المُبْتَدَأُ: –
جَوْهَرُ المَرْحَلَةِ الجَدَلِيَّةِ القادِمَةِ: إِمّا أَنْ يَنْضُجَ وَعْيُ الطَبَقاتِ الحاكِمَةِ لِمُراجَعَةِ التَطْبِيعِ، وَإِمّا أَنْ يَنْضُجَ وَعْيُ الجَماهِيرِ لِفَرْضِ البَدِيلِ.
وَالخَبَرُ: –
(1)
عِنْدَ تَوْقِيعِ الاِتِّفاقِيّاتِ الإِبْراهِيمِيَّةِ (2020)، راهَنَت دَوائِرَ القَرارِ فِي واشِنْطُن وَتَلِّ أَبِيبَ وَعَواصِمَ عَرَبِيَّةً عَلَى أَنَّ تَهْدِيداً مُشْتَرَكاً (هُوَ إِيرانُ وَمَشْرُوعُها الإِقْلِيمِيُّ) كافٍ لِتَشْكِيلِ “حِلْفٌ دِفاعِيٍّ غَيْرِ مُعْلَنٍ” يَتَجاوَزُ الصِراعَ الفِلَسْطِينِيَّ. لكِنَّ الحَرْبَ المُباشِرَةَ أَوْ شِبْهَ المُباشَرَةِ الَّتِي نَشَبَتْ مُؤَخَّراً بَيْنَ إِسْرائِيلَ وَالوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ مِن جِهَةٍ، وَإِيرانَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى (بِتَبادُلِ الضَرَباتِ الجَوِّيَّةِ، وَاِسْتِهْدافِ القَواعِدِ، وَالهَجَماتِ السِيْبْرانِيَّةِ)، وُضِعَتْ هذِهِ المُعادَلَةُ عَلَى المِحَكِّ. مِن مَنْظُورٍ جَدَلِيٍّ، تَكْشِفُ الحَرْبُ الجَدِيدَةُ أَنَّ التَوَحُّدَ ضِدَّ طَهْرانَ لا يُلْغِي التَناقُضاتِ الداخِلِيَّةَ بَيْنَ أَطْرافِ التَطْبِيعِ، بَلْ يُعِيدُ إِنْتاجَها بِشَكْلٍ أَكْثَرَ حِدَّةً، مُحَوِّلاً إِيّاها مِنْ “غِطاءٍ اِسْتراتِيجِيٍّ” إِلَى “مُشْكِلَةٍ وَجَوْدِيَّةٍ”.
(2)
اِرْتَكَزَت الاِتِّفاقِيّاتُ الإِبْراهِيمِيَّةُ عَلَى فَرْضِيَّةِ أَنَّ الخَطَرَ الإِيرانِيَّ (بَرْنامَجٌ نَوَوِيٌّ، صَوارِيخُ بالِيسْتِيَّةٌ، مِيلِيشْياتٌ مُوالِيَةٌ) أَكْبَرُ مِن أَيِّ خَطَرٍ ناتِجٍ عَنْ التَطْبِيعِ مَعَ إِسْرائِيلَ. لكِنَّ الحَرْبَ المَفْتُوحَةَ بَيْنَ الطَرَفَيْنِ كَشَفَت تَناقُضاً عَمِيقاً: بَيْنَ رَغْبَةِ بَعْضِ الأَنْظِمَةِ العَرَبِيَّةِ فِي حِمايَةِ أَمْنِها القَوْمِيِّ (بِالتَحالُفِ مَعَ واشِنْطُن وَتَلِّ أَبِيبَ) وَبَيْنَ خَوْفِها مِنْ أَنْ تَتَحَوَّلَ أَراضِيها إِلَى ساحَةٍ لِتَبادُلِ الضَرَباتِ.
(3)
فَالقَواعِدُ الأَمْرِيكِيَّةُ فِي الخَلِيجِ، وَكَذلِكَ المُنْشَآتُ النَفْطِيَّةُ، قَدْ أَصْبَحَت أَهْدافاً إِيرانِيَّةً مُباشِرَةً مَعَ تَوَسُّعِ الحَرْبِ. هُنا يَكْمُنُ التَناقُضُ الجَدَلِيُّ: نَفْسُ التَحالُفِ الَّذِي يُفْتَرَضُ أَنَّهُ يُؤْمِنُ الخَلِيجَ، قَدْ جَرَّهُ إِلَى حَرْبٍ مُدَمِّرَةٍ لا يُرِيدُها. الطَبَقاتُ الحاكِمَةُ فِي دُوَلِ الخَلِيجِ (غَيْرِ المُوَقَّعَةِ رَسْمِيّاً عَلَى الاِتِّفاقِيّاتِ الإِبْراهِيمِيَّةِ لكِنَّها تَسِيرُ فِي طَرِيقِ التَطْبِيعِ) تَجِدُ نَفْسَها أَمامَ خِيارٍ صَعْبٍ: تَعْمِيقُ التَحالُفِ مَعَ إِسْرائِيلَ يَعْنِي اِسْتِهْدافاً إِيرانِيّاً أَوْسَعَ، وَالاِبْتِعادَ عَنهُ قَدْ يُضْعِفُ غِطاءَها الأَمْنِيَّ الأميركِيَّ وَهِيَ لَعَمْرِي مُفارَقَةٌ مُحْزِنَةٌ؛ تَحْشُرُ دُوَلُ الخَلِيجِ بَيْنَ مُزْدَوِجَيْ أَمْنِ التَحالُفِ وَمَصالِحِها الحَيَوِيَّةِ.
(4)
عَلَى عَكْسِ حَرْبِ غَزَّةَ الَّتِي دَفَعَت بَعْضَ الأَنْظِمَةِ إِلَى تَجْمِيدٍ عَلَنِيٍّ لِلتَطْبِيعِ، فَإِنَّ الحَرْبَ الإِيرانِيَّةَ-الإِسْرائِيلِيَّةَ-الأَمْرِيكِيَّةَ قَدْ تَدْفَعُ عَكْسَ ذلِكَ: نَحْوَ تَسْرِيعِ عَسْكَرَةِ التَطْبِيعِ. بِعِبارَةٍ جَدَلِيَّةٍ، نَقَلَ العَلاقَةَ مِن كَمِّيَّةٍ إِلَى كَيْفِيَّةٍ. فَإِسْرائِيلُ وَالوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ تَطْلُبانِ مِن حُلَفائِهِما العَرَبِ لَيْسَ فَقَطْ اِسْتِمْرارَ العَلاقاتِ الدبلوماسِيَّةِ، بَلْ مُشارَكَةً فِعْلِيَّةً فِي التَحالُفِ الدِفاعِيِّ (فَتْحِ المَجالِ الجَوِّيِّ، تَبادُلُ اِسْتِخْباراتٍ مُضادَّةٍ لِلصَوارِيخِ، اِسْتِضافَةُ مَنْظُوماتِ دِفاعٍ). هذا يَضَعُ دُوَلاً مِثْلَ الأُرْدُنِّ وَالإِماراتِ وَالبَحْرَيْنِ أَمامَ ضَغْطِ تَقْدِيمِ “الدَمِ” بَدَلَ “حِبْر” الاِتِّفاقِيّاتِ. وَفِي المُقابِلِ، يَزْدادُ التَناقُضُ مَعَ الشارِعِ العَرَبِيِّ الَّذِي يُعْتَبَرُ إِيرانَ لَيْسَتْ عَدُوّاً وُجُودِيّاً بِقَدْرِ ما هِيَ قُوَّةٌ إِقْلِيمِيَّةٌ مُنافِسَةٌ، وَلا يُرِيدُ تَحْوِيلَ بِلادِهِ إِلَى قاعِدَةٍ خَلْفِيَّةٍ لِلحَرْبِ.
(5)
قَدْ يَعْتَقِدُ البَعْضُ أَنَّ التَصْعِيدَ العَسْكَرِيَّ بَيْنَ إِسْرائِيلَ وَإِيرانَ سَيَدْفَعُ الدُوَلَ العَرَبِيَّةَ إِلَى نَفْيِ التَطْبِيعِ (إِمّا خَوْفاً مِن الاِنْتِقامِ الإِيرانِيِّ أَوْ اِسْتِجابَةٍ لِرَأْيٍ عامٍّ غاضِبٍ). لكِنَّ مَنْطِقَ الجَدَلِ يَقُولُ إِنَّ النَفْيَ هُنا لَيْسَ عَوْدَةً إِلَى المُرَبَّعِ الأَوَّلِ. الحَرْبُ لا تُلْغِي الاِتِّفاقِيّاتِ الإِبْراهِيمِيَّةَ، لكِنَّها تَنْفِي شَكْلَها السابِقَ (التَطْبِيعَ الهادِئَ الاِقْتِصادِيَّ) لِتُحَوِّلَها إِلَى شَيْءٍ جَدِيدٍ هُوَ “تَطْبِيعٌ عَسْكَرِيٌّ اِسْتِباقِيٌّ”.
(6)
هذا الشَكْلُ الجَدِيدُ يَحْمِلُ تَناقُضاتٍ أَشَدَّ: فَهُوَ يَرْبِطُ مَصِيرَ الأَنْظِمَةِ العَرَبِيَّةِ مُباشَرَةً بِمَصِيرِ إِسْرائِيلَ فِي الحَرْبِ، مِمّا يَجْعَلُ أَيَّ هَزِيمَةٍ إِسْرائِيلِيَّةٍ (أَوْ حَتَّى تَراجُعٍ أميركِيٍّ) يَعْنِي اِهْتِزازاً لِتِلْكَ الأَنْظِمَةِ. بِالمُقابِلِ، فَإِنَّ الدُوَلَ الَّتِي تَتَقاعَسُ عَن لَعِبِ الدَوْرِ المَطْلُوبِ مِنْها فِي هذا التَحالُفِ العَسْكَرِيِّ؛ سَتَجِدُ نَفْسَها تَحْتَ ضُغُوطٍ أَمْرِيكِيَّةٍ هائِلَةٍ. وَهذا يَقُودُنا مَنْطِقِيّاً إِلَى نَتِيجَةٍ مُفادُها لَيْسَتْ “تَفَكُّكَ” التَطْبِيعَ، بَلْ “تَشَوُّهُهُ” وَمَسَخَهُ إِلَى أَداةِ حَرْبٍ بَدَلاً عَنْ أَداةِ سَلامٍ.
(7)
مِن مَنْظُورٍ مادِّيٍّ جَدَلِيٍّ، لَمْ تَخْلُقْ الحَرْبُ تَناقُضاً جَدِيداً، بَلْ عَجَّلَتُ بِظُهُورِ تَناقُضٍ كامِنٍ فِي سُؤالٍ هامٍّ: هَلْ كانَ التَطْبِيعُ فِي الأَساسِ مَشْرُوعاً لِلسَلامِ أَمْ مَشْرُوعاً لِحِلْفٍ مُضادٍّ لِإِيرانَ؟ حِينَما كانَ الصِراعُ بارِداً، كانَ بِالإِمْكانِ التَوْفِيقُ بَيْنَ السَرْدِيَّتَيْنِ. لكِنَّ الحَرْبَ الساخِنَةَ المُحْتَدِمَةَ اليَوْمَ تُجْبِرُ الأَطْرافَ جَمِيعَها عَلَى اِخْتِيارٍ واضِحٍ لا لَبْسَ فِيهِ.
(8)
إِنَّ التَسارُعَ فِي وَقائِعِ الحَرْبِ -إِنْ لَمْ تَتَوَصَّلْ أَطْرافُها إِلَى اِتِّفاقٍ خِلالَ الهُدْنَةِ المُعْلَنَةِ-لا شَكَّ سَيَرْخِي بِظِلالِهِ عَلَى جَمِيعِ مُجْتَمَعاتِ المِنْطَقَةِ وَيُؤَدِّي إِلَى قَطِيعَةٍ مُحْتَمَلَةٍ داخِلَ حَتَّى مُجْتَمَعِ “المُعْتَدِلِينَ” العَرَبِ وَسَيَتِمُّ الفَرْزُ بَيْنَ: فَرِيقٌ يُرِيدُ تَحالُفاً عَسْكَرِيّاً شامِلاً مَعَ إِسْرائِيلَ وَأميركا ضِدَّ إِيرانَ، وَفَرِيقٌ آخَرُ يُرِيدُ تَطْبِيعاً مَحْدُوداً لا يَجُرُّ البِلادَ إِلَى حَرْبٍ. كَما أَنَّ إِيرانَ سَتُسْتَخْدَمُ هذا التَناقُضَ لِضَرْبِ أَيِّ طَرَفٍ عَرَبِيٍّ يَتَوَرَّطُ عَسْكَرِيّاً ضِدَّها، سَواءٌ عَبْرَ مِيلِيشِياتِها فِي العِراقِ وَسُورْيا وَاليَمَنِ، أَوْ عَبْرَ الضَغْطِ الدبلوماسِيِّ.
(9)
مِنْ هذا المُنْطَلَقِ فَالحَرْبُ الإِيرانِيَّةُ-الإِسْرائِيلِيَّةُ-الأَمْرِيكِيَّةُ لا تَنْسِفُ الِاتِّفاقِيّاتِ الإِبْراهِيمِيَّةَ، لكِنَّها تَقْذِفُ بِها فِي بَوْتَقَةِ صِهْرٍ جَدِيدَةٍ. فَالتَطْبِيعُ لَمْ يَعُدْ “مُكافَأَةً اِقْتِصادِيَّةً” بَلْ “حِصَّةٌ مِنْ نارٍ”. التَحَوُّلُ الْكَيْفِيُّ القادِمُ لَيْسَ زَوَالَ التَطْبِيعِ، بَلْ تُحَوُّلُهُ مِنْ أَداةٍ لِلِاِنْدِماجِ الإِقْلِيمِيِّ إِلَى أَداةٍ لِلتَعْبِئَةِ العَسْكَرِيَّةِ.
(10)
إِذاً التَناقُضُ الحَقِيقِيُّ لَمْ يَعُدْ بَيْنَ التَطْبِيعِ وَمُعاداةِ إِسْرائِيلَ، بَلْ بَيْنَ مَصِيرِ الأَنْظِمَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي تُراهِنُ عَلَى الحِصانِ الأميركِيِّ-الإِسْرائِيلِيِّ، وَبَيْنَ جَماهِيرِها الَّتِي تَرْفُضُ أَنْ تَدْفَعَ ثَمَنَ حُرُوبٍ لا تَخُصُّها مِن دِمائِها وَأَمْنِها. وَهُنا تَحْدِيداً يَكْمُنُ جَوْهَرُ المَرْحَلَةِ الجَدَلِيَّةِ القادِمَةِ: إِمّا أَنْ يُنْضَجَ وَعْيُ الطَبَقاتِ الحاكِمَةِ لِمُراجَعَةِ التَطْبِيعِ، وَإِمّا أَنْ يَنْضَجَ وَعْيُ الجَماهِيرِ لِفَرْضِ البَدِيلِ.
تيسير حسن إدريس
22/04/2026م
tai2008idris@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم