السيارة الرئاسية… زهرة الحياة الدنيا

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
لكي يفهم المرء ويفسر واقعة تنازل رئيس مجلس السيادة عن السيارة الرئاسية لأحد قادة التمرد السابقين، يحتاج لتجاوز القراءة الإدارية الضيقة لهذا الحدث. إن هذه الواقعة تعكس علاقة أعمق بين السلطة والدولة، عندما تنزلق المؤسسات من منطق الإدارة والوظيفة إلى منطق التصرف والامتلاك.ولهذا لابد من استدعاء كتاب “لماذا تفشل الدول” لعجم أوغلو وروبنسون الذي يشكل مدخلا مناسبا للفهم… فعندما تتحول المؤسسات إلى أدوات استحواذ، تُدار الدولة وكأنها ملكية خاصة، ويعاد صياغة المال العام كامتداد للمال الخاص. فالسيارة الرئاسية في هذا السياق هي بمثابة مال عام في صورة “عاريّة”، أي معارة بوصفها منفعة مرتبطة بالمنصب وليس بالشخص. العاريّة هنا تعني الاستخدام المقيد بالوظيفة، مع بقاء الأصل خارج دائرة التملك والتصرف الفردي. إذ لابد من اليمييز بين الملكية والاستخدام، والمحزن ان هذه الواقعة تحوّل الاستخدام إلى ملكية بصمت، دون إعلان ودون قاعدة. ما جرى هنا يقع بالضبط عند هذا التوصيف… فالسيارة الرئاسية هي أداة وظيفية انتُزعت من سياقها المؤسسي وأُعيد توظيفها في سياق شخصي-سياسي.
من منظور اخر فالسيارة في المخيال السوداني تحمل معنى اجتماعياً أوسع. فهي أداة حركة واستقلال وإنتاج، وينظر إليها كواحدة من “زهرات الحياة الدنيا”، بالتعبير القرآني البديع الذي يشير إلى ما يلمع في سطح الحياة ويمنح شعوراً بالقدرة والامتداد، دون أن يكون أصلاً للقيمة أو معياراً للشرعية. فامتلاك سيارة في السياق الطبيعي يأتي كثمرة جهد وكد وعرق، لا كمنحة أو امتياز سيادي.
لكنها للأسف يتحول النظر إليها من سياق الكسب إلى سياق الهبة السياسية. غير أن الأمر يمتد إلى ما هو أعمق من مجرد هبة او تنازل (كلاهما فعل غير مشروع). فقائد التمرد السابق لم يكن يسعى في الأصل إلى سيارة. ما كان يطلبه، وما يبدو أنه حصل عليه، هو شيء أثمن من ذلك… احتضان السلطة له كمكافأة. والسيارة الرئاسية في هذا السياق هي رسالة رمزية مفادها أن المنظومة القائمة تعترف به، تُدخله في دائرتها، وتُعيد تعريفه من خارج على الدولة إلى شريك في فضائها الرمزي.
هنا تتكشف أبعاد ما يسميه الفيلسوف الألماني أكسيل هونيث “اقتصاد الاعتراف”.. عندما تمنح الدولة رمز السيادة لمن مارس العنف، فهي بهذا تُعيد تعريف من يستحق الاعتراف ومن لا يستحقه. وهذه الإعادة في التعريف تهدم أساس الشرعية من الداخل، إذ تجعل مسار العنف مدخلاً للاندماج في الدولة، فيما يظل مسار المواطنة الصابرة والمثابرة المشروعة في هامش الانتظار.
على عموم الأمر، لا يمكن إنكار حقيقة مريرة… أن الدولة السودانية تعيش انتقالاً مضطرباً، وحالة تمرد حاد قضم جزءا اساسيا من سيادتها…لكن السؤال الأهم والمفصلي الذي يفرض نفسه هو.. كيف يُعاد إدماج الخارج من التمرد داخل الدولة؟
بلغة تتجافى التقريرية يبدو أن هناك طريقان..
الأول عبر قواعد المواطنة والعمل والمؤسسات. والثاني عبر توزيع الرموز والامتيازات خارج أي مسار مؤسسي. والأخطر في الحالة الثانية أن الدولة عندما تختار هذا المسار، فهي تعترف ضمنياً بأن قواعدها المؤسسية غير كافية للإقناع، فتلجأ إلى الاستثناء بديلاً عن القاعدة. وهذا ينكأ جرحاً أعمق من السيارة ذاتها… إذ تصبح الإشارة أخطر من الفعل، ويصبح الاستثناء نموذجاً يُحتذى لا شذوذاً يُستنكر.
الفهم العميق والبسيط في نفس الوقت لحالة التمرد والاضطراب لا يعني التخلي عن منطق الدولة. الخروج الحقيقي من التمرد يقتضي العودة الأكثر صرامة إلى قواعد بناء الدولة، لا تجاوزها بحجج الظروف الاستثنائية. أو بدواعي الحرب والخديعة… هذه المبررات من شأنها أن تشكل البيئة التي تسمح بتمدد هذا النمط من التفكير، لكنه في نفس الوقت لا يصبح مبرراً لتحويل الدولة إلى غنيمة.
عند هذه النقطة تتكشف القضية بكامل ثقلها، وهنا يستعيد كتاب “لماذا تفشل الدول” حضوره بقوة…. فأوغلو وروبنسون يُفرّقان بين نوعين من المؤسسات… المؤسسات الجامعة التي توزع الفرص وتحمي القواعد وتُخضع الجميع للمساءلة. والمؤسسات الاستخراجية التي تتركز فيها الموارد والامتيازات في يد نخبة ضيقة تستخدم الدولة أداةً للإبقاء على سلطتها. والمفارقة التي يكشفها الكتاب أن الانتقال من النوع الأول إلى الثاني لا يحدث دائماً بانقلاب صريح، ولكنه يحدث أحياناً بهبة، برمز، بسيارة. فعندما تُمنح أداة سيادية خارج أي إطار مؤسسي، تُرسي الدولة قاعدة صامتة مفادها أن الامتياز يُكتسب بالنفوذ والقوة، والتمرد… لا بالقانون والمواطنة. وهذه القاعدة الصامتة، عندما تتكرر، هي بالضبط المسار الذي يحوّل الدولة من مؤسسة جامعة إلى أداة استخراجية.
في نهاية التحليل يجدر القول والتذكير بأن الوطن أمانة تُدار بالقواعد، والتائب يعود إليه مواطناً لا شريكاً في الغنيمة.
فالعفو الانتقائي لا يصنع عدالة، ولكنه يعيد إنتاج المأساة بأشكال جديدة.
الدولة التي تكافئ من حمل السلاح وتهمش من صبر تضعف معنى الوطن نفسه. وتعصف بفكرة نبل المواطنة ومقتضياتها. فالمصالحة الحقيقية تُبنى على المساءلة، والمساءلة لا تبدأ بتوزيع رموز السيادة.
من ركب آلة التمرد ومثّل العنف يظل خاضعاً لمنطق العدالة، ومنطق العدالة وحده هو ما يمنحه اعترافاً حقيقياً ودائماً.
القضية ليست سيارة. القضية هي كيف تتصور الدولة ذاتها… هل هي نظام قواعد ومؤسسات، أم مساحة استحواذ وتصرف؟ التفهم الكامل لحالة التمرد والانتقال المضطرب ينبغي أن يكون حافزاً للتشبث بقواعد بناء الدولة أكثر من أي وقت مضى، لا غطاءً للتحلل منها.
وفي نهاية المطاف يجدر القول بأن الدولة التي تبني شرعيتها على استيعاب العنف (بالمكافأة) تُعلّم الجميع درساً خطيراً.. أن الطريق إلى الاعتراف يمر بالسلاح، لا بالمواطنة.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

الإمارات في زمن العدوان المركب.. درسان وتحديان

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدلم تكن دولة الإمارات العربية المتحدة طرفاً مباشراً في …