منبر نور مقالات من بطون كتب ونبض الواقع
لماذا الإنسان أغلى أصول الأمم؟
في دفاتر المحاسبة نعرف
قيمة الأرض،
والمباني،
والمصانع،
والآلات،
والأموال،
والأسهم.
لكل شيء
رقم يمكن تسجيله، وقيمة يمكن حسابها، ومكان يمكن أن يظهر فيه داخل الميزانية.
لكن هناك ثروة أعظم من كل ذلك
لا تظهر بسهولة في أي كشف حساب.
إنها الإنسان.
ذلك الكائن الذي يحمل العلم في عقله،
والخبرة في ذاكرته، والإبداع في خياله، والقيم في سلوكه، والقدرة على تحويل الأشياء الجامدة إلى حضارة نابضة.
ولهذا فإن أعظم خطأ يمكن أن تقع فيه أمة هو أن تحسب ما تملك من موارد،
وتنسى من يملك القدرة على إدارة هذه الموارد.
فالمصنع لا يعمل وحده، والطائرة لا تطير بلا عقل هندسي، والمستشفى لا يشفى بلا معرفة، والمشروع لا ينجح بلا إنسان يعرف كيف يحول الفكرة إلى واقع.
من هنا ظهر مفهوم “رأس المال البشري” في الفكر الاقتصادي الحديث؛
وهو انتقال عميق من فكرة أن الثروة هي فقط ما نملكه
إلى أن الثروة الحقيقية هي ما نعرفه
وما نستطيع أن نفعله.
لقد أثبتت تجارب الدول أن الموارد الطبيعية وحدها لا تصنع التقدم.
هناك دول امتلكت النفط والمعادن والأراضي،
لكنها بقيت تعاني لأن الإنسان لم يكن في مركز المشروع الحضاري.
وفي المقابل، هناك دول قليلة الموارد الطبيعية، لكنها استثمرت في التعليم،
والبحث،
والانضباط،
والإدارة،
فصنعت من الإنسان المورد الأول.
إن الفارق بين الأمم ليس فقط في حجم ما تحت الأرض،
بل في مستوى ما فوق الأرض: العقل الإنساني.
لو نظرنا إلى التاريخ سنجد أن كل نهضة عظيمة بدأت ببناء الإنسان قبل بناء الحجر.
الجامعات قبل المصانع، والباحثون قبل المنتجات، والمعلمون قبل المديرين.
فالحضارة لا تبدأ من الآلة،
بل من العقل الذي يصمم الآلة.
وهنا تظهر أهمية التعليم، ليس كخدمة اجتماعية فقط،
بل كاستثمار اقتصادي طويل الأجل.
فالطالب الذي يتعلم اليوم قد يكون بعد سنوات مهندسًا يبني مدينة، أو طبيبًا ينقذ حياة، أو باحثًا يفتح بابًا جديدًا للمعرفة.
ولهذا فإن الإنفاق على الإنسان لا ينبغي أن يُنظر إليه كمصروف،
بل كإنشاء لأصل ينمو مع الزمن.
وفي عالم الإدارة الحديثة،
بدأت المؤسسات الكبرى تدرك أن قيمة الشركة ليست فقط في مبانيها وأجهزتها.
قد تبيع شركة كل مصانعها، لكنها تحتفظ بفريقها المبدع فتعود أقوى.
وقد تملك شركة أخرى أحدث المعدات،
لكنها تفشل لأن الإنسان الذي يديرها لا يملك المعرفة أو روح المسؤولية.
ولهذا أصبحت مفاهيم مثل الخبرة،
والثقافة المؤسسية، والابتكار،
والسمعة،
والثقة
جزءًا من الثروة الحقيقية للمؤسسات.
إنها أصول لا تُرى بالعين، لكنها تظهر في النتائج.
وهنا نصل إلى قضية مهمة في مجتمعاتنا العربية والإفريقية: كيف نحافظ على رأس المال الإنساني؟
فالحروب والأزمات والهجرة لا تدمر المباني فقط، بل قد تأخذ معها الأطباء والمهندسين والمعلمين وأصحاب الخبرات.
قد يبقى الوطن جغرافيًا،
لكن خسارته الأكبر تكون عندما تفقد الذاكرة البشرية التي صنعت خبرته.
ولهذا فإن إعادة بناء الدول لا تبدأ فقط بإعادة الطرق والجسور، بل بإعادة الإنسان إلى موقعه الطبيعي.
فالطريق يحتاج إلى من يخططه، والجسر يحتاج إلى من يصممه، والاقتصاد يحتاج إلى من يديره.
ومن أجمل ما يمكن أن نفهمه أن الإنسان نفسه يحمل داخله سلسلة من الثروات:
في شبابه يحمل الطاقة.
في تعلمه يحمل المعرفة.
في تجاربه يحمل الحكمة.
في علاقاته يحمل رأس المال الاجتماعي.
وفي أخلاقه يحمل الثقة التي لا تقدر بثمن.
هذه كلها ثروات لا تدخل بسهولة في الميزانيات،
لكنها هي التي تصنع الميزانيات.
إن الأمم التي تبني الإنسان تبني مستقبلها.
أما التي تستهلك الإنسان وتهمش قدراته فإنها قد تمتلك الكثير من الأشياء، لكنها تفقد المفتاح الذي يفتح أبواب المستقبل.
فالإنسان ليس بندًا في الميزانية…
الإنسان هو من يكتب الميزانية.
وهو الأصل الوحيد الذي إذا نما، نمت معه كل الأصول الأخرى.
الثروة الحقيقية ليست ما نملكه فقط…
بل من نُنشئه.
هذا المقال يفتح الطريق للمقال القادم بعنوان
“الخبرة الصامتة… كنوز لا تظهر في كشف الحساب”،
عبد العظيم الريح مدثر
اقتصادي
متقاعد من
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا
مؤسس منبر نور البحثي
sanhooryazeem@hotmail.com
