الاقْتِصَادُ السِيَاسِيُ لِلْوَقْتِ فِي الحَرْبِ
قراءة في ورقة الدكتور الواثق كمير حول قضايا الخلاف التي لا يمكن تجاوزها في الحوار السوداني
The Political Economy of Time in Wartime
A Reading of Dr. El-Wathig Kameir’s “Points of Contention in Sudanese–Sudanese Dialogue”
البروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي المؤسس لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
قرأت باهتمام وتقدير ورقة الصديق الدكتور الواثق كمير المنشورة في صحيفة “سودانايل” الغراء، والتي خصني أيضاً بمشاركتها مشكوراً بعنوان: » الحوار السوداني–السوداني: قضايا الخلاف التي لا يمكن تجاوزها.« وأقدّر حرصه الواضح على التأكيد منذ البداية أن الورقة تمثل «مساهمة تحليلية شخصية مستقلة»، وليست وثيقة باسم لجنة أو مبادرة، ولا مقترحاً لأجندة جاهزة للحوار. وهذا التوضيح مهم، ولا سيما أن الدكتور الواثق عضو في لجنة تهيئة الحوار، كما أنني لا أشك في صدق رغبته، ورغبة رئيس اللجنة وعدد من أعضائها الذين أكن لهم كل الاحترام، في الإسهام في وقف الحرب وإخراج السودان من مأساته. لكن الورقة، من حيث لا تقصد ربما، تثير عندي سؤالاً أراه سابقاً على القضايا الخمس التي تقترح مناقشتها: هل يملك السودان الوقت اللازم لكي تبدأ لجنة تهيئة الحوار نفسها بالبحث عن تصور مشترك لما ينبغي أن تهيئ له؟
من خلاف القوى السياسية إلى خلاف اللجنة على ما ينبغي مناقشته
ينطلق الدكتور الواثق من سؤال مهم: لماذا لم تستطع القوى السياسية والمدنية السودانية حتى الآن أن تبدأ فيما بينها حواراً وطنياً جاداً حول إنهاء الحرب؟ ويرى أن المشكلة لا تعود إلى نقص المبادرات والأفكار العامة بقدر ما تعود إلى انقسامات سياسية حادة حول قضايا محددة أفرزتها الحرب. ثم يحدد خمس قضايا رئيسية: قوات الدعم السريع، والقوات المسلحة السودانية، وقيادة القوات المسلحة، ودور الإسلاميين، ودور الفاعلين الإقليميين والدوليين، ويضع فوقها خلافاً حاكماً يتعلق بكيفية فهم طبيعة حرب أبريل نفسها. ولا أختلف معه في أهمية هذه القضايا. بل أعتقد أن معظمها سيكون حاضراً بالضرورة في أي حوار سوداني جاد. وقد تناولناها مراراً في سلسلة مقالات حول “الجبهة المدينية الابتنائية” لصياغة وتبني “العهد الوطني” و”العقد الاجتماعي”. لكن الخلاف ليس حول أهمية مناقشتها. الخلاف حول متى نناقشها، ولأي غرض، وخصوصاً: ماذا يحدث للسودان بينما نستغرق الوقت اللازم لمناقشتها؟ وهنا تدخل المسألة التي أسميها اقتصاد الوقت في الحرب (The Political Economy of Wartime).
خطل علاج جميع الأمراض المزمنة للمريض قبل وقف النزيف الذي يهدد حياته.
إن القضايا التي يطرحها الدكتور الواثق مهمة، وبعضها يعود بالفعل إلى أزمات تأسيسية لازمت الدولة السودانية منذ الاستقلال. وهو محق في قوله إن سؤال «من يحكم؟» ظل يتقدم على سؤال «كيف تُبنى الدولة؟». وهذه تحديداً قضايا ابتناء السودان بعد إسكات المدافع. لكن وضعها كلها في مدخل عملية تهدف، بصورة أو بأخرى، إلى إنهاء الحرب يجعلنا نطالب اللحظة الإسعافية بحل مشكلات الدولة التاريخية قبل إيقاف النزيف. وهذا يشبه ــ مع الفارق ــ مطالبة غرفة الطوارئ بعلاج جميع الأمراض المزمنة للمريض قبل وقف النزيف الذي يهدد حياته. هيئوا لوقف النزيف أولاً. ثم هيئوا للعلاج الشامل.
الوقت ليس محايداً
في الظروف السياسية العادية، قد يكون من المفيد جداً أن تبدأ لجنة تهيئة الحوار بمشاورات فكرية وسياسية مطولة لتحديد القضايا محل الخلاف، ثم تتداول حولها، وتختبرها مع الأطراف المختلفة، وتطور أجندة مشتركة، وتحدد المشاركين، ثم تتفق على الضمانات وآليات إدارة الحوار. لكن السودان ليس في ظرف سياسي عادي. السودان في حرب. وفي الحرب، الوقت ليس فراغاً بين اجتماع واجتماع. كل أسبوع يُستهلك في المشاورات هو أيضاً أسبوع من الحرب. وكل شهر تستغرقه عملية بلورة المواقف هو شهر إضافي تستطيع فيه الأطراف المتحاربة إعادة التموضع، وحشد الموارد، وشراء السلاح، وتعديل تحالفاتها، وترسيخ شبكات اقتصاد الحرب وتغيير الوقائع على الأرض. وفي الجهة المقابلة، هو شهر آخر من القتل والنزوح والجوع وتدمير البنية التحتية وانهيار مؤسسات الدولة. ولهذا فإن: التأخير نفسه قد يصبح مورداً من موارد الحرب.
خمسة اقتصادات للوقت في الحرب
إذا كان الوقت مورداً في الحرب، فإنه لا يعمل بالطريقة نفسها بالنسبة إلى جميع الفاعلين. فاليوم الواحد قد يكون وقتاً للنجاة بالنسبة إلى المدني، ووقتاً للتموضع بالنسبة إلى المتحارب، ووقتاً للتشاور بالنسبة إلى السياسي، ووقتاً للإجراءات بالنسبة إلى الوسيط، ووقتاً لترسيخ الأمر الواقع بالنسبة إلى اقتصاد الحرب. ومن هنا يمكن التمييز بين خمسة اقتصادات متداخلة للوقت:
1. اقتصاد الوقت الإنساني: الوقت بوصفه حياة. كل يوم إضافي من الحرب قد يعني مزيداً من القتلى والجرحى والنازحين والجوعى وتعطل الخدمات وطرق الإغاثة. والاجتماع المؤجل يمكن عقده لاحقاً، والوثيقة يمكن تعديلها، أما الحياة التي تُفقد أثناء الانتظار فلا يمكن استعادتها. ولذلك كلما طال الطريق إلى وقف النار ارتفعت الكلفة الإنسانية غير القابلة للتعويض.
2. اقتصاد الوقت العسكري: الوقت بوصفه فرصة. ما يمثل خسارة للمدني قد يمثل مكسباً للمتحارب. فكل يوم بلا وقف لإطلاق النار يتيح إعادة التموضع وحشد الموارد وتأمين الإمدادات ومحاولة تحسين الموقع التفاوضي بتغيير الوقائع العسكرية. وهكذا قد يصبح كسب الوقت استراتيجية في حد ذاته: لا يرفض الطرف السلام صراحة، لكنه يؤخر الوصول إليه أملاً في شروط عسكرية أفضل غداً.
3. اقتصاد الوقت السياسي: الوقت بوصفه تشاوراً ومساومة. تحتاج السياسة بطبيعتها إلى تقريب المواقف، وبناء التوافق، وتحديد المشاركين والأجندة والضمانات. لكن المشكلة تبدأ عندما يُعامل الوقت وكأنه مورد بلا سقف بينما يستمر القتل. ومن هنا لا يكفي أن نسأل: هل التشاور ضروري؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: كم من الوقت يستحق هذا التشاور في بلد يستمر فيه القتل أثناء التشاور؟
4 اقتصاد الوقت الإجرائي والدبلوماسي: الوقت بوصفه عملية. تشكيل اللجان، وإعداد الأوراق، والأسفار، والاجتماعات، وصياغة الضمانات والبحث عن ضامن، كلها خطوات قد تبدو معقولة منفردة؛ لكن تراكم الخطوات المعقولة قد ينتج مدة غير معقولة. وقد تنجح المبادرة إجرائياً، بكثرة اجتماعاتها ووثائقها ومشاوراتها، بينما تفشل زمنياً لأنها لا تصل إلى وقف النار بالسرعة التي تفرضها المأساة.
5. اقتصاد وقت الأمر الواقع: الوقت بوصفه قوة تراكمية. وهذا ربما أخطر الاقتصادات الخمسة؛ فالحرب لا تستهلك الزمن فقط، بل تستخدمه لإنتاج واقع جديد. فمع طول أمدها تترسخ شبكات اقتصاد الحرب، وتتكون مراكز نفوذ وسلطات محلية وترتيبات أمنية، وتتعمق خطوط الفصل بين المناطق والجماعات. وما يبدأ واقعاً عسكرياً مؤقتاً قد يتحول مع الزمن إلى أمر واقع سياسي واقتصادي واجتماعي يصعب تفكيكه.
وتكشف هذه الاقتصادات الخمسة مفارقة جوهرية: وقت المدنيين ينفد، ووقت المتحاربين يُستثمر، ووقت السياسيين يُستهلك في بناء التوافق، ووقت الوساطات يُستهلك في الإجراءات، ووقت الأمر الواقع يتراكم لمصلحة ترسيخ الحرب والتشظي. وهذه الأزمنة لا تتحرك بالسرعة نفسها؛ فما قد تراه لجنة تهيئة الحوار شهراً ضرورياً للتشاور، يراه المدني شهراً إضافياً من الخطر، ويراه المتحارب فرصة عسكرية، وتراه شبكات الحرب شهراً إضافياً للترسخ. وعليه لا يكفي أن تكون تهيئة الحوار صحيحة في مضمونها؛ بل يجب أن تكون صحيحة أيضاً في التوقيت والتسلسل والسرعة. ومن هنا يصبح المعيار الحاكم لتهيئة الحوار في زمن الحرب: ليس السؤال فقط: ماذا سننجز إذا اكتملت عملية تهيئة الحوار؟ بل: ماذا سيحدث للسودان حتى تكتمل؟
ورقة الدكتور الواثق تكشف مفارقة مهمة
يقول الدكتور الواثق إن ورقته لا تقترح مساراً تفاوضياً بديلاً ولا تتناول كيفية إدارة الحوار أو مخرجاته، وإنما تريد تحديد الخلافات التي ينبغي مواجهتها منذ المراحل الأولى حتى يصبح جمع الفرقاء ممكناً. وهذا مفهوم تماماً بوصفه اجتهاداً فكرياً شخصياً. لكن صدور مثل هذا الاجتهاد عن عضو في لجنة تهيئة الحوار يكشف، من زاوية اقتصاد الوقت، مسألة تستحق التوقف. فإذا كان عضو بارز في اللجنة لا يزال يطرح للنقاش العام وخارج إطار اللجنة فرضية حول ما هي القضايا الأساسية التي ينبغي الحوار، وقد يكون لأعضاء آخرين تصورات أن يتهيأ حولها مختلفة، فكم تحتاج اللجنة نفسها من الوقت لكي تنتقل من تعدد الاجتهادات الشخصية إلى رؤية مؤسسية مشتركة حول أهدافها وغاياتها وترتيب أولوياتها؟ ثم كم تحتاج من الوقت لإقناع القوى المدنية بهذه الرؤية؟ ثم كم تحتاج لتحديد المشاركين والشروع في دعوتهم للحوار؟ ثم للاتفاق على الضمانات للمشاركين المحتملين المواجهين بقضايا تصل عقوبتها للإعدام؟ ثم للبحث عمن يضمن تلك الضمانات؟ ثم لبدء الحوار؟ ثم لإدارة القضايا الخلافية الخمس التي حددتها الورقة؟ ثم للوصول إلى مخرجات؟ ثم ــ وهذا هو السؤال الأهم ــ كيف ستنتقل تلك المخرجات من حوار المدنيين إلى الطرفين اللذين يحملان السلاح ويستطيعان وقف إطلاق النار؟
هذه ليست أسئلة ساخرة من اللجنة. إنها أسئلة الكلفة الزمنية لمسار لجنة تمهيد الحوار. هناك اتفاق بالفعل على ما يجب أن يحدث أولاً. واللافت أن ورقة الدكتور الواثق نفسها تقدم مفتاحاً ربما يغنينا مؤقتاً عن جانب كبير من هذا الطريق الطويل. فهو يقول إن معظم القوى السياسية والمدنية تكاد تتفق، من حيث المبدأ، على أن العملية السياسية تبدأ بـ وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وبناء الثقة، ثم الانتقال إلى تسوية سياسية شاملة. وهذه، في تقديري، أهم فقرة في الورقة. فإذا كان هناك بالفعل هذا القدر من الاتفاق على الخطوة الأولى، فلماذا نبدأ بالخلافات التي تليها؟ لماذا لا تستخدم اللجنة هذا الحد الأدنى المشترك لتوجيه جهدها العاجل نحو وقف إطلاق النار؟
- ليس مطلوباً من القوى السياسية أن تتفق أولاً على طبيعة حرب أبريل حتى يتوقف قتل السودانيين.
- وليس مطلوباً منها أن تحسم موقفها من الإسلاميين قبل فتح ممر إنساني.
- ولا أن تتفق على موقع الدعم السريع في مستقبل السودان قبل الاتفاق على وقف إطلاق النار.
- ولا أن تحسم العلاقة المدنية العسكرية قبل حماية المدنيين.
- ولا أن تتوافق على دور الفاعلين الإقليميين والدوليين حتى تنساب المساعدات لمن افترسهم النزوح واللجوء.
كل هذه قضايا ضرورية. لكنها ليست شرطاً لكي يتوقف إطلاق الرصاص. هناك فرق بائن بين إنهاء الحرب وفهمها. وهنا يكمن جوهر اختلافنا مع ورقة الدكتور الواثق. إن فهم طبيعة حرب أبريل وأسبابها ومن يتحمل مسؤولياتها التاريخية والسياسية والأخلاقية أمر بالغ الأهمية. وسيحتاج السودان إلى مناقشته بعمق. لكن إنهاء الحرب لا ينبغي أن ينتظر اتفاق السودانيين على تفسيرها. فقد يختلف المدنيون سنوات حول ما إذا كانت الحرب حرباً بين جنرالين، أو امتداداً لصراع الثورة والثورة المضادة، أو صراعاً على الدولة، أو نتيجة لفشل الانتقال، أو حرباً ذات امتدادات إقليمية، أو مزيجاً من ذلك كله. لكن الجريح لا يحتاج إلى نظرية متفق عليها عن الحرب حتى يصل إليه الدواء. والنازح لا يحتاج إلى سردية موحدة عن أسباب أبريل حتى يعود إلى منزله. ولهذا ينبغي الفصل بين: فهم الحرب، ووقف الحرب، وبناء السلام. الفهم يساعدنا في عدم إعادة إنتاج أسباب الحرب. لكن وقف النار ينقذ من لا يزال حياً. وبناء السلام يعالج الخلافات التي قد تعيد إشعالها.
الحرب ليست بين المدنيين
وهنا أعود إلى السؤال الذي طرحته في مقال سابق. الحرب التي نريد وقفها ليست بين القوى السياسية والمدنية التي تسعى لجنة تهيئة الحوار إلى جمعها. الحرب، في مستواها العسكري المباشر، بين القوات المسلحة والدعم السريع. ولهذا فإن تقريب وجهات النظر بين المدنيين، مهما بلغت أهميته، لا يوقف في ذاته المدافع. إن الذين يستطيعون إصدار أوامر وقف إطلاق النار هم قادة المتحاربين. ومن هنا تظل القاعدة العملية: المتحاربون ينهون الحرب، والمدنيون يبنون السلام. ولا يعني ذلك استبعاد المدنيين من عملية السلام. بل يعني تحريرهم من مهمة لا يملكون أدواتها، لكي يتفرغوا للمهمة التي لا ينبغي أن يحتكرها حملة السلاح: تحديد مستقبل الدولة السودانية.
ماذا لو أعادت اللجنة تعريف مهمتها؟
لا أدعو لجنة تهيئة الحوار إلى التوقف عن العمل. بل أدعوها إلى استثمار ما تكشفه ورقة الدكتور الواثق نفسها. إذا كانت القوى المدنية متفقة تقريباً على أن البداية هي وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وانسياب المساعدات، فليكن هذا هو الحد الأدنى الوطني المشترك الذي تبدأ منه اللجنة. ولتؤجل، دون أن تلغي، الخلافات الخمس والسرديات المتعارضة حول طبيعة الحرب إلى الحوار السياسي الذي ينبغي أن يأتي بعد توقف النار، وانتفاء الحاجة للضمانات التي تمثل الشغل الشاغل للجنة رغم عبثية هذه الضمانات برفض المعنيين بها حتى لمبدأ المشاركة في الحوار.
ولتستخدم اللجنة في هذه المرحلة مصداقية أعضائها واتصالاتهم ووزنهم المشهود لدى قيادة الجيش في تهيئة المتحاربين لقبول هدنة إنسانية قابلة للمراقبة، مباشرة أو عبر الوسطاء. عندئذ يصبح مفهوم «التهيئة» أكثر اتصالاً بحياة السودانيين:
تهيئة لهدنة ← تهيئة لوقف إطلاق النار ← تهيئة للحوار ← حوار لبناء السلام والدولة.
اقتصاد الوقت يغير السؤال
ربما لا يكون السؤال الأكثر إلحاحاً الآن: ما قضايا الخلاف التي لا يمكن تجاوزها؟ بل: ما قضايا الخلاف التي يمكن تأجيل حسمها حتى يتوقف قتل السودانيين؟ هذا لا يعني القفز فوق الخلافات، وهو ما يحذر منه الدكتور الواثق بحق. بل يعني ترتيبها زمنياً وفق خطورتها ووظيفتها. فبعض الخلافات يجب مواجهته قبل الحوار. وبعضه داخل الحوار. وبعضه في العملية الدستورية. وبعضه عبر الانتخابات. لكن وقف إطلاق النار لا ينبغي أن يصبح رهينة لحسمها جميعاً.
رسالة إلى الصديق الواثق وإلى لجنة التهيأة
لعل القيمة الأكبر لورقة الدكتور الواثق أنها، من حيث أرادت تشخيص تعقيدات الحوار، تكشف أيضاً حجم الزمن الذي يمكن أن تستهلكه محاولة حلها. وهنا يصبح اختلافنا اختلافاً في التسلسل لا في أهمية القضايا. فلنحتفظ بالقضايا الخمس المعروفة للجميع. ولنضع الخلاف حول طبيعة حرب أبريل على طاولة الحوار. ولنختلف حولها بحرية وعمق ومسؤولية. لكن بعد أن نوقف النزيف، لا بينما يستمر. لأن السودان لا يملك وقتاً سياسياً مفتوحاً. وإذا كان أعضاء لجنة تهيئة الحوار أنفسهم يحتاجون إلى مرحلة من الاجتهادات الفردية والمداولات الداخلية للوصول إلى تصور موحد حول أهداف اللجنة وغاياتها وأجندتها، كما أوحت ورقة الدكتور الواثق، الذي يحرص دائماً على تأكيد المنطلق الشخصي لمداخلاته المتعلقة بعمل لجنة التهيأة، فإن هذه المدة ينبغي أن تدخل صراحة في حساب اقتصاد الوقت الضائع (The Economics of Wasted Time). ليس لأن الحوار غير مهم. بل لأن الحرب لا تنتظر اكتمال تصوراتنا عنها.
ولهذا أرى أن يصبح السؤال الذي يسبق كل اجتماع للجنة: هل ما نفعله اليوم يختصر يوماً من الطريق إلى وقف إطلاق النار، أم يضيف يوماً إلى عمر الحرب؟ إذا كان يختصر الطريق، فليمضوا فيه. أما إذا كان يضيف حلقات جديدة من التشاور والصياغة والضمانات قبل الوصول إلى المتحاربين، فينبغي إعادة ترتيب المسار. ففي زمن الحرب، لا يكفي أن تكون المبادرة حسنة النية أو سليمة المنطق السياسي. عليها قبلاً وبعداً أن تكون واعية بكلفة الزمن. والتأخير في زمن السلم قد يكون مجرد تكلفة إجرائية. أما في زمن الحرب، فقد يصبح مورداً من موارد استمرارها.
وعليه، فإن الرسالة ليست إلى الدكتور الواثق وحده، وإنما إلى لجنة تهيئة الحوار كلها: لا تجعلوا البحث عن الاتفاق بين المدنيين حول تفسير الحرب يستهلك الزمن الذي يحتاجه السودان لإيقافها. اتفقوا الآن على الحد الأدنى الذي تقول ورقة الدكتور الواثق نفسها إنه قائم: وقف إطلاق النار، حماية المدنيين وانسياب المساعدات. ثم اختلفوا، بعد إسكات المدافع، حول كل ما يستحق الاختلاف والحوار. فالوقت ليس في صف السودان. ودعاة الحرب يستثمرون كل يوم نهدره في حوار لا طائل منه.
اقتصادات الوقت في الحرب غير متكافئة: فالوقت الذي تخسره الضحية المدنية قد يكسبه المتحارب، والوقت الذي تحتاجه لجنة تهيئة الحوار لبناء التوافق قد تستخدمه الحرب لبناء الأمر الواقع الذي يهدد بالتشظي. لذلك فإن أي مبادرة حوار لا تحسب تكلفة الزمن قد تسهم، من حيث لا تقصد، في إطالة الحرب التي تسعى إلى إنهائها، وتساهم جوهرياً في بلوغ غاياتها بتشطير السودان .Top of FormBottom of Form
melshibly@hotmail.com
