يمضي أستاذ الباز في كتابته الاحتجاجية، باستدلال بالغ الغرابة، ولكنه يقع في إطار المعقول عند أصحاب عقول احتكار الصواب والحكمة والمشروع الحق الأوحد الذي يتعالى على ما سواه، فيصف اتفاقية أديس أبابا 1972 بأنها أنتجت تمرد قرنق، واتفاقية نيفاشا 2005 بأنها أنتجت تمرد الحركة الشعبية شمال في جبال النوبة والنيل الأزرق، وكل اتفاقيات دارفور استدامت الحرب ولم تطفئ نارها… دون أن ينظر أستاذ الباز بعين اسمه، أو بالمنطق البسيط والحس العقلاني بأن الحروب الأهلية التي حدثت في السودان كانت لها جُذُورها الحقيقيّة في عدم المُساواة والتمييز بين أبناء الوطن الواحد. ودُون أن يقرأ في كتاب التاريخ السياسي السوداني المُعاصر أن كل جرائم القتل والعنف السياسي، كان وراءها نقض المواثيق والعهود وعدم الجدية في تنفيذها من الذين يحملون السلاح ويعتقدون بأنهم (الأفضلون) لأنهم يحملونه. آخر تمظهرات هذا كانت قريبة في 25 أكتوبر الماضي والذي قد يكون أستاذ الباز لا يراه خطيئة جديدة في كتاب السياسة السودانية، ولكن كلي أملٌ وأدعو الله مُخلصاً أن يكون يرى فيما يرى الثلاثة وستين روحاً غضة التي ارتقت فداءً لشعبنا من كوارث استمرار الانقلاب كذلك.
(6)
ينتقد أستاذ الباز ما أسماه دعوة القوى الخارجية لإنتاج حلول للأزمة السودانية، وينتقد كذلك عدم اعتماد مُبادرات داخلية مثل مبادرة حزب الأمة كإطار للحل. ويسقط أستاذ الباز في ذلك منهجه هو في التعامل مع الخارج. فيعتبر الاستفادة من التزام المؤسسات الدولية بدعم التحوُّل والانتقال في السودان، وهو أمرٌ من حق السودان والسودانيين في سياق عُضويتهم في هذه المنظومات، ودفعهم بعد طول غياب لالتزامات انتمائهم إليها، على أنها علاقة تبعية بين آمر ومأمور. وهو منهج الذي اعتنقته مجموعات من قوى الإسلام السياسي لفترات طويلة في علاقاتها بمراكز قوى خارجية تبعث لها بالخط السياسي والتكتيك والتمويل في ظرف واحد، في السودان وفي غير السودان. وما تجربة العرب الأفغان ببعيدة عن الأذهان. ولكن يتجاهل أستاذ الباز أنّه ربما هناك آخرون يرون في مؤسسات المجتمع الدولي غير ما يرى.
تأسّست الأمم المتحدة في 24 أكتوبر 1945 بأهداف الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وحفظ حقوق الإنسان، وتقديم المُساعدات الإنسانية، وتعزيز التنمية المُستدامة، ودعم القانون الدولي. وتتمتّع الدول الأعضاء في هذه المنظومة بحقوق مُتساوية. ولا يحاول حرمان الشعوب من الاستفادة المتساوية من الإمكانيات الجمعية التي تُوفِّرها هذه المنظومة من هذه إلا طاغية متجبر – أو نادٍ للطغاة – يحاول الوقوف ضد هذه الأهداف. ذلك ناهيك عن العملية السياسية المُقترحة ليست خارطة طريق نحو حلول مُسبقة، بل هي مُحاولة لتلمُّس كيفية تحقيق هدف الثورة السودانية في حكم مدني ديمقراطي بأقل الخسائر. المُساعدة التقنية التي تُقدِّمها البعثة الدولية من خلال تفويضها، ليست سوى أحد واجباتها وأحد حقوق السودانيين عليها.
(7)
يمضي الأستاذ الباز في ختام مقاله، ليكشف تدريجياً عن الغرض الرئيسي من مقاله. حين يتساءل عن مَن الذين ينبغي أن يشاركوا في العملية السياسية المُزمعة، إذا استقام لها أن تقوم. والأستاذ الباز يستبعد بشكل مبدئي أيِّ اعتراض على الحركات السياسية المُوقِّعة على اتفاق جوبا – فهم أصحاب سُلطة قد لا يستقيم في عُرف أستاذ الباز نقدهم –ولكنه يتساءل بعد ذلك، فيما لم أقله ولكن يبدو أنه رآه فيما يرى، فالرجل رئي (صاحب الرأي في قومه) – عن لماذا يتضمّن المشاركون في الحوار، القوى التي شاركت في إسقاط نظام البشير والمؤتمر الوطني ولا يتضمّن القوى التي ظلت متحالفة مع البشير لحين إسقاطه. نفس بيان حزب المؤتمر الوطني المحلول، الذي يصول ويجول في رفض المبادرة الأممية ولكنه يرفض إقصاءه منها!!!
ولكن هنا يبدو أن أستاذ الباز لا يفهم طبيعة ما حدث في ثورة ديسمبر بالضبط. انتفض الشعب السوداني ليسقط سلطة وجبروت المؤتمر الوطني وأدواته وحلفاءه بأكملهم. كان حريق دار المؤتمر الوطني في عطبرة في مطلع الثورة، دلالةً واضحةً على مَن الذي يخوض الشعب السوداني موحداً معركته ضده. المؤتمر الوطني وحلفاؤه الذين احتلوا جهاز الدولة، قادوا الشعب السوداني إلى هذه المُواجهة التي انتصر فيها شعبنا باستخدام كل الأدوات، من النضال المباشر في الشارع ضد آلة القمع ومليشيات جهاز الأمن وإلى ميدان الدبلوماسية والعلاقات الخارجية التي أفقدت البشير كل حليفٍ اعتمد عليه لإنقاذه من هبات الشعب السابقة. وكان آخر أولئك الحلفاء مُضيفوك في قطر، الذين تعلّموا بالدرس الصعب أن الشعب السوداني قد يغفر ولكنه لا ينسى. والذين صنعوا المشكلة يا أستاذ الباز لا يمكن أن يكونوا جُزءاً من مُعالجتها. وهذا لا يعني بطبيعة الحال إقصاؤهم من ميدان السياسة. لديهم الانتخابات حين يحين ميقاتها لإعادة تقديم أنفسهم لشعب السودان ليختارهم اذا شاء. ولكن فترة الانتقال هي مرحلة لمعالجة ما تسبّبوا فيه من كوارث – وأقلها الوجود الروسي يا أستاذ الباز – في السودان. وبطبيعة الحال لن يصلح العطّار ما أفسده بنفسه، دعك عما أفسده الدهر. يا أستاذ الباز، مُحاولة الإسلاميين وحلفائهم التسلُّل عبر بوابة الانقلاب لتسيُّد المشهد السياسي هي ما جرّبوه في 30 يونيو، ولم تفعل سُلطتهم غير أن أوردت السودان وشعبه موارد الانقسام والتهلكة والدمار. لو كان فيهم – أو فيكم.. أو كيفما أردت الترتيب – رجل رشيد، فلعله ينصح بتقديم الرشد لأنفسكم/هم قبل الآخرين.
(8)
ليس أكثر بؤساً من اجتهاد الإسلاميين المُضني في محاولة استلاف الخطاب اليساري المناوئ للغرب والمنظومات الدولية. فخطاب بعض اليساريين الأصيل في موقفه من هذه المنظومات ينبني على موقف اقتصادي، يتبنّى وجهة نظر أن هذه المنظومات تخدم أهدافاً امبريالية مُضادة لأهدافهم الاشتراكية، وليس على الموقف الإثني والقومي الثقافوي الذي يُحاول الإسلاميون الترويج له بشكل شعبوي بتأجيج نعرات العداء للآخر والزينوفوبيا. هذه المواقف القومية التي تُؤجِّج للعنصرية في مقامٍ، وتستخدمها لخدمة أغراضها في مقاماتٍ أخرى، مُجرّد انعكاس لحالة اليتم الفكري الذي اعتراهم بعد سقوط نظام المؤتمر الوطني، ودفعهم باتّجاه تبني خطاب يساري سطحي كبديل سهل التسويق للاستلاب بشعارات شريعة شريعة والاَّ نموت. ولكنهم في غفلتهم لم يستطيعوا إدراك أن الموقف اليساري يهدف لإنهاء حالة اللا مساواة والتمييز، الذين يريدون التميُّز به كفئة ناجية تحتكر الحق والحقيقة المُطلقة. إن لحظة موات أي مشروع سياسي فكري هي في تحوُّله لمشروع شمولي، يمثل الخير السياسي والاجتماعي المُطلق في أذهان أصحابه، بما يُبرِّر لهم – بوعي وبغير وعي –استخدام كل الوسائل في الوصول إليه.
أستاذ عادل الباز.. الطريق إلى بسطام يصنعه المشي، وليس الوصفات الشمولية سريعة الإعداد. والموقف السياسي كما قال معلمنا الراحل محمد إبراهيم نقد لا يخرج من جيب القميص كقلم البيق الأزرق، بل تترتّب عليه عواقب يجب حسابها جيداً.
(9)
وليحفظ الله السُّودان وشعب السُّودان.
amjedfarid@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك