الانقاذ… سيناريو التفكيك القادم … تقرير: خالد البلوله ازيرق

 


 

 

سيف الجنائية مسلط

 

dolib33@hotmail.com

 

كعادته في لقاءاته الجماهيريه التى يخرج فيها كثير من الحديث والمواقف والمعلومات، لم يمضي د.نافع على نافع مساعد رئيس الجمهورية في لقاءه مع جماهير بربر في مناصرتهم لرئيس الجمهورية بقاعة الصداقه، قبل ان يرفد الساحه السياسيه بجديد في تجلياتها المختلفه، عندما أشار الى وجود سيناريو ترسمه دولة أوربية لإسقاط  النظام قبل الانتخابات وتسعي لتنفيذه أحزاب سياسيه تدعو لتأجيل الإنتخابات. هكذا قالها دكتور نافع على نافع ومضي الى سبيله تاركاً تأويلات حديثه لمظان الصحافه وتحليلاتها.

 

ما قال به نافع من سيناريو لاسقاط النظام لم يكن الأول من نوعه الذي يقول به مسئول انقاذي كبير، وإن مضي نافع الى التأكيد بأن تغيير النظام بعيداً عن الإنتخابات مستحيل واصفاً من يعتبرون بغير ذلك بأنهم واهمون. وقد أعاد حديث نافع الى الاذهان مجدداً سيناريوهات ومحاولات تفكيك النظام التى بدأت منذ تسعينات القرن الماضي وبسيناريوهات مختلفه، فهل مازالت تلك السيناريوهات تجد من يدعمها ويقف من وراءها، وبأى سيناريو سيتم التفكيك القادم للنظام طالما ان نافع أشار الى انه يسعي لتأجيل الإنتخابات، إذاً السيناريو بهذا الشكل سيكون بغير العملية الديمقراطية.

 

وسبق لمدير جهاز الأمن الوطنى الفريق صلاح عبد الله قوش ان قال في لقاءه بالصحافيين مطلع يناير الماضي في منزل الصحافي عمر الكاهن "ان الدول الغربية غير مرتاحة للحكومة لكنها لا تريد تغييرها بصورة "راديكالية" وانما يريدون اعادة ترتيبها  على اساس ان يكون الإسلاميون جزءا منها ولكن ليس الاكثر تأثيرا في  صناعة القرار، وان السياسة الغربية  في  العالم ان يكون للإسلاميين دور سياسي في الحكم لتخفيف التطرف وامتصاص ظلاماتهم، واضاف ان المحكمة الجنائية الدولية من ادوات الضغوط الغربية على الحكومة السودانية، وان الضغوط الحالية تأتي عبر دارفور لاضعاف المجموعة الحاكمة، وقضم نصيبها من السلطة حتى لا تكون مؤثرة في معادلة السلطة بعد فشل وسائلهم التقليدية عبر الحصار والعمل العسكرى ".

 

اذاً قوش يحرر قضية التغيير للدوله في الحفاظ على شكل الحكم وتقليل نسبة سيطرة الاسلاميين فيها. وان كان قد اشار الى ان المحكمة الجنائية الدولية هى أحدى ادوات التغيير التى يستخدمها الغرب، فإن تلك المحكمة التى وصف البعض قرارها بتوقيف البشير بأن الهدف منه قطع الطريق أمامه لترشح للانتخابات القادمه، فإن ذات كرت الجنائية سينظر فيه مجلس الأمن الدولى في الخامس من يونيو المقبل عبر تقرير مدعيها العام لويس موينو أوكامبو، ومعروف ان الدول الأوربية خصوصاً فرنسا تقف بقوة خلف المحكمة وتنفيذ قراراتها خاصة في قضية اتهام الرئيس البشير، فاذا ما فشل مجلس الأمن في تجميد قرار الجنائية ضد الرئيس البشير لعام فربما يكون هناك سيناريو لإبعاده من الترشح للانتخابات القادمه وبالتالي خلخلت النظام الذي يمثل مركزيته واحداث تغييرات بداخله. خاصة وهناك  ما يرجح ان يكون السيناريو الذي ذكره نافع تعده فرنسا بعد إتهام الخرطوم لها قبل ثلاثه ايام بدعم تشاد في هجومها على الاراضي السودانية وتأليب مجلس الامن عليها وتحميلها مسئولية توتر علاقتها مع تشاد، وقال السفير على الصادق المتحدث الرسمي بإسم الخارجية "نحمل فرنسا مسئولية ما يجري بين البلدين، موضحاً انها ظلت تساند بإستمرار ما وصفه بالصلف التشادي في رفض مبادرات التهدئه وعدم التقيد بالاتفاقيات التى ابرمت بين الطرفين".

 

اذاً السيناريو القادم ضد الحكومة السودانية سيبدأ مطلع يونيو المقبل من داخل اروقة مجلس الأمن الدولى حيث تقود الدول الأوربية بقيادة فرنسا دعم خط المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس البشير، فيما ستلزم الولايات المتحده الأمريكيه الصمت لحسابات خاصة بها اتجاه المحكمة الجنائية الدولية، ولكن مهما يكن فإن التحركات الفرنسية والمجموعة الأوربية ضد الحكومة السودانية في موضوع المحكمة الجنائية ربما لا تتطابق رؤيتهما في التعامل مع السودان مع الرؤية الأمريكيه، فالتشدد الفرنسي الاوربي ضد الخرطوم يقابله نوع من السياسه الجديده للولايات المتحده قائمه على التحاور واستخدام استراتيجية دبلوماسية جديده بعيده عن التهديدات والعقوبات.

 

ولكن قضية تفكيك الانقاذ التى اشار د.نافع الى ان احزاب سياسيه تسعي لتنفيذ سيناريو الدولة الأوربيه، فهى ايضاً كانت مطلباً لبعض القوي السياسيه خاصة المعارضة منها بعد فشل اتفاقيات السلام الموقعه في احداث ذلك، فقد دعا كل من حزب الأمه القومي برئاسة الصادق المهدى وحزب المؤتمر الشعبي الى تكوين حكومة قومية لإدارة البلاد في المرحلة المقبله وتشاطرهم كثير من القوي السياسيه الرأى في ذلك، وهى الدعوة التى رفضها المؤتمر الوطنى ووصفها د.نافع على نافع في منبر السياسات بجامعة الخرطوم بأنها دعوة لتفكيك الإنقاذ وأن من يدعون لها يحلمون بذلك. فيما ظل المؤتمر الوطنى يدعو ويتحدى الى التغيير عبر الانتخابات التى يبدو اكثر حماساً لها، في وقت تتهمه فيه القوي السياسيه بما فيها الحركة الشعبية الشريك الرئيسي في الحكم بالسيطره على مقاليد الإمور في الدوله ومحاولاته خلق أجواء يصعب فيها اجراء انتخابات حره ونزيهة

 

وكان جيف شتاين، سي كيو، قد نشر تقريرا مطلع ابريل الماضي تحت عنوان "هل حان وقت الحديث داخل سي أي أيه عن تغيير النظام في السودان؟" قال فيه "ان ذلك كان تفكيراً موجوداً لوقف سفك الدماء في دارفور، وقال ان مايكل غيرسون الذي عمل في كتابة خطابات الرئيس بوش الرسمية أعلن تأييده لـ"إستراتيجية شاملة تؤدي خطوة خطوة إلى حكومة في السودان تقدر شعب دارفور، وهذا لا يعني بالضرورة تغيير النظام الحاكم، وإنما قد يتطلب تغيير الرئيس البشير وظهور قيادة سودانية مستعدة للبدء من جديد". وأشار الى ان مسؤول إستخبارات سابق قال إن السودان مستقر بشكل عام فيما عدا منطقة دارفور، وأن الإستخبارات تعمل مع المسؤولين السودانيين على قضايا مكافحة الإرهاب وغيرها. ولكن المشكلة هي أن الموقف السياسي يشبه أحجية "مكعب روبيك" الذي ما أن تتحرك إحدى قطعه حتى تتحرك القطع الباقية تباعاً. ويوضح المسؤول، الذي رفض ذكر إسمه، أن "دارفور أكثر تعقيداً مما يدرك البعض، لاسيما في وجود تشاد وإريتريا وإثيوبيا وحكومة جنوب السودان وغيرهم، وكل منهم يلعب دوراً مختلفاً لإبقاء الوضع مشتعلاً بدعم الفصائل المختلفة". وفي النهاية قد يكون الرئيس البشير أقل الخيارات سوءاً، لذا يقول مسؤول الإستخبارات الأمريكية أن"البشير قد لا يكون إختياري الأول، ولكن أي برنامج سري لإجباره على فعل الصواب سيكون أفضل من الإطاحة به".أما غاريت جونز، ضابط العمليات المتقاعد بالاستخبارات المركزية الأمريكية والخبير بشؤون المنطقة، فيرى أن قضية السودان "تتعلق بالنفط"، ولا يوجد حصاناً ماهراً يمكن للاستخبارات المركزية ركوبه لدخول الخرطوم.  

 

اذاً فان كانت فكرة تغيير النظام لدى الادارة الامريكيه السابقه موجوده فإنه يستبعد على ضوء التغييرات الجديده في السياسه الخارجية الامريكيه وجودة ضمن اجندتها في السودان، بالتالي فإن هناك يبدو ما يشبه التقاطع في طريقة التعامل الاوربية الفرنسية مع الطريقة الامريكيه مع السودان على ضوء سياساتهما المطروحه الآن. فيما يشرون مراقبون الى عملية تبادل أدوار في الموقف الأوربي والأمريكي تصب جميعها في الضغط على الخرطوم لتقديم تنازلات مختلفه لصالح دارفور والجنوب وبعض دول الجوار ذات الإرتباط بفرنسا، وهى جميعها تقاطعات مصالح تتفق في جوهرها الى ما ذهب إليه مدير جهاز الأمن الوطنى صلاح قوش حينما قال أنها ضغوط تمارس من الغرب ليس لتغيير النظام وانما لتقليل حصة الإسلاميين في كيكة السلطه. وكان دكتور غازي صلاح الدين مستشار رئيس الجمهورية قد قال في تنويره لملتقي الاعلاميين السودانيين العاملين بالخارج "حول الوضع السياسي الراهن" بتغير السياسه الامركية تجاه السودان بقوله "ان علاقتنا مع الولايات المتحده الأمريكيه نتمنى ان تدخل في مرحلة جديده، وكان ينبغي ان يكون ذلك منذ توقيع نيفاشا، وقال ان الجديد في مسار العلاقات مع امريكا ان هناك يأس ان يطاح بالمؤتمر الوطنى كقوي حاكمه، والثاني ان الإدارة الامريكيه جاءت بنوايا جديده على خلفية قضاياها الداخليه، وهناك مؤشرات على انها تريد التغيير من خلال زيارة غرايشن وجون كيري، وقال انها علاقة معقده تحكمها اعتبارات داخليه في امريكا والسودان، ولكننا نقول ان هناك فرصه غير مسبوقه لترميمها".

 

وكان تقريرا أعده مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن في يناير 2004، أشار لصدور قرار عن الكونجرس بتكوين لجنة استشارية للسياسة الأمريكية في القارة الإفريقية، أوصى باعتبار السودان "قاعدة انطلاق جديدة للسياسة الأمريكية في القارة الإفريقية"، وتحدث عن تحويل السودان لنموذج للديمقراطية في إفريقيا بعد إحلال السلام فيه، بحيث ينتقل صداه فيما بعد من دول القرن الإفريقي وصولاً لدول الشرق الأوسط عبر البحر الأحمر وقالوا إن السودان يشكل في هذا الخصوص نموذجا قياديا للدول الإفريقية بشكل عام بشأن كيفية حل الصراعات الداخلية، والمشاركة السياسية عن طريق السلام. وكانت محاولات جرت سابقاً لتغيير النظام فشلت لتفيكيك الانقاذ من قبل الولايات المتحده الأمريكيه، ففى بداية الانقاذ كانت واشنطن تسعى لمنع "الأسلمة" مع اختلاف الطرق التي اتبعتها كل إدارة أمريكية وفقا لمصالحها مع النظام الإسلامي في السودان، وفى عهد كلينتون قامت واشنطن بما يسمى بـ  "شد الأطراف" لتفكيك النظام وفى عهد بوش اتبع سياسة "تفكيك النظام" عبر اتفاقيات سلام متعددة، لتكون دولة فيدرالية أو كونفيدارلية متعددة الأديان والأعراق ولكن يبدو أن الخرطوم فطنت لهذه الخطة فكانت تتبع التعاون والحوار مع واشنطن بتكتيكات أخرى تحافظ فيها على بقاءها في السلطه.

 اذاً فإن سيف التغيير المتبقي هو سيناريو المحكمة الجنائية الدولية التى يرسم خيوطها داخل اروقة مجلس الأمن الدولى، الذي سينظر فيها مطلع يونيو القادم، فهل تنجح الحكومة عبر طرقها المختلفه في وأده كسابقه من محاولات لخلختها، أم ان الدول الغربيه ستنجح هذه المره وتدون عبره مرحلة جديده في تاريخ السودان بعيدة عن سيطرة الاسلاميين؟!!.

 

آراء