كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
في العلاقات الدولية، لا تتشكل خرائط النفوذ بصورة خطية أو يومية مباشرة. غالبا ما تُعيد الأحداث الكبرى والعاصفة تشكيل البنية العميقة للنظام الدولي بصورة لا يُدركها المراقب العادي إلا بعد حين. فمن يتابع تلك الأحداث عبر الإعلام قد يكون ملمًّا بما يجري يوما بيوم، لكنه ربما لا يدرك أن العالم يُعاد رسمه أمام ناظريه في العمق، بعيدا عن ضجيج المعارك وبريق العناوين. إذ لا يكون التحول ظاهرا فور وقوع الحدث، وإنما يتضح تدريجيا مع عودة قدر من الاستقرار وإعادة ترتيب التفاعلات بين الفاعلين الدوليين.
نظام البترودولار كان ثمرة لمجهودات ثعلب الدبلوماسية هنري كيسنجر… بعد أن انهار نظام بريتون وودز Bretton Woods وأزمة الطاقة في 1973.. فإذا سألت اي من متابعي السياسة في حقبة السبيعات عن ذلك لما استطاع أن يربط بين ما اسفرت عنه حرب فيتنام وما هندسه كيسنجر.
فقد أتى هذا الثعلب الماكر بنظام اخرج أمريكا من أزمة مستفحلة وفتحها على نظام تضمن به هيمنة على موارد العالم بسيادة عملتها (الدولار) من خلال ما عرف بسياسة البترودولار. ذلك النظام الذي استقر منذ سبعينيات القرن الماضي، وبات اليوم أمام اختبار وجودي لم يواجهه من قبل بهذا الوضوح.
فقد أظهرت المواجهات الأخيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران . ورغم تفوق أمريكا العسكري والتقني الهائل، لم تنجح في تحقيق حسم استراتيجي كامل. في المقابل، أثبتت إيران قدرة على تطوير أنماط من الردع غير التقليدي تعتمد على استهداف غير مباشر لمصالح الخصوم عبر فضاء إقليمي أوسع. لقد وجّهت إيران ضغوطا على الشركاء الإقليميين الأمريكيين في الخليج، لا بهدف الإضرار بهم مباشرةً بقدر ما تستهدف الهيمنة الأمريكية من خلال تهديد أمن إمدادات الطاقة وحركة الملاحة في مضيق هرمز — ذلك الشريان الذي يضخ نحو عشرين بالمئة من نفط العالم.
وهنا تكمن المفارقة الجوهرية في بنية نظام البترودولار. فالنظام يعتبر قاعدة اقتصادية سياسية شكّلت موازين القوى العالمية منذ أن انهار نظام بريتون وودز وفُكّ الارتباط بين الدولار والذهب في مطلع السبعينيات. آنذاك، جاء البترودولار ليملأ الفراغ عبر معادلة أُحكمت بدقة.. يُسعَّر النفط بالدولار حصريا، وتُعاد الفوائض النفطية استثمارا في سندات الخزانة الأمريكية، مقابل ضمانات أمنية لدول الخليج. وبهذه الطريقة تحول النفط — وهو ثروة طبيعية محدودة — إلى غطاء فعلي للعملة الأمريكية. بديلا للذهب.
وعندما يعجز “الراعي الأمني” — الولايات المتحدة — عن حماية الدول التي التزمت بنظامه لعقود ودفعت ثمنه باهظا، يفقد ذلك النظام مصداقيته الجوهرية. وقد كشفت مواجهة إيران بجلاء أن واشنطن عجزت عن منع التأثير الإيراني على مناطق الطاقة الحساسة، فبات السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه في عواصم الخليج.. لماذا نستمر في الالتزام بنظام لا يحمي مصالحنا الحيوية؟ وهو سؤال أهم من سؤال كم أسقطت علينا إيران من صواريخ.
مهما يكن من أمر، ففي خضم هذا الفراغ الاستراتيجي، كانت ثمة عينان لا تغفلان ترصدان المشهد بهدوء استراتيجي حاد هما الصين وروسيا. فهاتان القوتان، اللتان لم تنخرطا مباشرةً في الحرب، ربما خرجتا منها بأكثر مما خرج به المتحاربون أنفسهم. فالصين، كأكبر مستورد للنفط في العالم، نجحت على مدى السنوات الماضية في بناء بنية تحتية بديلة للتسعير النفطي، إذ أطلقت في مارس 2018 عقودها فيما بات يُعرف بـالبتروإيوان. ولا تقتصر الصين على مجرد بناء آلية تسعير بديلة، لكنها تُؤسّس لمنظومة مالية متكاملة تشمل منظومة مدفوعات CIPS كبديل عن SWIFT، واتفاقيات مبادلة العملات مع عشرات الدول، وتوسيع دور اليوان في إطار مبادرة الحزام والطريق.
أما روسيا، فقد دفعتها العقوبات الغربية المتراكمة منذ 2014 والمتصاعدة بعد 2022 إلى تسريع بناء آليات للتسعير خارج الدولار، فباتت تبيع نفطها للصين والهند وعدد من الدول الآسيوية بالروبل أو باليوان أو بترتيبات ثنائية بعيدا عن منظومة الدولار كليا. وتجمع موسكو وبكين اليوم شراكة غير مسبوقة في التنسيق لتجاوز الدولار.
وثمة مؤشرات ملموسة تدعم فرضية التحول التدريجي.
في هذا الإطار يمكن قراءة خروج الإمارات من منظومة دول الأوبك كمؤشر على رغبة في هامش مناورة أوسع في سياسات التسعير، فضلا عن توسّع الهند في شراء النفط الروسي بالروبية، والحوارات السعودية-الصينية حول تسعير جزء من النفط باليوان، وتنامي دور تكتلات كبريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون في بناء أطر مالية بديلة.
وخلاصة القول أن التحول الذي نشهده لا يصدق عليه وصف انهيارا درامياً مفاجئا للنظام القائم، لكنه حتما إعادة تشكيل هادئة ومتدرجة لتوازنات القوة الاقتصادية والنقدية في العالم. غير أن حرب أمريكا على إيران، مهما كانت نتيجتها النهائية وأيا كانت طبيعة تسويتها، ستكون بلا شك أحد المحركات الرئيسية لهذا التشكّل الجديد. ولعل المفارقة الكبرى أن الولايات المتحدة، وهي تشنّ حروبها وتفرض عقوباتها، قد تكون في الوقت ذاته تُسرّع — من حيث لا تريد — عملية تآكل الركيزة الأساسية لقوتها هنمية الدولار على الاقتصاد العالمي.
د. محمد عبد الحميد
prof.mohamed.ahameed@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم