البلد التي تعرفون .. بقلم: منصور الصويم
24 أبريل, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
40 زيارة
جمعتني جلسة غير مرتبة مع أحد رجال الأعمال الشباب، وبالطبع كان مدار الحديث الأوضاع الاقتصادية المنهارة والأحوال المعيشية البئيسة التي تحاصر السودانيين من كل جانب. وبعكس ما طرحته أنا من نظرة تشاؤمية للأوضاع برمتها وفي كل المجالات والقطاعات، بدا رجل الأعمال الشاب متفائلا جدا بما يحدث، بل تحدث عن انتعاش اقتصادي كبير في المجالات التي يعمل بها ومنها قطاع المقاولات وقطاعات تجارية أخرى. ومن ضمن ما قاله الرجل إن البلاد تشهد نهضة تنموية كبرى في مجال البناء والتشييد، ودلل على ذلك بعدد من المشاريع الضخمة في ولايات كردفان ودارفور والشمالية وبعض العطاءات الجامعية التي طرحت في بحر هذا الأسبوع بولاية الخرطوم.
كان الرجل يتحدث بلغة مدهشة – بالنسبة لي على الأقل – إذ كان يقول مثلا إن هناك عطاء بأربعمائة مليار جنيه، يتعلق بجامعة كذا في ولاية كذا، وأن صديقه فلان تمكن من انتزاعه، وأن مثل هذا العطاء سيفتح أمامهم نفاجات كثيرة للعمل كل وفقا لاختصاصه، أو أن يقول إن الحاج فلان الفلاني، رجل الأعمال المعروف، تمكن من شراء كل السيخ والحديد الموجود في مصانع ولاية الخرطوم، وأنه دفع مليارات المليارات لهذه المصانع، وأصبح الآن هو المتحكم الأوحد في سعر الحديد في السودان بأكمله؛ وإن هناك فارق سعر كبير بين سعره للمباع وسعر المصانع نفسها، هذا إن سمح لها ببيع القليل.
وحين دار الحديث عن أزمة البنوك والصرافات أدهشني رجل الأعمال الشاب أكثر وهو يتحدث بلغته المليارية الفخيمة، فمثلا كان يقول إن الأزمة لا تتعلق بالجميع، وفي النهاية أنت وعلاقاتك “فمثلا أنا” – والحديث له – “هناك اتفاق بيني وبين أحد البنوك على أن استلم أسبوعيا مئة”، وكان يذكر الرقم فقط فأسرع أنا للتساؤل المندهش “مئة مليار”، فيهز رأسه إيجابا ويواصل في حديثه ويذكر رقما آخر “عشرة” وأعود أنا للتساؤل “مليار” فيجيب بهز الرأس فقط إلى أن انتبهت إلى أن سؤالي بلا معنى فلا يمكن أن يكون المقصود عشرة ملايين جنيه سوداني، هذا المبلغ الهزيل الضئيل.
عموما، بعد انقضاء الجلسة اللطيفة – رجل الأعمال الشاب كان لطيفا وونيسا – تاكدت أن البلد هذه تحوي أكثر من بلد، فهناك بلد المعاناة وشظف العيش و”وجبة السخينة” الواحدة، وهناك بلد المليارات والصفقات البنكية السرية والحياة الرغيدة، وهناك بلد “المتشائلون” الذين مبلغ همهم أن تجد هذه البلاد مخرجا لها في القريب العاجل.. وهناك تلك البلد التي تعرفون.
mnsooyem@gmail.com