التاريخ القديم والوسيط والحديث لنوبة الجبال: (قبائل نوبة جبال النوبة بولاية جنوب كردفان): الجزء الثاني .. ترجمة: غانم سليمان غانم

 


 

 



النوبة في عهد سلطنات الفونج والفور والتركية السابقة والدولة المهدية والحكم الثنائي
بقلم: ناني أوبت انده*
ترجمة: غانم سليمان غانم**
4 – غزو كردفان
1– سنار
في معركة دنقلا التى جرت عام 652 م قامت جيوش مملكة المقرة بايقاف زحف الغزاة العرب وتم ابرام اتفاقية البقط بين العرب وملوك المقرة مما سمح بازدهار التجارة بين دولة النوبة والعالم العربي لمدة سبعمائة عام. تمددت طرق القوافل عبر البلاد من الجنوب للشمال ومن الشرق للغرب. استقطبت التجارة التجار العرب الذين اقاموا وسط السكان المحليين على ضفاف النيل كما أقام العرب وسط سكان جبال البحر الأحمر حيث تم العثور على الذهب. وتدريجياً وبمرور ما يقارب ألف عام تنامي نفوذ المستوطنين العرب. جعل التزاوج مع السكان المحليين والثروة المكتسبة من التجارة بالإضافة للقوة العسكرية العرب في وضع متميز.
إزدادت وتيرة عملية التعريب والأسلمة البطيئة بقيام مملكة الفونج في سنار 1. يتحدر الفونج من أصول أفريقية وهم وصلوا للمنطقة على عهد مملكة علوة القديمة في عام 1504م. خلال عدة عقود تمكن سلاطين سنار من حكم جزء كبير من السودان الشمالي. إعتنق سلاطين سنار الإسلام في عام 1523م وقاموا بدعوة العلماء والدعاة المسلمين لنشر العقيدة الإسلامية. صارت الثقافة العربية والتنظيم الإجتماعي القائم على العروبة والإسلام أكثر هيمنة. اعتمدت سلطنة سنار على التجارة المزدهرة عبر طرق القوافل التجارية وعلى العبيد وعلى الذهب الموجود في أرجاء السلطنة. إمتد نفوذ سلطنة سنار حتى وصل إلى جنوب كردفان وخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر أدت الهجرات من ضفاف النيل في الشمال إلى الجنوب إلى انتقال النفوذ العربي إلى سلطنة سنار. إدعت القبائل التى هاجرت أولاً خلال تلك الحقبة بأنهم عرب لكن شجرة الأنساب التى عادة ما يقدمونها تبدو مختلقة وغير حقيقية 2.
لفترة غير محددة وربما ببداية النصف الأخير من القرن السادس عشر الميلادي كان هناك جزء من كردفان يسمي بلاد الغديات كانت ولاية تابعة لسلطنة سنار. كانت الأسرة الحاكمة في الغديات تنحدر من الفونج وتقيم في ود البغا. وطبقاً لما أورده ماكمايكل فإن حكمهم استمر لفترة قصيرة امتدت من عام 1755م وحتى 1768م ولكنهم ظلوا في منطقتهم بعد إنهيار سلطنة سنار 3. ربما تتذكرون أن الوركا أو سكان الدلنج هاجروا من منطقة الغديات. وعندما سجل العالم نادل العلاقات التاريخية بين الوركا والغديات (حوالى 1939م) كان كل زعيم جديد في الدلنج يدين بالولاء لسلطان الغديات. على الأقل هناك عشرة أجيال من زعماء منطقة الدلنج قاموا بزيارة ود البغا لاستلام صلاحياتهم من السلطان 4. من الملاحظ أن هذه العلاقة ظلت حتى القرن العشرين. تم الإستيلاء على كردفان من سلطنة سنار بواسطة سلاطين دارفور وتم غزو كردفان بواسطة العرب البدو وتم استيعاب سلطنة سنار في الإمبراطورية العثمانية ومن ثم قام الإمام المهدي والخليفة عبد الله التعايشي بالسيطرة على كردفان قبل أن تصير في خاتمة المطاف جزءاً من السودان الانجليزي المصري. في كتابه "مقدمة لتاريخ النوبة قبل الإستعمار" ذكر جيه. سبولدنق بأن نفس العلاقات كانت توجد بين سلطان الغديات وبعض القبائل الأخرى ذات العلاقة بالوركا: الكدرو والغلفان والطباق 5. لم يذكر العالم نادل ذلك ولكن ليس من المستبعد أن الكثير من قبائل النوبة كانوا رعايا لسلطنة سنار من خلال سلطان الغديات.
2 – الكيرا
لمدة سبعة ألف سنة كان جبل مرة الكائن في جنوب دارفور مركزاً لمملكة أو سلطنة سيطر عليها أولاً الداجو (900- 1400؟) ومن ثم التنجور (1400؟ - 1560) ومن ثم تدريجياً الفور (1650-1916م). تأثرت ممالك وسلطنات دارفور سياسياً بشكل أكبر بالتطورات في المناطق التى تقع غربها وشمالها بأكثر من تأثرها بالتطورات في منطقة النيل 6. كان مركز الجذب لهذه التطورات في مملكة كانم/برنو الكائنة حول بحيرة تشاد. كان لمملكة كانم/برنو تأثير كبير بسبب إنها سيطرت ولعدة قرون على طريق التجارة الرئيسي العابر للصحراء. في أول الأمر تم حكم مملكة كانم/برنو بواسطة الزغاوة حتي حوالى عام 1075م حيث قامت أسرة سيفو (الماغوتية السيفية) بالاستيلاء على الحكم. لم يكن توارث الحكم مسألة انتصار وهزيمة بل كان كل ملك يخلع الملك الذى قبله. نظراً لأن الإسلام انتشر عبر طرق القوافل التجارية فقد كان سكان مملكة كانم/برنو من أوائل من إعتنق الإسلام في تلك المناطق. وهذا لعب دوراً أساسياً في انتقال السلطة من الزغاوة لأسرة سيفو 7.
الآن بالعودة إلى دارفور فإن الداجو هم أول من أقام دولة في منطقة جبل مرة. يعتقد بأن للداجو علاقة مع الزغاوة من خلال بعض قبائل وداي طبقاً لما أورده الآخرين 8. ما حدث بالفعل: تراجع نفوذ مملكة الداجو عندما قام السيفية بنقل عاصمتهم من شرق بحيرة شاد لغربها بسبب قيام سلطنة البيلالا في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي. تم إحلال الداجو بشعب آخر يسمي التنجور. إن أصل هؤلاء التنجور أكثر غموضاً من أصل الداجو. يقول البعض أن التنجور جاءوا من الغرب عبر بلاد برنو وواداي 9. كان التنجور مسلمين وربما اعتنقوا الإسلام خلال فترة حكمهم لدارفور التى إنتهت في حوالي عام 1650م.
كان الفور يعيشون تحت نفوذ التنجور ولم يكونوا محتاجين لقتالهم من أجل السيطرة على مؤسساتهم. تزاوج التنجور مع الفور وتدريجياً هيمن الفور على المملكة. كانت فترة حكمهم تعرف بسلطنة كيرا التى تم تأسيسها بواسطة سليمان سولونق في حوالي عام 1650م 10. دامت سلطنة كيرا حتي عام 1916م عندما تم ضمها للسودان بواسطة الاستعمار الإنجليزي المصري. كان سكان المملكة يتكونون من خليط ومجموعات عرقية متنوعة عاشت معاً بدون نزاعات كثيرة. قام حكام سلطنة كيرا أولاُ بتحسين علاقاتهم مع مملكة وداي الواقعة غربهم قبل أن يحولوا اهتمامهم باتجاه الشرق. لعدة قرون سيطر حكام كيرا على جزء كبير من كردفان. بدأ الحجاج من غرب أفريقيا بعبور سلطنة كيرا باتجاه النيل وكانوا يعبرون نهر النيل من دنقلا للوصول إلى للبحر الأحمر ومن ثم مكة المكرمة بواسطة المراكب. جعلت هذه الحركة المستمرة من وإلى مكة المكرمة مصحوبة بالتجارة (في الغالب تجارة الرقيق) سلطنة كيرا مزدهرة وجعلت سلاطينها حريصون على حماية طرق القوافل. قام سلاطين كيرا بدعوة التجار العرب من شمال أفريقيا ومن مناطق النيل للاقامة في سلطنتهم. من وقت لآخر كانت تنشب نزاعات بين سلطنة كيرا وسلطنة سنار بسبب كردفان حتي عام 1784/1785م. لقد سيطر حكام سلطنة كيرا على كردفان إلى حين قيام خديوى مصر محمد على باشا بارسال قواته نحو الجنوب في عام 1821م بحثاً عن العبيد لجيشه.

3 - تقلي
كانت كل من سلطنة سنار وسلطنة كيرا تعتبر كردفان ولاية تابعة لها. كان لسلطنة سنار تأثير ونفوذ كبير في جنوب كردفان بينما كان لسلطنة كيرا تأثير ونفوذ كبير في شمال كردفان وكانت كل منهما تنافس الأخرى للسيطرة على وسط كردفان. لا يوجد ما يشير بأن أى من السلطنتين إستطاعت أن تحقق نفوذا كبيراً. بمعزل عن حملات اصطياد الرقيق الموسمية والحملات المرتبطة بجمع الضرائب والمكوس فقد تركت السلطنتان أهالى كردفان في شأنهم لمعظم الوقت. من المفترض بشكل عام أن أهالي شمال ووسط كردفان المحليين كانوا يتكونون من شعب النوبة الذين اختلطوا مع المستوطنيين العرب القادمين بشكل مستمر أو تراجعوا إلى ملاذاتهم في جبال النوبة في جنوب كرفان.
في واقع الأمر كان هناك مركز سلطة للنوبة بحقق وحقيق: مملكة تقلي: التى تقع في جبال تقلي في الشمال الشرقي من جبال النوبة. أول وصف تم تقديمه عن مملكة تقلي كان بواسطة الرحالة جيه. بروس الذى قضى بعض الوقت في سنار في عام 1772م والذى قال أن هناك العديد من القرى التى تحيط بسنار كان يسكنها رقيق مجلوبين من جبال النوبة وبشكل رئيسي من جبال الداير وتقلي. شكل الجنود النوبة فرقة المشاة لجيش سلطنة سنار 11. سلطت المدونات التأريخية لسلطنة الفونج مزيداً من الضوء فيما يتعلق بطبيعة مملكة تقلي وعلاقتها مع سلطنة سنار. في عام 1650م قام السلطان بادي الثاني بمهاجمة مك (سلطان) تقلي بسبب أن رعاياه قاموا بسرقة ونهب قوافل الحجاج المتجهة والقادمة من مكة المكرمة. استسلمت مملكة تقلي لسلطنة سنار وقامت بدفع ضرائب سنوية في شكل عبيد 12.
إزداد نفوذ مملكة تقلى بشكل كبير ومنذ ذلك الوقت ظهر مقولة وجود 99 جبل في جبال النوبة: وكان يقال أن مكوك (سلاطين) تقلي كانوا يحكمون ما يزيد عن 99 جبل الأمر الذى منحهم مجداً كبيراً. وعندما بلغت مملكة تقلي أوج عظمتها في العقود الأولي من القرن الثامن عشر فقد لعبت دوراً كبيراً في الجبال المحيطة بها مثل جبل رشاد وجبل قدير وحكمت العديد من القبائل التى تتحدث اللغة العربية الموجودة في حدودها الشرقية كما قامت بالسيطرة على تجارة الذهب (التى كانت متمركزة في جبال شيبون) وكان تتلقى كذلك الضرائب من العديد من القبائل البعيدة 13. وبينما تلاشي نفوذ سلطنة سنار تدريجياً وانتهي تماماً بحملة الجيش التركي فقد استطاع مكوك (سلاطين) تقلي المحافظة على ملكهم حتي قيام الحكم الثنائي.
4 – البقارة
البقارة هم ثاني أكبر المجموعات السكانية التى تؤثر على الأوضاع في كردفان. قبائل البقارة هم رعاة ماشية ويعتبرون أنفسهم عرباً متحدرين من عبد الله الجهني. لقد وجدتُ في الأمر صعوبة للحصول على فكرة واضحة لأصل القبائل المنتمية لجهينة وكيفية ترحالهم وتجوالهم في السودان والطريقة التى استوطنوا بها في كردفان. تم توضيح هذه الصعوبات بواسطة البروفيسور يوسف فضل حسن:
"يشمل الجهنيون القبائل العربية التي تحمل ذلك الاسم والمجموعات الأخرى التى تلحق نفسها بعبد الله الجهني وأصبحوا مرتبطين به ويتابعون أواصر نسبهم وإنتسابهم لأصل وهمي أو شبه وهمي. لقد فقد مصطلح جهينة معناه الحقيقي وأصبح يعني فقط العرب وهم يشكلون بشكل خاص جميع القبائل الرعوية" 14.
لأجل التوضيح أود أن أصف بعض الجوانب التى اعتمدت في جمعها على الممارسات السائدة لدى سكان كردفان لمتابعة انتسابهم لعبد الله الجهني.
أ - جهينة
القبائل الجهنية الأولى أتت من الجزيرة العربية لمصر عبر الموجه الأولي من الفتوحات الإسلامية العربية. ومن مصر انطلقت هذه القبائل لشرق السودان حيث استوطن البعض منهم وسط قبائل البجا وتحرك الآخرون تدريجياً نحو الغرب. وربما أتت بعض المجموعات الجهنية الأخرى للسودان عبر البحر الأحمر. كل هذه الهجرات حدثت عبر حقبة زمنية طويلة إمتدت من القرن التاسع الميلادي وحتي القرن الثالث عشر الميلادي.
إلى حد كبير كانت بلاد البجا بمثابة المعبر الذى مرت منه القبائل العربية إما من مصر أو مباشرة عبر البحر الأحمر متجهين نحو النيل 15.
ب - جذام
كان هناك طريق ثاني لهجرة القبائل العربية يمتد من غرب النيل باتجاه دارفور وشمال كردفان هاجرت عبره العديد من القبائل العربية. لقد تابعت القبائل العربية المهاجرة نهر النيل من مصر حتى دنقلا ومنها اتجهوا ناحية الجنوب الغربي عبر الصحراء بواسطة درب الأربعين حتى وصلوا دارفور. وكانت القبائل العربية المنتمية لجذام تشكل أغلبية هذه القبائل العربية المهاجرة. ونظراً لأن الموجات الأولى من القبائل العربية التى هاجرت لغرب السودان استوطنت في سهول دارفور تدريجياً فإن القبائل التى هاجرت مؤخراً توجهت غرباً ودخلت مناطق نفوذ مملكة كانم/برنو 16. في خطاب موجه لسلطان مصر المملوكي بتاريخ 1391م اشتكى سلطان كانم/برنو من قسوة العرب الذين غزوا البلاد واسترقوا أهلها بهدف التجارة وطلب من السلطان استخدام نفوذه لوقف هذه المخالفات 17. وسواء حقق هذا الخطاب النتيجة المنشودة أم لا فإن التاريخ لم يكشف ذلك.
من بين العرب الذين استوطنوا سهول دارفور وشمال كردفان نجد قبيلة الكبابيش وقبيلة فزارة. يبدو أن الكبابيش يتحدرون بشكل أساسي من جذام ولاحقاً انضمنت إليهم قبائل عربية أخرى أتت من المناطق النيلية. قبيلة فزارة من قبائل شمال أفريقيا العربية التى هاجرت إلى مصر في القرن الرابع عشر ومن هناك توجهت للسودان. كل من قبيلة الكاببيش وقبيلة فزراة ادعيتا لاحقاً إنهما ينتميان لجهينة ولكن لم يتأكد من صحة هذه الإدعاء 18.
ج - البقارة
أخيراً وصلنا الى القبائل التى تسمي نفسها البقارة. في حوالي 1500م تم استيطان سهول شمال دارفور وشمال كردفان بالقبائل العربية وكذلك المناطق الغربية منهما في مملكة وداي/برنو. القبائل العربية التى استوطنت شمال دارفور وشمال كردفان كانت ترعى الإبل والضأن.
القبائل العربية التى وصلت مؤخراً والتى لم تجد مكاناً في المنطقة إتجهت ناحية الجنوب أي إلى جنوب كردفان وجنوب دارفور. وبالرغم من أن الحزام الجديد غني بالمراعي فإنه لم يكن مناخياً صالحاً لتربية ورعي الإبل أو الضأن. تدريجياً قامت القبائل العربية بتربية ورعي الماشية مثل السكان المحليين وبذلك أصبحوا معروفين بشكل جماعي بالبقارة 19.
أصل البقارة غامض نوعاً ما. هم يدعون بأنهم متحدرون من جهينة ولكن رواياتهم الشفهية توضح بأنهم جاءوا إلى كردفان من تونس وفزان (في ليبيا). علق ماكمايكل على ذلك قائلاً هناك كثير من عدم المصداقية (البهارات) في نسب البقارة. وهو يرى أن البقارة جاءوا من الشمال عبر الممالك النوبية وليس لهم علاقة بعرب جهينة الذين جاءوا من الشرق 20. نفي العالم جين كلود زيلتنر أي هجرات للقبائل العربية بشكل كبير من شمال أفريقيا إلى منطقة بحيرة شاد قبل تحرك القبائل العربية في عام 1842م من فزان لمملكة كانم (شرق بحيرة شاد) 21. يقر البقارة اليوم عدم اتساق رواية مجيئهم عبر تشاد ولكنهم يؤكدون أنهم متحدرون من جهينة. وتظل الفكرة هي أن عرب جهينة جاءوا من الشرق وليس من الشمال عبر مسار النيل. وطبقاً لما أورده البروفيسور يوسف فضل إنهم من المحتمل أن يكونوا أقرباء على علاقة بعيدة بعرب جذام وبعض القبائل الأخرى التى جاءت الى السودان معاً 22 .
أهم قبائل البقارة في كردفان هم الحوازمة والمسيرية الحمر والمسيرية الزرق. بدأ البقارة في استيطان الأراضى الواقعة غرب وشمال جبال النوبة اعتباراً من القرن السادس عشر فصاعداً. نوبة وسط كردفان الذين تم دحرهم بالفعل بالحملات من سلطنات سنار وكيرا انسحبوا تدريجياً إلى الجنوب الأقصي. لقد كانوا لعدة قرون يعيشون في أمن وآمان نسبي بحسب ما أورد العالم جيه دبليو. سارجار:
"كان يتم زراعة السهول الكبيرة من الأرض المحيطة بجميع الجبال ولذلك عندما جاءت القبائل العربية التى كانت تبحث عن المراعي والماء لقطعان ماشيتهم المتزايدة إلى كردفان منذ حوالى 120 سنة مضت (حوالى 1800م) فإنهم بشكل طبيعي توجهوا جنوباً في هذه البلاد الرخية واقتسموها بينهم. وحيث أنه لم يتم مواجهتم بأى اعتراضات في تلك السهول فإنهم قاموا بدحر النوبة إلى جبالهم وقاموا باستيطان أفضل الأماكن التى تحتوي مصادر المياه في تلك السهول. تروي القصص التى يرويها الآن البقارة أباً عن جد عن البلاد "الصفراء الغنية بالذرة" وتفيد الأسماء التى يتداولها سكان الجبال والوديان بأن تلك الأماكن التى هي الآن مجرد أراضى بور كانت مأهولة بالسكان وتتم زراعتها. وكمثال على ذلك فإن جبل السمسم الذى يبعد 10 أميال شمال جبل الغلفان حيث وجدت القبائل العربية كميات كبيرة من السمسم المخزن بما يوضح أن نوبة الغلفان كانوا يزرعون وقتئذ في تلك المناطق البعيدة من أماكن إقامتهم 23".
تغير هذا الوضع بعد وقت قليل. وطبقاً لما أورده العالم جيه. دبلو. سارجر.
"بدأت حملات اصطياد الرقيق وتم محاصرة النوبة في الجبال. كان الإجراء المتبع هو أن كل فرع من قبائل البقارة يقوم بحماية الجبال الذي يقع في نطاق نفوذه بأكبر قدر ممكن مقابل تموينات الذرة والعبيد ويقوم بالهجوم متى أمكن على الجبال التى تحت نفوذ فروع قبائل البقارة الأخرى. ونتيجة لذلك توقفت الزراعة في السهول بسبب الخوف من الهجمات المباغتة لفرسان البقارة المرعبين. لأجل زراعة الذرة الخاصة باستهلالكهم بدأ النوبة في زراعة المناطق الجبلية لحماية أنفسهم من المجاعة ولكن المحاصيل التى يتم زراعتها في تلك الأرض غير الخصبة كانت في الغالب قليلة وغير كافية ولذلك فإنهم في الأوقات الصعبة يضطرون لبيع عبيدهم وفي بعض الأحيان أبناءهم لقبائل البقارة مقابل الذرة" 24.
وكانت تلك هي البداية فقط.

4 - التركية
1 – محمد على باشا
لأجل معرفة المرحلة التالية من التاريخ التى أثرت بشكل مباشر على النوبة علينا أن نتوجه للشمال: إلى مصر وإلى ما وراء مصر إلى تركيا 25. منذ بداية القرن الرابع عشر الميلادي ظهرت قوة جديدة في تركيا حلت محل بقايا الإمبراطورية البيزنطية. سقطت القسطنطينية في عام 1453م وبدأت الإمبراطورية العثمانية تتمدد في المناطق التى كانت تحت سيطرة البيزنطينين. ناهضت أوروبا الوسطى (فقط) الفتوحات العثمانية لكن جنوب شرق أوروبا والشرق الأوسط ومصر والساحل الشمالي لأفريقيا تم احتلالها وإدماجها في الإمبراطورية العثمانية.
في مصر قامت الإمبراطورية العثمانية بإحلال سلطنة المماليك. مع ذلك استمر نفوذ المماليك. لن نشغل أنفسنا بالتطورات في السلطنة العثمانية حتي عام 1798م عندما قام نابليون بونابرت بغزو مصر. كانت الإمبراطورية العثمانية وقتئذ في حالة تراجع وقام المماليك بنجاح بتحدي سلطات الباشوات (حكام مصر المعينين من قبل السلطنة العثمانية وكانت السلطنة العثمانية تعين باشا كل عامين). أدت تلك التطورات إلى فوضى لا ينبغي أن تزعجنا ولكنها أعطت نابليون بونابرت مبرراً لأن يغزو البلاد" لأجل استعادة سلطات العثمانيين". لم يعجب ذلك السلطان فسعى للحصول على مساعدة البريطانيين للسيطرة على مصر ولم يدم احتلال الفرنسيين لمصر أكثر من ثلاث سنوات. بعد عدة سنوات من الكفاح استطاع محمد على باشا أن يصبح حاكماً لمصر تحت ولاية السلطان العثماني لكن في حقيقة الأمر بالاسم فقط.
حكم محمد على بشا مصر كما لو أنها كانت إقطاعيته الخاصة واستطاع أن يستعيد النظام للبلاد. بعد قتل قادة المماليك قام بتوسيع نفوذه. قام محمد على باحتلال ليبيا ومن ثم في عام 1820م أرسل ابنه اسماعيل للجنوب لغزو السودان. كان لمحمد على باشا أربعة أسباب للسعي والسيطرة على السودان: التخلص من بقايا المماليك الذين أقاموا في دنقلا، وللسيطرة على تجارة القوافل المتجهة للبحر الأحمر وللسيطرة على مناجم الذهب ولاصطياد العبيد لتعزيز القوة العسكرية لجيوشه. كان الغزو ناجحاً: هزم اسماعيل باشا المماليك وقضى على حكم سلطنة سنار في عام 1821م. في نفس العام قام صهر محمد على باشا - محمد بك الدفتردار - بالسيطرة على كردفان بعد دحر سلطنة كيرا. تم دحر آخر مركز للمقاومة في السودان في عام 1822م.
لقد كانت النتائج بالنسبة لسكان كردفان مرعبة. ومن الأفضل أن نعطي الفرصة لماكمايكل ليعبر عن ذلك:
"في حقيقة الأمر شهدت كردفان في السابق حروباً وإضطرابات لكن كانت الضرائب خفيفة وكان الحكام عادلون بمعايير تلك الأيام. الآن تغير كل ذلك: جنس أجنبي سيطر على البلاد وقام بإدارتها حصرياً لتحقيق مصالحه الخاصة بما يخالف العدالة وأي قانون إنساني".
بالإعتماد على كتابات بالم بيثريك استمر ماكمايكل في سرد الأوضاع حينئذٍ 26:
" كان الدفتردار وحشاً بالغ القسوة وحكيت قصص مرعبة عن الفظائع التى قام بارتكابها هو و خلفه. كان المال والمتع الدنيوية هي أهدافهم. لم يقم الحكام العثمانيون فقط بسحق السكان المحليين بجبروت الحديد والنار ولكنهم في جميع الأوقات وعن قصد سرقوا واختلسوا حكومتهم على حساب السكان المحليين " 27.
2 – حملات اصطياد الرقيق
كما أوردنا في الفصول السابقة كانت العبودية وتجارة الرقيق أمراً عادياً في السودان. اعتباراً من اتفاقية البقط المبرمة بين الفاتحين المسلمين والنوبيين، ومروراً بثروة سلطنة كيرا وجيش سلطنة سنار: كان الطلب شديداً على العبيد. وكان النوبة يعتبرون من أفضل العبيد. حتى سلاطين تقلي الذين هم نوبة في الأصل قاموا بشن حملات لاصطياد الرقيق من القبائل المجاورة. كان الرقيق من أهم "سلع التصدير" السودانية يليها الصمغ العربي والذهب وريش النعام. كانت سلطنة كيرا المصدر الرئيسي للرقيق حيث كانت تقوم بشن حملات لاصطياد الرقيق من مناطق أفريقيا الوسطي. أسهمت سلطنة سنار كذلك في انتشار تجارة الرقيق بارسال النوبة عبر القوافل التجارية للشمال وللبحر الأحمر. لا توجد هناك أرقام دقيقة عن عدد الرقيق الذى تم تصديره ولكن يبدو أنه قبل التركية كان يتم تصدير حوالي 4,000 عبد سنوياً لمصر من أو عبر السودان 28.
بعد احتلال السودان بواسطة المصريين، اصبح لتجارة الرقيق شأن آخر. كان محمد على باشا يرغب في إنشاء جيش مكون من السودانيين يساعده في التخلص من قواته المكونة من الألبان والأتراك المتمردين والقيام بالتمرد على السلطان العثماني 29. وقد صرح للقنصل الفرنسي بأنه يرغب في خلق نظام جديد (جيش حديث) وبأنه يرغب في التخلص من الجنود والضباط غير المناسبين للخدمة العسكرية واستيعابهم في مشاريعه الزراعية والصناعية 30. قام محمد على باشا باستمرار بمناشدة قواده العسكريين لجمع وارسال العديد من العبيد السودانيين حتي يتم تدريبهم في معسكرات التدريب بأسوان:
"أنت تدرك أن هدف جميع جهودنا وكل هذه النفقات هي بهدف استقطاب الزنوج. يرجي منكم إظهار الحرص على تنفيذ رغباتنا المرتبطة بهذا الأمر المهم" 31.
بحلول عام1823م تم إرسال 30,000 عبد بشكل أساسي من الجزيرة ومن كردفان لأسوان. تجاوز منهم 3,000 عبد حالة التغير المفاجئ في البيئة. رغم هذا الفشل الواضح استمر محمد على باشا في طلب المزيد من الجنود العبيد لأجل تعزيز حامياته العسكرية في السودان ولأجل إنشاء كتائب جديدة لجيشه الخاص. تضاعف عدد العبيد الذين تم ارسالهم لمصر ليبلغ حوالي 10,000 – 12,000 سنوياً. إضافة إلى ذلك تم حجز عدة آلاف من العبيد ليعملوا جنوداً وضباطاً في الجيش المصري في السودان. لا تشمل هذه الأرقام عدد العبيد الذين تم بيعهم في الجزيرة العربية وتم ارسالهم عبر البحر الأحمر ولا تشمل كذلك عدد العبيد الذين تم الاحتفاظ بهم في السودان باعتبارهن محظيات (سراري) وخدم منازل وعمال.من الصعب تخيل حجم تجارة هذه التدفقات البشرية المستمرة المأخوذة من قلب أفريقيا بشكل أساسي عبر البر ومن خلال المستنقعات والصحاري وغابات السافنا اللانهائية!
في كردفان قام رستم بك بتنفيذ أوامر الحاكم العام للسودان على خورشيد باشا لشن حملات اصطياد رقيق في بلاد النوبة. قام رستم بك بأسر 1,400 عبد في عام 1830م و 1,500 آخرين في عام 1832م 32. هذه الأعداد تمثل بعض العينات العشوائية. لا توجد هناك إحصائيات دقيقة عن عدد الأشخاص الذين تم أسرهم. إلى جانب الحملات العسكرية قام البقارة كذلك بمهاجمة قرى النوبة لأجل أن يقوم النوبة بدفع الضرائب التى فرضها الأتراك. توضح المذكرات التى كتبها الرحالة الأوروبيون تفاصيل كثيرة حول حملات اصطياد الرقيق وتجارة الرقيق.
ب – كردفان خلال الحكم التركي
بحسب استشهادات بالم:
"كان نائب الملك في مصر يسن سنوياً، مرة أو مرتين خلال العام، فرمانات (أوامر) لصيد الرقيق في جبال النوبة وفي البلاد المجاورة ويقوم بالاستيلاء على عدد معين من العبيد الزنوج بقوة السلاح... يتم تحمل عبء هذا المصير الدموي بشكل كبير بواسطة سكان جبال النوبة التعيسين. في عام 1825م ـ أي بعد أربعة أعوام من غزو الأتراك - قدر عدد الأفراد الذين وقعوا في الأسر أربعين ألف أسير وفي عام 1839م بلغ العدد الإجمالي على الأقل مائتين ألف أسير بدون الأخذ في الإعتبار الآلاف الذين استولى عليهم البقارة والذين تم شراءهم بواسطة الجلابة." 33.
من الخطأ عزو الأرقام التى أوردها بالم بأنها مرتبطة بالنوبة فقط. كان على خورشيد باشا يقود شخصياً حملات لاصطياد الرقيق في مناطق الدينكا والشلك والإنقسنا والشعوب الأفريقية الأخرى 34. وإننى اعتقد أن العبيد الذين تم الاستيلاء عليهم من هذه المناطق ما هم إلا جزء من المائتين ألف الذين ذكرهم بالم. لكن الأمر المهم أن العبيد المأسورين عانوا معاناة رهيبة. يقدم أرثر هولرويد شهادة عيان:
"كانت القوات المتموضعة في كردفان تسير سنوياً بعد الخريف إلى جبال النوبة بغرض اصطياد الرقيق من هذه الجبال. كانت هذه الحملات لإصطياد الرقيق تسمي بـ "الغزية" وعندما وصلتُ الأبيض كانت القوات عائدة لتوها مع مجموعة من العبيد الذين تم اصطيادهم في تلك الحملة. تم بيع الأسيرات الجميلات لحريم الأتراك والعرب وتم استيعاب العبيد الأقوياء في الجيش أما الرقيق الضعفاء من النوعين فتم تخصيصهم للجنود مقابل أقساط تدفع من رواتبهم. لقد شاهدت هذا التوزيع في مرة من المرات والمنظر الذى يجرح القلب والذى لا يمكن تصوره: أن هؤلاء الزنوج مأسورين من شهرين أو ثلاثة أشهر وتم حرمانهم من حريتهم شعروا بقسوة الإنفصال الأبدى من عائلاتهم وأصدقائهم 35.
في فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الثامن عشر كانت حملات الرقيق موجهة لبحر الجبل وبحر الغزال وقام التجار الأوروبيون الباحثين عن العاج بكسر إحتكار الدولة لهذه التجارة وبدأوا بالإبحار في النيل الأبيض لاصطياد الأفيال وللتجارة مع السكان المحليين في جنوب السودان. سريعاً تلاشت الأفيال من المنطقة واصبحت التجارة المربحة هي تجارة الرقيق. بدأ التجار العرب المشاركة في ممارسة هذه التجارة. كان التاجر الأكثر شهرة من بينهم الزبير رحمة منصور وقد بنى إمبراطويته الشخصية في بحر الغزال وكانت قائمة بشكل أساسي على تجارة الرقيق. قام الزبيرباشا بتأسيس شبكة من أسواق تجارة الرقيق كانت تعرف بالزرائب وصلت لما يعرف اليوم بدولة أ}فريقيا الوسطي وجنوب تشاد. أدى ذلك تدريجياً إلى دخوله في مواجهات مع مصر.
3 – الخديوي اسماعيل باشا
الخديوى محمد على باشا الذى سعى لآنها تجارة الرقيق فقط بلسانه توفي عام 1848م. لم يكن خلفاءه في الحكم راغبين في انهاء تجارة الرقيق ولكن في عام 1863م تولى حفيده اسماعيل باشا السلطة وحمل لقب خديوى مصر. اعتبر الخديوى اسماعيل مشروع تحديث مصر رسالته الشخصية الأولي ومن الإنصاف القول إنه نجح لكن تم ذلك بتكلفة عالية. ضغط الخديوى اسماعيل على الشعب المصري وأرهقهم بالضرائب ودخل في ديون كبيرة حتى أن فرنسا وبريطانيا تدخلتا في شئون مصر وتدريجياً تخلصتا منه في عام 1879م 36.
أ – مكافحة تجارة الرقيق في السودان
للمفارقة فإن احتلال الأتراك للسودان الذى أدى إلى زيادة حجم تجارة الرقيق فتح البلاد كذلك للرحالة الغربيين. لقد زادت مذكرات الرحالة الغربيين الوعي في أوروبا بأن تجارة الرقيق عبر الأطلنطي ليست فريدة من نوعها. لقد بدأ مناهضي تجارة الرقيق البريطانيين بشكل خاص بطلب إنهاء تجارة الرقيق في مصر والسودان. في بداية الأمر لم تحقق اعتراضاتهم أثر كبير. لقد بدأ الطلب على الرقيق من مصر يقل في أربعينيات وخمسينيات القرن الثامن عشر بشكل رئيسي بسبب الأوضاع الإقتصادية. على أية حال، كان هناك إرتفاع شديد في تجارة الرقيق في ستينيات القرن الثامن عشر بعد استحداث زراعة القطن في مصر. اعتباراً من سبعينيات القرن الثامن عشر فصاعداً قلصت المساعي لمكافحة تجارة الرقيق الطلب من مصر بشكل كبير 37.
كان الخديوى اسماعيل حريصاً على إنهاء تجارة الرقيق في السودان. بدأ الخديوي اغلاق طرق تجارة الرقيق الممتدة عبر النيل وعبر البحر الأحمر وأرسل جيشاً لبحر الغزال لإنهاء أنشطة الزبير باشا. على أية حال، هزم الزبير باشا قوات الخديوي وقام بتأسييس طريق بري جديد لتجارة الرقيق من مناطق جنوب دارفور يمر عبر جنوب كردفان ليصل الأبيض. فجأة اكتشف الخديوي اسماعيل إن أفضل طريقة لتهدئة الأوضاع في بحر الغزال هو أن يقوم بتعيين الزبير باشا حاكماً لتلك المنطقة وقد قام بذلك في عام 1873م. من ثم وجه الزبير باشا اهتمامه لدارفور التى كانت حتى ذلك الوقت مركزاً لتجارة الرقيق. قام الزبير باشا بالاستيلاء على الفاشر عاصمة سلطنة كيرا وعين نفسه حاكماً لدارفور ولكنه لما زار القاهرة في عام 1875 قام الخديوى اسماعيل بوضعه في المعتقل 38.
كانت هناك مبادرة آخرى من الخديوى اسماعيل لانهاء تجارة الرقيق تمثلت في ارسال المستكشف الإنجليزي السير صمويل بيكر للمنطقة المعروفة باسم الإستوائية. في حقيقة الأمر، كان الخديوى اسماعيل مهتماً بجعل جنوب البلاد تحت سيطرته ونفوذه ولكن الحملة كانت تستهدف رسمياً مناهضة تجارة الرقيق في مصادرها. قضى صمويل بيكر ثلاث سنوات في الإستوائية ولكنه استطاع فقط أن يخلق عداوة ضد السلطات المصرية. لقد نهب صمويل بيكر البلاد لتوفير الطعام لقواته واستخدم العنف بشكل مكثف وقام بإنهاء تجارة الرقيق مستخدماً نفس تجار الرقيق المفترض أن يقوم بطردهم من المنطقة. بإصراره على نجاح مبادرته قام الخديوى اسماعيل بإرسال شارلس جي. غوردون لتهدئة الأمور في الإستوائية ونجح غوردون في عام 1874م و خلال ثلاثة سنوات في أداء مهمته 39 بعدها تم تعيينه حاكماً عاماً للسودان. بصفته حاكماً عاماً للسودان استمر غوردون في محاربة تجار الرقيق حتي تاريخ تقديم استقالته في عام 1879م مجهداً من العديد من سنوات العمل المتواصل.
ب – التطورات في جنوب كردفان
بالنسبة للنوبة تغيرت بعض الأمور أثناء حكم خلفاء الخديوي اسماعيل. توقفت بشكل رسمي الحملات الكبيرة لإصطياد الرقيق بمجئ الخديوي للسلطة لكن الحملات بواسطة البقارة وتجار الرقيق وحتى من القبائل المجاورة ظلت سبباً لعدم الأمن والأمان. تركت الإدارة المصرية معظم قبائل النوبة في حالهم وحتى تلك القبائل المتوقع أن تدفع الضرائب لم يعد يتم الضغط عليها بشدة مثل ذي قبل 40. ازدهرت مملكة تقلي بالرغم من أنها كانت مقيدة السلطات بواسطة الحكام المصريين لعدة عقود وقاومت محاولات المصريين لاجتياحها.
بحسب ما ذكر سابقاً، ومنذ احتلال السودان بواسطة الأتراك زار العديد من الرحالة الأوروبيين كردفان. في عام 1837م أرسل محمد على باشا حملة لجبال النوبة – حيث كان يبحث عن الذهب – ونتيجة لهذه المغامرة نحن نستشهد بمذكرات المهندس الجيولوجي جوزيف روسجار الذى وصل حتي جبال تيرا. خلال حكم الخديوي اسماعيل بدأ الرحالة الأوروبيون يذكرون جبل الداير والدلنج كأماكن زاروها. أكثر المنظمات التى زارت جبال النوبة هي المنظمات التبشيرية الكاثوليكية التى كانت تقودها منظمة كمبوني. في عام 1875م أنشأت منظمة كمبوني مركز تبشيري في الدلنج تركته عندما قامت السلطات المصرية باجتياح جبل الدلنج. عاد المبشرون للدلنج عام 1877م وظلوا هناك حتى اندلاع الثورة المهدية. كتب أحد المبشرين وهو جي. مارتيني:
"بالرغم من أن هؤلاء الناس غير مسلمين فإن لديهم استعداد كبير لقبول تعاليم وعادات المسلمين بحسب ممارسة البقارة لها والذين يعيشون في جوارهم ... تعلم النوبة من المسلمين القسم بالقرآن والنواح على الميت والإيمان بمحمد باعتباره رسول الله وبعض الأمور الأخرى" 41.
من خلال بعض المراجع القليلة المتوفرة يظهر انطباع بأنه كان هناك نوع من الاستقرار. بعد عدة عقود من الإستغلال والحملات المكثفة لاصطياد الرقيق في جبال النوبة، بدا أن السلطات المصرية كانت راضية بالسيطرة الإسمية للجبال وتركت النوبة لحالهم باستثناء بعض الجماعات التى تثور بشكل أو آخر (مثل تقلي والدلنج). ظلت العلاقة بين البقارة والنوبة متوترة واعتباراً من سبعينيات القرن الثامن عشر استطاع النوبة تسليح أنفسهم بالبنادق. ينبغي علينا أن ندرك أن النوبة لم يكونوا أبرياء أو لا يملكون قوة الدفاع: لقد كانوا يقومون بشن حملات وغارات على بعضهم البعض كما كانوا يقومون بشن غارات على البقارة كذلك. لقد ظهر أثر الإسلام واضحاً في الجبال الشمالية و استطاع المبشرون الكاثوليك تعزيز نفوذهم في الدلنج مما يدلل على الاستقرار المستمر.
ج – تدخل البريطانيين في شئون السودان
أنفق الخديوي اسماعيل الكثير من المال في مشاريعه التنموية. لم تكن كل ثروات مصر والسودان لتغطي هذه المصروفات. لقد باع حصته الكبيرة في قناة السويس للبريطانيين ولم تكن ايراداته تغطي ديونه. أفلست مصر. قام البريطانيون والفرنسيون لأجل حماية مصالحهم بوضع الخديوي في الإقامة الجبرية في عام 1876م. وعندما لم يتعاون معهم قام البريطانيون بالتواطؤ مع السلطان في القسطنطينية الذى قام بعزله عام 1879م وتعيين ابنه بدلاً عنه. تدهورت الأوضاع في مصر في السنوات التالية وهددت الثورة بتدمير جميع المشاريع الاستثمارية الأوروبية في البلاد والتجارة عبر قناة السويس. قرر البريطانيون غزو مصر لاستعادة النظام وظلوا في مصر حتى عام 1956م 42.
4 – المهدية (1881 -1899م)
1 – الحاكم العام: غردون
قام تشاركس غوردون بمحاربة تجارة الرقيق لمدة عامين من عام 1877م وحتي عام 1879م ولكنه لم يستطع إنهاءها بشكل دائم. لقد كانت مقاومة تجار الرقيق وتأثير العائلات المرتبطة بها قوي جداً. قد يتطلب الأمر جيش كبير لقمع تجار الرقيق وببساطة لم يكن هناك مال كافي: لقد أعلنت مصر الإفلاس وكانت ميزانية السودن محدودة جداً ولم تكن انجلترا مستعدة لدفع مبالغ لأي عملية كبيرة الحجم في السودان. بالضغط من الحكومة البريطانية، تراجع غوردون من سياسته الحذرة وقام بتعيين أجانب في مناصب محافظي (حكام) المديريات (الولايات) واستبدل الإداريين المصريين بأوروبيين وتحول في سياسته واستخدم العنف لقمع تجارة الرقيق. أدى ذلك إلى قيام العديد من الثورات في كردفان وبحر الغزال ودارفور. وباستخدام المزيد من العنف استطاع الحاكم العام غوردون السيطرة على البلاد. وعندما تم استبدال الخديوي اسماعيل بإبنه قام غوردون بتقديم استقالته لقد كان مرهقاً.
لم يكن خلف غوردون محمد رؤوف الحاكم العام يمتلك نصف مهارات غوردون، ساستشهد فيما يلي بفقرة كبيرة من كتابات موافي لانها تلخص الأمور بشكل وافي:
"أدت سياسة القهر إلى تذمر وسخط السودانيين لأنهم كانوا يعتقدون أن الرق مسموح به في دينهم. وفي حقيقة الأمر كان يتم تنفيذ حملات مكافحة الرق بواسطة المسيحيين مما جعل الناس يعتقدون أن الحكومة ضد دينهم. إضافة إلى ذلك، فإن محاولات قمع تجارة الرقيق اصطدمت بمصدر مهم للثروة وهزت الأساس للاقتصاد المحلي والزراعي الذى كان يعتمد على عمل الرقيق. [لقد تحصل عدد كبير من العبيد على حريتهم ولكن لم يتم تعويض أسيادهم عن الخسائر التى تكبدوها. برغم خسائر السكان الإقتصادية ظلت الضرائب ثابتة ... لم تبدى حكومة رؤوف باشا رحمة في تحصيل الضرائب وكان يتم استخدام العنف المكثف لتحصيل الضرائب. في الجانب الآخر، سمح رؤوف باشا باستمرار تجارة الرقيق ... ظهور الإمام محمد أحمد المهدي أتاح الفرصة لظهور القيادة الضرورية لتوحيد جميع القوى الساخطة في البلاد لأجل انهاء الحكم المصري في السودان]" 43.
2 – الإمام محمد أحمد المهدي
كان الإمام محمد أحمد المهدي داعية شاب أقام في الجزيرة أبا القريبة من كوستي. وكان يدعو الناس للسلوك الديني القويم وقد اتبعة العديد من المريدين. في عام 1881م إدعي محمد أحمد بن عبدالله أنه المهدي المنتظر وإنه سيحرر المسلمين من الظلم والجبروت وطبقاً للأحاديث النبوية فقد تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهور مهدى في آخر الزمان من عترته يماثل اسمه اسمه وسيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً. لقد إدعي العديد من الأشخاص المهدية عبر القرون.
لقد كان الإمام محمد أحمد المهدي رجلاً زاهداً وورعاً طاف معظم أرجاء السودان وقاده طوافه في السودان إلى كردفان حيث شعر بجاهزية الثورة لدى السكان وقبولهم لأى شخص ينهي معاناتهم. تنامت شهرة الإمام المهدي وزاد أتباعه ومريديه. وإنضم إليه في عام 1880م رجل من دارفور يسمي عبد الله محمد. هذا الرجل من البقارة ومن قبيلة التعايشة ساند المهدى وكان شخصية مهمة في الدولة المهدية وقد خلف الإمام المهدي بعد موته في عام 1885م. وكما يقول ماكمايكل:
"هذا الرجل من أعظم مناصري المهدي لأنه كان ملماً بأحوال قبائل البقارة المتمردة وكان له تأثير كبير عليهم. وبناء على مقترحاته قام الإمام المهدى بجولة ثانية في كردفان بخطة محددة لتعزيز روح الثورة والتمرد المتنامية هناك" 44.
خلال جولته الثانية في كردفان حصل الإمام المهدي على الدعم والمساندة من العديد من الزعماء والشيوخ ذوي النفوذ لدى قبائل البقارة. سعى المهدي للحصول على مساندة سلطان تقلي آدم دبالو. كان السلطان حذرأً ووعد بأن يظل على الحياد في حالة قيام الإمام المهدي بالثورة. رجع الإمام محمد أحمد المهدي بعد ذلك للجزيرة أبا وهناك في عام 1881م أعلن بشكل رسمي إنه المهدى المنتظر وقام بارسال الوفود لمختلف زعماء وشيوخ القبائل والمريدين للانضمام لرسالته الإلهية. يقول البعض أن السلطات المصرية أصبحت حذرة عندما دعا الإمام المهدى المواطنيين بايقاف دفع وتسديد ضرائبهم. في تعميم (منشور) قام بإصداره الإمام المهدي في الفترة بين نوفمبر 1881م ونوفمبر 1882م أوضح المهدي:
"إن هؤلاء الأتراك بالرغم من أن الله ورسله أمروهم بالاقتداء بدين الله إلا أنهم حكموا بغير وحي الله وغيروا شريعة سيدنا محمد رسول الله وشوهوا دين الله وفرضوا الضرائب على رقابكم وعلى بقية المسلمين ... لقد قام الأتراك بقهر رجالكم وقيدوهم في الأغلال وأخذوا نساءكم وأبناءكم ووضعوهم في الأسر وقتلوا الأنفس بغير حق" 45.
سعت السلطات المصرية لاخماد الثورة بارسال قواتها للجزيرة أبا لكن أتباع المهدي هزموا القوات المصرية. وبمعرفة االإمام المهدي بإنه لن يستطيع الإقامة بعد ذلك في الجزيرة أبا فقد هاجر مع أتباعه الأنصار إلى كردفان. وطبقاً لما أورده استيفنسون:
" لقد قيل إن المهدي لما وصل إلى تقلي مرة أخرى رغب المهدى في الإقامة هناك لمده من الزمن لكن تم اقناعه للاستمرار في المسير باتجاه الجنوب" 46.
قام المهدي بنشر دعوته في جبل قدير ورحب به المك. وطبقاً لما أورده الأستاذ إدوارد لينو لم تكن هذه مجرد مصادفة.
"كانت الجزيرة أبا في ذلك الوقت، 1881م، جزء من مملكة رث (ملك: بسلطة دنيوية ودينية) الشلك. وكان مقر رث الشلك في فاشودة وما زال حتي هذا التاريخ. لقد كان لوالد الإمام محمد أحمد المهدى علاقة مصاهرة مع عمدة الجزيرة أبا. ونيابة عن الإمام المهدي وعندما اشتعلت الثورة قام عمدة الجزيرة أبا بارسال وفد لرث الشلك حاملاً رسالة للرث فحواها "إن هذا ابن بنتنا ... .وهو يسعى لإنقاذ شعبنا من العبودية وقهر الأتراك". وبدلاً من أن يذهب المهدي هناك مباشرة قام بالاتصال بالنوبة لأنه كانت توجد هناك علاقة وطيدة بين النوبة في الجبال الشرقية ورث الشلك" 47.
كان من الضروري إحضار عدة أشياء لمناسبة تتويج رث الشلك من جبال النوبة. من بين هذه الأشياء جوهرة مضيئة 48. أياً ما كانت الحقيقة في هذ الرواية من الأفضل تركها وإنني لم أجد مبرر آخر لذهاب الإمام المهدي لجبل قدير. هناك تفسير جيد فيما يتصل برغبة الإمام المهدي في انطلاق دعوته من جبل قدير:
" كان الإمام المهدي في كل عمل من أعماله يتبع سنة سيدنا محمد رسول الله بهدف ترسيخ دعوته بين الناس. لذلك كانت هجرة الإمام المهدى من الجزيرة أبا لجبل قدير في كردفان تماثل هجرة سيدنا محمد رسول الله للمدينة المنورة عندما هدده المشركون في مكة المكرمة. بالمثل كان أول أتباع الإمام المهدي يسمون الأنصار مثل الصحابة من أنصار سيدنا محمد رسول الله. وأخيراً، عندما وصل الإمام المهدي جبل قدير في جبال النوبة أعادة تسميته بـ "جبل ماسة" متبعاً سنة سيدنا محمد رسول الله 49.
روى أحد مساعدى الإمام محمد أحمد المهدي:
"عندما كنا في قدير زاد أتباع الإمام المهدي وكان النوبة يطعموننا. كان الخليفة عبدالله مع الإمام المهدي لكنه كان رجلاً لم تكن له أهمية كبرى". 50.
كثير مما حدث في السنوات التالية قام القس جوزيف اوهوالدر، أحد المبشرين في الدلنج، بوصفه على النحو التالي: هاجم الأنصار الدلنج بشكل متكرر وتمكنوا من اجتياحها. تم أخذ أوهوالدر بصفته أسيرا وحفظ في الأسر لمدة عشر سنوات 51. هزم المهدى العديد من الحملات العسكرية التى تم إرسالها لمحاربته واستطاع السيطرة على الأبيض في عام 1883م. تم سجن السلطان آدم دبالو كذلك في عام 1884م ومات في الأسر. بينما كان المهدي يركز على فتح الخرطوم قام مساعده حمدان أبو عنجة بمواصلة تعزيز سلطات المهدي في كردفان. ويقول أوهوالدر:
"معظم سكان جبال النوبة أرسلوا وفوداً ليقولوا إنهم من رعايا وأنصار المهدي" 52.
ربما تكون هذه مبالغة لكنني أعتقد أن قبائل الجبال الشمالية إعترفت بسلطات المهدي. فقط القبائل المقيمة في جبل الداير هي التى حاربت الإنصار.
عبد الله بن محمد التعايشي: خليفة المهدي
تحرك المهدى صوب الخرطوم ولم ترغب الحكومة البريطانية في إيقافه. على كل، كان السودان يعتبر مشكلة لمصر وليس مشكلة لبريطانيا. قامت الحكومة البريطانية بالطلب من تشارلس غوردون تأمين الإنسحاب الآمن للقوات البريطانية والمصرية من السودان. أورد غوردون في مذكراته عن اجتماع مجلس الوزراء الأخير المنعقد في 18 يناير 1884م ما يلي:
"في الظهيرة جاء ولسلى إلى وأخذني للوزير ورجع إلى وقال: "ترغب حكومة ملكتنا أن تفهم هذا. إن الحكومة مصممة على إخلاء السودان لأنها لا تضمن تصرف الحكومة القادمة. يجب أن تذهب وتقوم بذلك؟" قلت له "نعم". قال لي :" أدخل عليهم" فذهبت والتقيت بهم (مجلس الوزراء)، فقالوا لي:"هل أخبرك ولسلي بأفكارنا؟" قلت لهم: "نعم" لقد قال لي: "إنكم لا تضمنون تصرف الحكومة القادمة في السودان وأنتم ترغبون مني الذهاب للسودان وإخلاء القوات من هناك". فقالوا لي (مجلس الوزراء): "نعم"، وانتهي الأمر 53.
لسوء حظ غوردون وعند وصوله السودان كان طريق الشمال مقطوعاً وتمت محاصرته في الخرطوم. أرسل المهدى له عدة خطابات مهذبة يطلب منه الإستسلام وإعتناق الإسلام حتى يتم إنقاذ حياته 54. رفض غوردون ذلك وفي 26 يناير 1885م جيئ برأسه لخيمة المهدي. بعد ستة أشهر من سقوط الخرطوم توفي المهدي بمرض التايفويد. وخلفه عبد الله بن محمد التعايشي الذى صار خليفة للمهدي. قام الخليفة عبدالله بحكم السودان الشمالي من بلاد البجا وحتي دارفور. ليس من شأن هذه المقالة الدخول في تفاصيل حكم الخليفة المضطرب، ولكننا سنستعرض ما حدث من التطورات في جبال النوبة.
لأجل حصار أم درمان والخرطوم أمر المهدي جميع الرجال القادرين من قبائل البقارة في كردفان للانضمام لجيشه في حربه ضد الأترك. قام معظم رجال قبائل البقارة بالإنضمام لجيش المهدي بدون رغبة خائفين من العقوبات القاسية. قام الأمير أبو عنقرة باخماد ثورة قامت بها قبائل البقارة التى لم تكن تريد المشاركة في حروبات المهدي وقام بمهاجمة جبال النوبة لاصطياد الرقيق الذين يمكن أن يلحقوا بجيش المهدي. بعد موت المهدي صارت الأوضاع تحت حكم الخليفة سيئة بالنسبة للنوبة. تم قتل أبناء السلطان آدم دبالو سلطان تقلي عندما رفضوا إرسال جنود لجيش الخليفة واستمرت القبائل المقيمة حول جبل الداير في المقاومة وتم مهاجمة قبيلة الغلفان عندما وجدت مجموعة من النوبة اللاجئين هناك. أخيراً ترك الأمير أبو عنقرة جبال النوبة في أبريل 1887م ومعه مجموعة كبيرة من أسرى النوبة 55. استمر خلفاءه في حملات السلب والنهب.
صارت حملات اصطياد الرقيق التى يقوم بها البقارة في جبال النوبة قليلة بسبب أن معظم رجال البقارة صاروا بعيدين من المنطقة. في واقع الأمر، بدأ بعض النوبة بشن حملات ضد مراكز جيش الخليفة – أنصار المهدي. بالمقابل قام زعماء جبل الداير بتوقيع اتفاقية مع حاكم الأبيض المعين من الخليفة. فتحت هذه الإتفاقية التجارة مع الأبيض. في نفس الوقت، كان على الخليفة عبدالله مواجهة البريطانيين (سنوضح المزيد من تفاصيل تحركاتهم في الفصل التالي). أمر الخليفة بإحضار المزيد من رجال البقارة لأم درمان وتم تجميع جيش جبار في كردفان هيمن على البلاد. تم تقريباً افراغ العديد من الجبال من السكان مثل جبل الغلفان ودبريا والكدرو. تم أخذ العديد من رجال ونساء جبال الميري لأم درمان. تم هزيمة جيش الخليفة في عطبرة وتراجع الخليفة مع مجموعة من الأنصار لمنطقة جبال النوبة. في نهاية الأمر، تم قتل الخليفة عبد الله في 24 نوفمبر 1899م بواسطة ونجت باشا.
عاد النوبة الذين تم أسرهم بواسطة جيش الخليفة وتم إرسالهم لأم درمان تدريجياً لمواطنهم في جبال النوبة. عاد النوبة ومعهم الاسلام بعد أن احتكوا بالمسلمين في الشمال لعدة سنوات. وعادوا كذلك ومعهم أسلحتهم النارية. انتشار الأسلحة النارية على نطاق جبال النوبة استلزمته حاجة البقارة لحماية قطعان ماشيتهم. جعلت هذه التطورات مهمة تهدئة قبائل النوبة أكثر صعوبة للبريطانيين الذين تولوا حكم وإدارة كردفان 56.
7 – الحكم الثنائي (1899م – 1956م)
1 – إعادة احتلال (استعمار) السودان
في عام 1884م قررت الحكومة البريطانية عدم التدخل في السودان. طلبت الحكومة البريطانية من غوردون تنظيم عملية اخلاء البريطانيين والمصريين من الخرطوم والإستعداد لتأمين الحدود بين مصر والسودان. بعد ثمانية سنوات بدأ هربرت كتشنر بالاستعداد لإعادة احتلال السودان. ما الذى تغير؟
لكي نبدأ، هناك طموحات المهدي وخليفته. كتب المهدى خطاب موجه لعائلات فاس يحتوي ما يلي:
"فلتعلموا إنني عما قريب سآتي إن شاء الله إلى مصر برعاية الله لأن الأمور في السودان اكتملت" 57.
حاول الخليفة عبدالله غزو مصر في عام 1889م ولكن تمت هزيمة قواته هزيمة نكراء من قبل الجيش المصري الذى تم إعادة تنظيمه بواسطة البريطانيين. إذا لم يتم مناوشة الحركة المهدية فبالتأكيد أنها ستحاول غزو مصر مجدداً. لكن ليس هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل الحكومة البريطانية تقرر العودة للسودان.
اشعل احتلال بريطانيا لمصر التنافس الأوروبي لاستعمار دول أفريقيا. كل من البريطانيين والفرنسيين والبرتغاليين والإيطاليين والألمان: كلهم كانوا يرغبون في الحصول على مستعمرة في القارة الأفريقية. في مؤتمر برلين المنعقد في 1884/1885م إتفقت القوى الإستعمارية على القوانين التى بموجبها ستتقاسم أفريقيا. كانت كل من فرنسا وبريطانيا العظمي طموحتان: رغبت فرنسا في خلق حزام مستعمرات يمتد من سواحل غرب أفريقيا حتى سواحلها الشرقية. كانت بريطانيا العظمي تهدف لتحقيق نفس القدر من النفوذ يبدأ من رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا وينتهي في مصر. كانت الفكرة من وراء ذلك هو ربط هذه المستعمرات الكبيرة بخطوط سكك حديدية ومواصلات نهرية لضمان الوصول إلى الموارد الثمينة المتوفرة وسط القارة وخلق اسواق كبيرة عبر القارة الأفريقية. من الجلي وبمثل هذه الطموحات فإن استعمار السودان يعتبر أمراً منطقياً. إن السبب الأول والأخير لاستعمار السودان هو أن الحكومة البريطانية اجتهدت للسيطرة على منابع ومسار نهر النيل. لقد كانت مياه النيل دائماً أمراً بالغ الأهمية لإقتصاد مصر وفكر البريطانيون بالفعل في بناء سد كبير للرى في أسوان.
بدأ الغزو الفعلي للسودان في مارس 1896م. لقد استغرق الغزو عامين و نصف قبل احتلال أم درمان (سبتمبر 1898م) وسنة أخرى قبل هزيمة بقايا جيش الخليفة (نوفمبر 1899م) في نفس الوقت كان على البريطانيين أن يتوجسوا خوفاً ليس من جيش الخليفة فقط بل من توجهات الحكومة الفرنسية التى أرسلت قوات من الكونغو برازافيل (زائير حالياً) للسودان لأجل إنشاء مركز في النيل الأبيض وادعت أن منطقة فاشودة محمية فرنسية. وصلت القوات الفرنسية في يوليو 1898م. في سبتمبر من نفس العام قامت الحكومة البريطانية بإرسال كتشنر لأعالي النيل بقوة من الزوارق الحربية. كان التنافس بين فرنسا وبريطانيا العظمي نتيجة منطقية لطموحاتهما الإستعمارية في أفريقيا التى تصادمت فعلياً فى منطقة فاشودة. لقد تغلبت الديبلوماسية على المواجهة العسكرية، وفي واقع الأمر من الأفضل القول أن الفرنسيين لم يكونوا أقوياء بما فيه الكفاية للسيطرة على فاشودة ولم يكونوا يرغبون كذلك بتحمل مخاطرة دخول حرب شاملة مع بريطانيا العظمي. لذلك، وبنهاية العام انسحبت القوات الفرنسية تاركة كل السودان لبريطانيا العظمي.
2 – الحكم الثنائي
في 19 يناير 1899 وقعت بريطانيا ومصر اتفاقية الحكم الثنائي التى تم بموجبها حكم السودان بشكل مشترك بينهما. في واقع الأمر قام البريطانيون بتولى الحكم بينما قام المصريون بتنفيذ سياستهم وتسديد فاتورة الحكم أو كما أوردت صحيفة لندن تايمز في 18 أبريل 1900م:
"قام رجلان بشراء حصان بشكل مشترك. ساهم "أ" بثلث الثمن وساهم "ب" بثلثي الثمن. قام "أ" بركوب الحصان وقام "ب" برعايته ودفع تكاليف معيشته. هذا تقريباً الوضع في السودان" 58.
خلال الخمسة وعشرين سنة الأولى من الحكم الثنائي كانت معظم القوات في السودان من المصريين. بعد استقلال مصر عام 1922م قام البريطانيون بأمر جميع المصريين بمغادرة السودان وقاموا بحكم السودان منفردين بالرغم من أن البنود الرسمية لإتفاقية الحكم الثنائي لم يتم تغييرها. لإجل إحلال القوات المصرية تم إنشاء قوة دفاع السودان من جنود سودانيين وضباط بريطانيين. بحلول عام 1951م طلبت مصر من بريطانيا الإنسحاب من السودان. وافقت الحكومة البريطانية على الجلاء من السودان في عام 1953م عندما اعترفت مصر بحق السودان في تقرير مصيره. في 1 يناير 1956م قام البريطانيون بالجلاء من السودان واستقلت البلاد 59.
طوال مدة الحكم الثنائي، ترددت بريطانيا فيما يتعلق بمستقبل ومصير السودان خاصة في ظل صعوبة حل مشكلة المديريات الجنوبية وإلى أين سيتم ضم هذه المديريات. ثقافياً من الأفضل أن يتم ضم هذه المديريات للمحميات البريطانية في شرق أفريقيا (حالياً: كينيا، يوغندا وتنزانيا) لكن في نفس الوقت يرتبط جنوب السودان بشماله بعدة روابط. لا توجد هناك طرق أو شبكة سكك حديدية أو اتصالات بين جنوب السودان ومحميات شرق أفريقيا. كانت معظم التبادلات التجارية مع الشمال وبشكل كبير عبر التجار العرب. كان الجنوب يفتقد الأشخاص المؤهلين لتولي المناصب الإدارية كما كان يفتقد كذلك القدرات لتطوير مشاريع اقتصادية كبيرة. كان العديد من الجنوبيين يعيشون في الشمال بصفتهم عمالة مهاجرة. إلى جانب الروابط الإقتصادية من المستحيل فصل السودانيين من أصول أفريقية والسودانيين من أصول عربية في عدة مناطق مثل مديرية (ولاية) بحر الغزال على سبيل المثال.
خلال السنوات العشرين الأولي من الحكم الثنائي لم يكن للبريطانيين سياسة رسمية تجاه جنوب السودان. استباب الأمن وتهدئة الأوضاع: التنظيم الإداري وتأسيس حدود قومية واضحة كانت هي الأولوية العليا. إعتباراً من عام 1922م فصاعداً اجتهد البريطانيون بشدة لتطوير الجنوب بمعزل عن الشمال. يبدو إن انتشار الإسلام كان هاجسهم الرئيسي بسبب إنه كان يسير بنفس خطى التوجهات القومية. تم إنشاء جمعية اللواء الأبيض في بواكير العشرينات من القرن التاسع عشر وهي قد ثارت في عام 1924م ضد الوجود البريطاني في السودان. قائد حركة اللواء الأبيض هو على عبد اللطيف الذى كان ضابطاً في الجيش وهو متحدر من أبوين كانوا عبيداً. كان أبيه من قبيلة النوبة وأمه من قبيلة الدينكا وربما العكس. هذا الأمر لا يبرهن بأية حال أنه كان من أوائل دعاة ومناصري قضية النوبة لأنه كان وطني التوجه وكانت حركة اللواء الأبيض تكافح من أجل الإتحاد مع مصر. كان على عبد اللطيف يؤمن بأن البلدين يربطهما النيل والإسلام والثقافة العربية.
في محاولة لإيقاف التأثير الوطني بدأت الإدارة البريطانية في الجنوب العمل لصالح السلطات المحلية. تم حظر التجار العرب من الدخول لجنوب السودان وفي نفس الوقت تم إيقاف هجرة العمالة من الجنوب للشمال. تم دعوة المنظمات التبشيرية المسيحية لبناء المدارس على نطاق الجنوب والقيام بالتدريس باللغة الإنجليزية بدلاً من اللغة العربية. في نهاية الأمر فشلت هذه السياسة تماماً: ظلت مستويات التنمية في الجنوب متخلفة عن مستويات التنمية في الشمال. طالبت الحركة الوطنية الناشئة في الشمال باحترام وحدة السودان. في نفس الوقت كانت الحركات الوطنية الناشئة في المحميات البريطانية بشرق أفريقيا غير متحمسة لإضافة مشاكل منطقة كبيرة غير متطورة لمشاكلها. هذا الأمر أحدث تغييراً جذرياً في السياسة البريطانية: اعتباراً من 1946م فصاعداً تم تشكيل مستقبل الجنوب ليكون في إطار السودان الموحد 60. هل إننى أحتاج لأن أضيف بأن السياسة البريطانية أسهمت في اندلاع النزاع بين الجنوب الشمال؟
3 - إدارة جبال النوبة
تم تطبيق نفس السياسة التى طبقت في الجنوب على جبال النوبة. منذ أن قام البريطانيون بترسيخ سلطاتهم بدأوا في العمل في فصل النوبة من العرب. بدأ تطبيق هذه السياسة بدون الأخذ في الإعتبار تطبيق إدارة مشتركة مع الجنوب ولكن في ظل فكرة حماية النوبة من الإنصهار في الثقافة العربية المحيطة بهم. لعبت التوجهات الشخصية دوراً كبيراً في هذا التوجه. كان المسئولون البريطانيون متخوفين من أنه بدون ترتيبات وقائية فقد يتحول النوبة إلى هجين نصف عربي منحط. أو بحسب ما أورد استفنسن:
"أفضل أنواع النوبة في نظر العديد من المسئولين البريطانيين كانوا أولئك النوبة غير الملوثين بالتأثير العربي أو بتأثير الإختلاط بالعرب وهو يقول إن العناصر المختلطة مثل الليري وتلودي والكدرو والداجو قرب لقاوة شبه العرب كانوا يعتبرون تعساء وفاسدين" 61.
ربما كان استفنسن يشير إلى قول فايسر مايلز:
"إننى أود أن أركز على عدم الرغبة في حصول انصهار بين العرب والنوبة ... لأن النتيجة دائماً هجين عربي غير مستقيم وسكير ليس لديه أصل أو عرف يحفظه من التلوث والفساد" 62.
وافق على ذلك استفنسن عام 1984م (!):
"هناك بعض الحقيقة في هذا الأمر فعندما تفقد بعض القبائل مزدوجة الثقافة العديد من الخصائل الحميدة في ثقافتها القديمة وتأخذ الخصائل القبيحة من الثقافة الجديدة فعندئذ يصبح من الصعب إنكار العديد من الشواهد" 63.
تدريجياً أصبح من الواضح أن سياسة الفصل كانت غير عملية على الإطلاق خاصة في جبال النوبة مقارنة بالجنوب. لا توجد هناك حدود واضحة بين العرب والنوبة واقتصادياً يرتبط النوبة بالشمال أكثر من الجنوب. كما في الجنوب، غير البريطانيون سياستهم مائة وثمانين درجة. سنبحث لاحقا في التغيرات في السياسة البريطانية بشكل أكثر تفصيلاً. في نفس الوقت يجب أن نأخذ في الإعتبار بأن تكلفة الاستعمار كانت أكثر من الايرادات في كردفان. كان يجب على مجموعة قليلة من المسؤولين البريطانيين بموارد مالية ضئيلة ومجموعة قليلة من الموظفين الشمالين المحافظة على إستباب الأمن واستقرار الأوضاع في مديرية (ولاية) كبيرة. بهذا الوضع من السهل تفهم أنه رغم النوايا الطيبة للعديد من الإداريين البريطانيين في هذا المجال فقد تم تحقيق مستويات متدنية من التنمية الاجتماعية والاقتصادية في هذه المنطقة.
منذ عام 1898م وحتى 1912م كانت جبال النوبة جزءاً من مديرية (ولاية) كردفان وإعتباراً من عام 1913م وحتي عام 1928م كانت تسمي مديرية جبال النوبة وكانت عاصمتها تلودي. كانت مديرية جبال النوبة مقسمة لثلاثة مناطق (مراكز) المنطقة الشرقية والمنطقة الغربية والجبال الجنوبية. وكان كل مركز يديره بشكل مباشر مفتش مركز ومساعد مفتش مركز بريطاني يسانده مأمور ونائب مأمور مصري 64.
كان مفتش المركز يوصف بساطة بأنه صاحب كل المهن: فهو ينظر في الحالات المدنية والجنائية ويشرف على الشرطة والسجون ويقوم بترتيبات تقييم وتحصيل الضرائب وإنشاء الطرق والكباري والمنازل ويساعد في رسم الخرط ويشجع التنمية الإقتصادية وبناء مرافق الحجر الصحي ويعمل باستمرار بصفته مستشار طبي ومستشار لطبابة النساء في مركزه 65.
لأجل ممارسة بعض الصلاحيات على نطاق مختلف القبائل لجعلها تدفع الضرائب وعدم الاعتداء على جيرانهم النوبة والبقارة كان مفتش المركز يفوض شخص في المجتمع القبلى يكون مسئولاً عن أداء هذه المهام. كان مفتشوا المراكز يعتبرون الكجور أكثر الشخصيات تأثيراً في القبيلة. ينقسم الكجور لعدة أنواع فمنهم أطباء الأعشاب والمعالجين التقليديين ومنهم رجال ونساء من ذوي النفوذ والتأثير الكبير لهم مكانة رجال الدين المتخصصين في الجوانب الروحانية. من هؤلاء الكجور كان الاداريون البريطانيون يختارون الكجور المتخصص في انزال المطر ليجعلوه مك (زعيم) جبل أو سلسلة جبال. كان يتم تفويض المك ببعض الصلاحيات وبالتالي كان من المفترض عليه جعل مواطنيه يعملون كما يؤمرون. كانت هذه السياسة غير فعالة لأن صلاحية الكجور في المقام الأول كانت محدودة وفي الغالب الأعم لا تعتمد على مهاراتهم عند تنظيم الحملات ضد جيرانهم من المجتمعات الأخرى 66.
4 – استباب الأمن وتهدئة الأوضاع
في سعيهم لتهدئة الأوضاع واستباب الأمن في كردفان قام البريطانيون أول الأمر بالتركيز على القبائل العربية التي ساندت الإمام المهدي. بأخذ هذا الأمر في الإعتبار، قام النوبة أول الأمر بدفع الضرائب المفروضة عليهم والتى اعتبروها وسيلة حماية من القبائل العربية. وعندما تم نزع السلاح من القبائل العربية لم يرى النوبة أية مبرر لدفع الضرائب وبدأوا مقاومة الحكم البريطاني. في واقع الأمر لم يتفهم البريطانيون هذا الأمر: لقد قام البريطانيون بحماية النوبة من قهر الدراويش والبقارة وبالمقابل يتمرد النوبة ضد نفس السلطات التى حققت لهم الأمن؟ هناك وصف واحد لهذا التصرف: عدم التقدير. إذا لم يقم الآن مكوك النوبة بتنفيذ أوامرنا...:
"يمكن إخضاع الشعوب المتخلفة وغير المتعلمة مثل سكان جنوب كردفان فقط باشعارهم بحقارتهم وباستعراض القوة ويجب تلقينهم وإعطاءهم دروس ملموسة عن سلطة الحكومة لتعزيز الحكم متى كان ضرورياً. لهذا السبب فإنني اعتبر زيادة عدد الحاميات في جنوب كردفان أمراً ضرورياً وكذلك تزويد الدوريات بعدد كافي من القوات لأجل إخافة السكان المحليين" 67.
قام البريطانيون بشن العديد من الحملات العقابية إعتباراً من عام 1903م فصاعداً ضد مختلف القبائل بمختلف الأسباب. وصف فرانسيس بلفور الذى كان يعمل نائب مفتش في جبال النوبة عام 1916م الدوريات العادية على النحو التالي:
"من وقت لآخر يقوم جبل من الجبال بالعصيان، وهي كلمة تعني باللغة المحلية شيئاً قريباً أو أقل من التمرد. يقوم السكان بالتراجع لقمم الجبال ويفضلون ذلك بعد موسم الحصاد الذي يمكن تخزينه في العديد من الكهوف إذا كانت هناك تهديدات خطيرة: دفع أتاوة لجار مهاجم أو استسلام بعض مرتكبي الجرائم أو تسليم ممتلكات مسروقة – باختصار مهما كان نوع المطالبة - يتم في العادة رفض ذلك وتحدى السلطات. الخطوة الثانية في اللعبة هو إرسال قوة صغيرة مختلطة تلقت تدريباً ميدانياً مع عدد كافي من الرصاص يتم إطلاقها في الهواء ويتم أمر الرجال بخفض رؤوسهم، وعادة ما تكون الإصابات بين الطرفين قليلة. في نفس الوقت يتم فرض الشروط ويتم قبولها، لقد تم منح ميدالية الخدمة الممتازة للدورية رقم ... على العموم يتم التصالح بواسطة الجميع" 68.
ويلمح جستن ويليز بأن العديد من هذه الدوريات لم تكن تتجنب الإيذاء والضرر وكانت تتم بشكل مستمر:
"إلى الآن قمت بتحديد سبعة وعشرين دورية في جبال النوبة كانت الواحدة منها تشمل أكثر من سرية من الجنود: تقلي 1903م، الداير 1904م، كيترا 1904م، شات الصافية 1905م، النيمنق 1908م، و1917م، برهام 1908م، كتالة 1909م، و 1910م و 1925م، تاقوي 1910م، تيرا الليمون 1910م، كيمالا 1911م، كرونقو بخيت 1911م، هيبان 1911م، تيرا الخدار 1912م و1913م و1915م و1922م، تنديلا 1913م، ماندال 1914، ميري 1915م، كواليب/ليرا 1919م، تولوشي 1926م و 1945م، جلود 1926م واللافوقا 1929م" 69.
أصابت هذه الدوريات العديد من الضحايا من النوبة. تم أخذ العديد من الرجال كأسرى وتم إجبارهم للإلتحاق بالخدمة العسكرية. وتم سلب ونهب الماشية وحرق القرى. كانت أكبر دورية من بين هذه الدوريات هي الدورية رقم 32 الموجهة ضد جبال النيمنق. رفض مك النيمنق تسليم بعض الشباب المطلوبين لحملات إصطياد الرقيق. تطورت الأمور وخرجت من السيطرة عندما قام الكجور المعروف بالسلطان عجبنا باشعال العصيان ضد السلطات البريطانية. كان البريطانيون يعاملون الدورية باعتبارها عملية عسكرية تضم أكثر من 3,000 جندي ومزودة بزخائر وبنادق ماكسيم. تمت الإحاطة بالجبال المتمردة وتم إخلاء السكان بالقوة بينما تم تجويع الآخرين لأجل الإستسلام. تم قتل 500 من رجال النوبة. دعوني أستشهد ببعض الأسطر من تقرير رسمي:
"في منتصف ليلة السادس من يناير 1918م تم القيام بمحاولة جريئة للهروب بواسطة معظم سكان ساجان وكوشي. بالنزول من الجبال بأعداد كبيرة مر رجال النوبة بالقرب من الزريبة المجاورة للركن الشمالي الغربي من ساجان ولكنهم توجهوا نحو الغرب بسبب نيران الكتيبة الرابعة ودخلوا في خطوط قوات الهجانة رقم 1 وبسبب كثرة الأعداد إجتاز اثني عشر منهم الزريبة وتم اصطياد معظمهم بواسطة العرب الذين هرعوا لجبل كومورو عند سماع اطلاق النيران. تم ارجاع البقية للجبال بخسائر كبيرة في الأرواح بسبب نيران المسدسات وبنادق الماكسيم. توفي منهم خمسة وخمسون شخصاً وجرح عشرة وجدوا ملقيين في أو أمام الزريبة وكانت هناك مجموعة كبيرة انسحبت بعيدا لتموت في الجبال أو ليقعوا في أيدينا مأسورين ومصابين بجراح" 70.
استمرت الدوريات حتي عام 1930م وكانت هناك واحدة أخرى في عام 1945م ضد تولوشي. تٌظهر التقارير والصور للأكواخ المحروقة وخطابات البريطانيين المشاركين في الدورية صورة مختلفة عما أورده نادل من ملاحظات عابرة على سبيل المثال:
"خلال الأيام الأولي من الحكم البريطاني تم اجبار بعض القبائل المتمردة والمعاندة لاخلاء جبالهم والانتقال للاستيطان في الوديان لمصلحة الأمن العام" 71.
ما الذى جعل استيفنسن يفهم مهام الدوريات؟ لقد كتب استيفنسن:
"في العديد من الحالات كان يتم تركيز القوات للقيام بالدوريات ضد القبائل المعاندة والمتمردة التى رفضت "الخضوع". قد يكون من العسير حصر جميع المواجهات والمعارك في هذا المقام. لقد تم شن بعض المعارك الأولى ضد نوبة شات الصفية وجبل الداير وتاقوي والنيمنق وكاتالا وتم مهاجمة العديد من الجبال أكثر من مرة. كان متوجباً استمرار هذه الدوريات لعدة أسباب ولعدة سنوات حتى توقفت تدريجياً وانتهت تماماً في عام 1930م" 72.
لم يشير استفنسن للعنف وحرق قرى النوبة والعديد من الإصابات بينهم. قد يكون ذلك "من العسير"؟ على أية حال، حدث ذلك بتلك الطريقة ومن وجهة نظرنا، بعد ما يقارب قرن من الزمان، قد نتعجب ونتساءل ما هو الفرق بين سياسة استباب الأمن البريطانية ومساعي حكومة السودان في السنوات الأخيرة لأجل إخماد تمرد آخر في جبال النوبة؟
5 – المناطق المقفولة
قام الموظفون السودانيين بإدارة معظم المراكز في الجنوب وانتشرت اللغة العربية والثقافة الإسلامية بشكل مطرد مع التجارة وهجرة العمالة وشعر البريطانيون بأنهم مجبرين لإيقاف هذه التطورات. لم يكن الأمر فقط حماية النوبة بل بالتأكيد أن البريطانيون سعوا لتطبيق قانون المناطق المقفولة الصادر في عام 1922م على جبال النوبة. كانت الحركة الوطنية المصرية دافع خفي للبريطانيين للحد من أو لإستئصال التأثير العربي في الجنوب وجبال النوبة. أوضحت ثورة اللواء الأبيض في عام 1924م أن العديد من الجنوبيين والنوبة اللذين عملوا في الجيش قد يصابوا بحمى الوطنية. يجب أن لا يسمح لهم بالاحتكاك بالسودانيين من ذوى الأصول العربية. نتيجة لذلك تم حظر السفر من جبال النوبة للمناطق الأخرى ومن المناطق الأخرى لجبال النوبة وتم تقييد هجرة العمالة وتم حظر التجار العرب وتم ايكال التجارة (للمسيحيين) الأغريق والشوام 73.
بلا شك كانت هجرة العمالة أكبر إهتمامات البريطانيين. ولسخرية الأقدار فقد تم تشجيعها في بادئ الأمر بواسطة الإدارة البريطانية:
"لقد تم بناء خزان سنار ولم يتمكن المقاولون من الحصول على عدد كافي من العمالة السودانية لمختلف الوظائف. [...] كان عرب الليري من الحوازمة والرواوقة والكواهلة من الرقيق أول من هاجر للبحث عن عمل، ومن ثم تبعهم النوبة. ربما يصاب مفتش المركز الحالي بالذهول عندما يعرف أن المفتش الذى سبقه قام بإقناع النوبة والعرب على حد سواء وبكلمات معسولة ووعود بالحصول على رواتب وأجور كبيرة للذهاب للبحر (سنار) للعمل! يجب إيجاد العمالة. يجب تنمية وتطوير السودان. في الجبال سكان مناسبين للعمل" 74.
تم ترك عدد قليل من الرجال للعمل في المزارع في الجبال. عندما يعود العمال الماهجرين للزواج كانوا يدفعون مهوراً كبيرة أكثر من ذى قبل للآباء. ارتفعت المهور الأمر الذى حفز المزيد من الرجال للهجرة والبحث عن عمل. كانت هناك وسيلة أخرى لإكتساب المال تتمثل في الإلتحاق بالجيش وقد قام الكثير من أبناء النوبة بالإلتحاق بالجيش.
6 – زراعة القطن
تكلفة الإدارة في السودان كبيرة خاصة في مناطق مثل جبال النوبة حيث كانت إيرادات الضرائب ضئيلة. لمعالجة هذه المشكلة قام البريطانيون باستحداث زراعة القطن في المنطقة باعتباره محصول نقدي. إن تجارة القطن لن تزيد ايرادات الضرائب فقط بل قد تحل العديد من المشاكل الأخرى: العمل في مزارع القطن سيوقف شباب النوبة من الهجرة للمدن في الشمال، تأمين المياه لن يوفر فقط مياه الري للقطن بل سيوفر للناس مياه عذبة، طرق المواصلات ستصل المناطق المعزولة وبالتالي ستجعل هذه الأمور من السهل تسجيل وإدارة عموم شعب النوبة.
كان استحداث زراعة القطن عملية ناجحة واعتباراً من عام 1927م تم إنشاء المحالج في تلودي وكادوقلي و لاقاوة والدلنج وأماكن أخرى. ما لم يدركه البريطانيون هو دور أصحاب المشاريع العرب (الجلابة كما يطلق عليهم): بعد زمن وجيز صار 80% من انتاج القطن يتم في المزارع التى يمتلكها العرب. كان النوبة في الغالب الأعم يتجمعون للعمل في مزارعهم البعيدة على أساس الأجر اليومي. بدأ النوبة في بيع بعض الذرة المنتج في مزارعهم وكذلك السمسم: تحسنت مستويات المعيشة. ونتيجة لذلك، تأثرت ثقافة النوبة بتأثير التبادل النقدي والإحتكاك المباشر بالسودانيين من أصول عربية.
7 – اللامركزية والحكم المحلي
لأجل مناهضة التوجهات الوطنية والإتحادية رغب البريطانيون في تعزيز السلطات المحلية والقبلية، وقاموا باستحداث الحكم غير المباشر لشمال السودان من خلال قانون صلاحيات وسلطات شيوخ القبائل الرعوية الصادر في عام 1922م. لأجل تعزيز موقف شيوخ القبائل الرعوية فقد تم منحهم صلاحيات قضائية. تم تطبيق هذا القانون على قبائل البقارة في جبال النوبة في عام 1926م مصحوباً بقانون محاكم القرى. لم يتم تطبيق هذه القوانين على قبائل النوبة: كانت معظم قبائل النوبة مجزأة ولم تكن السلطة مؤسسسة بشكل واضح لديهم.
ظل النوبة تحت نظام الحكم التقليدي لحين استحداث قانون سلطات شيوخ القبائل عام 1927م. جاء هذا القانون في ظل "الإدارة المحلية" التى تسمح بإدارة "الشرطة المحلية" وجمع الضرائب. قام البريطانيون بإنشاء ثلاثة مستويات من المحاكم من المستوى المحلي للمستوى الإقليمي. يتولى رئاسة المحكمة الشيخ أو المك. يمكن للشيخ أو المك البت في مختلف الحالات حسب قدرة المحكمة أو رفعها لمحكمة أعلى. كان يسمح للشيخ أو المك بفرض غرامات على المدانين أو سجنهم 75. قد يكون المك في السابق كجوراً أما الآن فيمكن أن يكون موظف سابق أو على الأقل شخص يعرف القراءة والكتابة 76.
تطلب تنفيذ قانون سلطات شيوخ القبائل إصلاحات إدارية. كان البريطانيون يعملون بحذر لأجل إقامة كونفدرالية لقبائل النوبة. يمكن أن تشمل الوحدات الإدارية عدة قبائل ويمكن في بعض الأحيان أن يقيم كل من النوبة والعرب في منطقة (مركز) واحدة. هكذا كان الحال في مملكة تقلي على سبيل المثال والتى واجهت كل الإضطرابات واصبحت بشكل رسمي تحت إدارة مك تقلي.
بحلول عام 1929م تم إعادة رسم الحدود الإدارية: تم دمج مديرية (ولاية) جبال النوبة في مديرية (ولاية) كردفان. من الناحية الإقتصادية والإجتماعية تعتبر المديريتان (الولايتان) مترابطتان بشكل كبير حيث يصعب إدارتهما بشكل منفصل. كردفان هو إسم المديرية الموحدة التى تشمل جبال النوبة بمراكزها (مناطقها) الأربعة: الجبال الغربية، الجبال الشرقية، جنوب كردفان والجبال الجنوبية. لم يترك البريطانيون السياسة المرتبطة بجعل النوبة والعرب منفصلين: في واقع الأمر قام البريطانيون في بعض الأحيان بالخروج من مسارهم برؤية أن التأثير العربي يمكن تقليصه لأدني حد 77.
8 - السياسة البريطانية تجاه النوبة
بالرغم من تقلص منوال الدوريات بنهاية العشرينيات من القرن التاسع عشر، صار واضحا وجلياً أن الحكم المباشر لم يكن ذا جدوى. تم تحميل مديري المراكز بأعباء إضافية ولم يحقق المكوك توقعات البريطانيين بدون فقدان سلطاتهم أمام الشباب في المجتمع. كما أوضحت سابقاً، كانت الإدارة البريطانية تسعى لتحديد أي مستقبل يمكن أن تقدمه للنوبة. أوضح المستر جيه. ايه. جيلان حاكم كردفان في الفترة من 1928م وحتي 1932م ما يلي:
"هل نستطيع تطوير هيكل أو مجموعة هياكل إدارية لتناسب جميع هذه الثقافات المختلفة والمستويات الحضارية المختلفة؟ هل نستطيع في نفس الوقت المحافظة على أفضل الجوانب الثقافية لدى النوبة لتسير جنباً إلى جنب مع الحضارة والثقافة العربية؟" 78.
هل تستحق عاداتهم وثقافتهم المحافظة عليها بينما هم يتعلمون الوقوف على أرجلهم أم هل نقف على جنب وندعهم ينزلقون في المجهول... الثقافة العربية، قبل أن يدركوا ذواتهم وكينونتهم؟ 79.
بالرغم من ذلك الوقت يمضى بسرعة. في عام 1930م اشتكي مفتش مركز الدلنج من أنه لا توجد سياسة مهما كانت لتوجيه عملية تكامل النوبة مع البيئة الإقتصادية المحيطة بهم.
تقع أهمية الأمر في التطور الإقتصادى للعرب. من المتوقع أن تزيد الإتصالات بين النوبة والعرب. لأسباب اقتصادية ينبغي أن يتمازج الجنسان وإذا إقتضى الأمر صياغة سياسة خاصة بالنوبة ينبغي أن يتم توضيحها وينبغي أن يتم صياغتها الآن 80.
في مذكرته التى كتبها عام 1931م قدم جيلان تحليلاً للمشكلة. كما قدم سلسلة من الترتيبات العملية. سعى خلفه المحافظ دوجلاس نيوبولد (محافظ من 1932 وحتي 1936م) لمعالجة المسائل المختلفة التى تم طرحها في المذكرة وكان واقعيا فيما يتصل بتلك المشاكل:
السياسة البريطانية تجاه النوبة طبقاً لما ورد في مذكرة السيد جيلان المطبوعة وبعد اعتمادها من الحكومة المركزية هي سياسة تمدن وتحضر ايجابية قائمة على أفضل العادات والجوانب الثقافية المحلية. إنها لا تهدف لعزل النوبة في قفص زجاجي ولا لجعل جبال النوبة محمية بشرية بل هي تسعي لتطوير حضارة وثقافة النوبة من خلال قادة وزعماء النوبة ومجتمعات النوبة 81.
في آواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات من القرن التاسع عشر سعى السير انجوس جيلان، حاكم كردفان، لتغيير المد. وقد كتب للحكومة في الخرطوم ما يلي:
"بناء على ذلك أود أن أطلب:
1. إلى أقصى حد ممكن يجب على الإدارات الحكومية تعيين العمالة من مناطق أخرى بخلاف جبال النوبة.
2. يجب على محافظي المديريات الشمالية تسريح وإبعاد النوبة من العمل". (جيلان 1931م).
في خضم مشكلة الإدارة البريطانية في جبال النوبة وصف عثمان أ. إبراهيم (1985م) رد الفعل لهذا الطلب قائلاً:
"في العديد من الحالات التى قام فيها النوبة بمغادرة الجبال بحثاً عن العمل في المديريات الأخرى كان يتم اعادتهم للجبال بدون أخذ رغباتهم في الإعتبار للمدى الذي يتم فيه إصدار تذاكر سفر لهم بالسكة الحديد حتي الأبيض. لم تكن هناك في أول الأمر مخصصات رسمية لإعادتهم وكان النوبة العائدين يتم الحاقهم بالعمل في دلامي ويتم خصم تكاليف سفرهم من رواتبهم وأجورهم".
9 – التعليم
كانت السياسة البريطانية تجاه النوبة غير عملية وضد مصلحة النوبة. أفضل مثال على ذلك هو موضوع التعليم في مناطق السكان المحليين. لما يقارب العشرين عاماً تم السماح لـ "بعثة السودان التبشيرية المتحدة"، وهي منظمة تبشيرية بروتستانتينية من نيوزيلندا واستراليا للعمل في المدارس الأولية (الإبتدائية) في هيبان وعبرى وكاودا والمورو وتابانا بدون تحقيق أى تقدم وتطور في مجال التعليم. "منظمة الرسالة الكنسية" التى بدأت العمل في المناطق الغربية في عام 1933م لم تحقق كذلك أى تقدم وتطور في مجال التعليم. لم يكن لدى هذه المنظمات التبشيرية الموارد الكافية وكان البريطانيون يغيرون سياستهم باستمرار. ماذا لو تم التفكير في تدريس أبناء النوبة اللغة العربية المكتوبة بالخط الروماني؟ في نفس الوقت سمح البريطانيون بالتدريس بمنهج عربي في المدارس الإبتدائية التى تعمل بإنتظام في المناطق التى يسكنها العرب 82.
كان دوجلاس نيوبولد، محافظ كردفان للفترة من عام 1932م وحتى 1936م ، أكثر واقعية من المحافظ الذى سبقه:
"السياسة البريطانية تجاه النوبة ... لا تهدف لعزل النوبة في قفص زجاجي ولا لجعل جبال النوبة محمية بشرية بل هي تسعي لتطوير حضارة وثقافة النوبة من خلال قادة وزعماء النوبة ومجتمعات النوبة" 83.
أدرك نيوبولد الحاجة لتعليم نظامي. تم فتح مدارس أولية (ابتدائية) حكومية في عبرى وكاودا وسللارا وكاتشا. أصبحت اللغة العربية لغة التدريس. بحلول عام 1940م لم يعد أبناء النوبة مقيدين في خياراتهم للالتحاق بالمدارس. صارت "بعثة السودان التبشيرية المتحدة" تقدم تعليم نظامي أولي في المدارس المعروفة بمدارس الغابة. استمرت "بعثة السودان التبشيرية المتحدة" في مجال التعليم الأولي وفتحت مدرسة وسطي (متوسطة) في كاتشا 84.
10 - تغيير السياسة البريطانية
في نهايات الحرب العالمية الثانية أقر البريطانيون بالصعوبات الإقتصادية والجغرافية لفصل جنوب السودان عن عموم السودان:
"إن سياسة حكومة السودان بخصوص جنوب السودان هي العمل على حقيقة أن سكان جنوب السودان أفارقة وزنوج بشكل متميز لكن الجغرافيا والمعطيات الإقتصادية تتحدان (...) لتجعلهم مرتبطين بشكل لا ينفصل لأجل التطور المستقبلي بشمال السودان الشرق أوسطي العربي الثقافة: ولذلك ولأجل ضمان أنهم، بالتعليم والتنمية الإقتصادية، يتم تأهيلهم للاعتماد على أنفسهم في المستقبل بصفتهم، من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، أنداد لشركاءهم في سودان المستقبل" 85.
للأسف بالنسبة للنوبة لم يكن هناك أى أساس لتطوير قيادات محلية. وطبقاً لما ذكر نادل:
"واجهنا في جبال النوبة مشاكل خلق وإنشاء بدلاً من تطوير. ما زالت المؤسسات السياسية المحلية بشكل كبير في مراحلها التخليقية. ولا تمتلك المستلزمات الأساسية في نظرنا للقيام باستغلالها أو البناء عليها. بشكل أكثر تحديداً، هناك القليل من قبائل النوبة التى تمارس نظام شيوخ القبائل القديم أو شكل من أشكال القيادة التى لا يمكن تفويضها بالمهام السياسية الحديثة" 86.
مع ذلك قام البريطانيون في السنوات التالية بضمان أن جميع القبائل يتم حكمها بواسطة زعماء محليين وفي الغالب قامت بإجبار السكان لقبول الزعماء والقادة الجدد بدلاً من أعراف السلطات التقليدية. أصبحت اللغة العربية هي اللغة المستخدمة في المدارس وتم بذل الجهود لتطوير زراعة القطن (الذى عاني من مشكلة هجرة العمالة والخدمة في الجيش) وتم حفر الحفائر وخزانات المياه وتشييد الطرق. ولم يتم إلا بذل القليل جداً من الجهد لتجهيز النوبة لاستقلال السودان. وطبقاً لما أورده استيفنسن كان النوبة يندمجون ببطء في المجتمع:
بنهاية فترة الحكم الثنائي وجد النوبة الكثير من فرص التوظيف في الخدمة العامة حيث عملوا كمعلمين وموظفين ومساعدين طبيين وممرضين وفي المحلات التجارية والمكاتب وفي خارج نطاق الجبال في المصانع وفي الحملات الصحية وفي السكك الحديدية (...) لعدة سنوات كانوا أفراداً مقتدرين ومتميزين للإلتحاق بالجيش والشرطة. تطورت الأوضاع الصحية (...) اصبح الآن لكل مدينة رئيسية مستشفى خاص وهناك العديد من المستوصفات الطبية المزودة بمساعدين طبيين في العديد من المراكز الصغيرة. تم إنشاء محاجر صحية للمجذومين اعتباراً من عام 1936م (...). بالرغم من التدفق عليهم من العالم الخارجي بمزيد من التنظيم والتوجيه والتغير في المظهر الخارجي للملابس والطعام والعمل ما زال النوبة الحيويون جميلوا المحيا محافظين على استقلالية مظهرهم والكثير من صراحتهم وبساطتهم" 87.
الحواشي والمراجع
1. R. Iyob and G. M. Khadiagala: Sudan: The Elusive Quest for Peace (2006), pp.23.
2. H. A. MacMichael: The Tribes of Northern and Central Kordofan, 1912.
3. Ibid.
4. S. F. Nadel: the Nuba, an anthropological study of the Hill Tribes in Kordofan, 1947, pp. 360.
5. J. Spaulding: A Premise for Precolonial Nuba History; History in Africa, Vol. 14 (1987), pp. 369-374.
6. The wide plains of Kordofan between Darfur and the Nile served as a buffer. There was a trade road to Egypt though, known as the 40 day track.
7. D. Lange: Ethogenesis from within the Chadic state: some thoughts on the history of Kanem-Borno; Paideuma 39, 261-277
8. H. R. Palmer: The Kingdom of Gaòga of Leo Africanus Part I; Journal of the Royal African Society, Vol. 29, No. 115 (April 1930), pp. 280-284.
9. Sir R. C. Slatin: Fire and Sword in the Sudan, 1879-1895; translated by Sir F. R. Wingate, 1896-7.
10. R. S. O’Fahey: State and Society in Dār Fūr, 1980.
11. J. Bruce of Kinnaird: ‘Travels to Discover the Source of the Nile in the years 1768, 1769, 1770, 1771, 1172 and 1773’, published in 1790.
12. For the full story: P. M. Holt: The Sudan of the Three Niles: The Funj Chronicle, 910-1288/1504-1871, 1999.
13. R. c. Stevenson: The Nuba People of Kordofan Province, 1984, pp. 41-42
14. Yusuf Fadl Hasan: The Arabs and the Sudan, 1973, pp. 136.
15. Ibid. pp. 142.
16. Ibid. pp. 164
17. Ahmad b. Abdallah Al-Qalqashandi: Subh al-A’shafi Sina’at al-Insha’, 1913-14, Vol. VIII, pp. 116-118
18. Hasan, pp. 165-6
19. Yusuf Fadl Hasan: The Arabs and the Sudan, 1973, pp. 167.
20. H. A. MacMichael: The Tribes of Northern and Central Kordofan, 1912, pp. 146.
21. J. Owens (ed.): Arabs and Arabic in the Lake Chad Region, 1994 (Sprache und Geschichte in Afrika, Band 14), pp. 81-4.
22. Yusuf Fadl Hasan: The Arabs and the Sudan, 1973, pp. 170.
23. J.W. Sargar: Notes on the history, religion and customs of the Nuba (1922); Sudan Notes and Records 5, pp. 139-40.
24. Ibid. pp.140.
25. Information for the following is mainly drawn from the online encyclopedia ‘Wikipedia’, the English version, as of January 13, 2007.
26. J. Pallme: Travels in Kordofan, 1984 (translation), pp. 17-26, and J. Petherick: Egypt, Sudan and Central Africa. With Explorations From Khartoum on the White Nile to the Regions of the Equator, Being Sketches from Sixteen Years' Travel. 1861, pp. 276-281.
27. H. A. MacMichael: The Tribes of Northern and Central Kordofan, 1912, p. 20.
28. R. Mowafi: Slavery, Slave Trade and Abolition Attempts in Egypt and the Sudan, 1820-1882, 1981, p. 32.
29. H. Dodwell: The Founder of Modern Egypt, 1931, p.50
30. E. Driault: La Formation de l’Empire de Mohamed Aly de l’Arabie au Soudan 1814-1823, Correspondences des Consuls de France en Egypte, 1827, pp. 225-26
31. R. L. Hill: Egypt in the Sudan, 1820-1881, 1958, pp. 12-13. from a letter dated September 23, 1823.
32. Official Journal of Egypt, No 19, 15 Muharram, 1246 and No. 388, 3 Muharram, 1248.
33. I. S. Pallme: Travels in Kordofan, 1844
34. R. Mowafi: Slavery, Slave Trade and Abolition Attempts…, 1981, p. 21.
35. A. T. Holroyd: Notes on a Journey to Kordofan, in 1836-7; Journal of the Royal Geographical Society of London, Vol. 9. (1839), pp. 163-191.
36. Wikipedia.com as of January 15, 2007.
37. R. Mowafi: Slavery, Slave Trade and Abolition Attempts in Egypt and the Sudan, 1820-1882, 1981. This study uses a large number of official documents and travel accounts, but to avoid writing a history to my footnotes, I will not list them. Those interested in the subject of slavery in Sudan now know where to look.
38. Ibid.
39. R. Mowafi: Slavery, Slave Trade and Abolition Attempts… pp. 72-75.
40. H. A. MacMichael: The Tribes of Northern and Central Kordofan, 1912, pp. 31-32
41. E. Tonioli and R. Hill (ed.): The Opening of the Nile Basin, 1974, p. 297.
42. Wikipedia.com as of Januari 15, 2007
43. R. Mowafi: Slavery, Slave Trade and Abolition Attempts… p. 90.
44. H. A. MacMichael: The Tribes of Northern and Central Kordofan, 1912, p. 36.
45. M. Mirak-Weissbach: Why The British Hate Sudan: The Mahdia's War Against London; The American Almanac, September 4, 1995.
46. R. C. Stevenson: The Nuba People of Kordofan Province, 1984, p. 57.
47. Commander Edward Lino in an interview with Sudan Vision, February 24, 2004.
48. More information might be found in E. E. Evans-Pritchard: The Divine Kingship of the Shilluk of the Nilotic Sudan, 1948 (but I am not sure).
49. R. H. Dekmejian and M. J. Wyszomirski: Charismatic Leadership in Islam: The Mahdi of the Sudan; Comparative Studies in Society and History, Vol. 14, No. 2. (Mar., 1972), pp. 193-214.
50. J. A. Reid: Reminiscences of the Sudan Mahdi, Sheikh Mohammed Ahmed: By His Personal Servant Mohammed el Mekki Ghuleib, Who Is Still Living in the Sudan; Journal of the Royal African Society, Vol. 35, No. 138. (Jan., 1936), pp. 71-75.
51. F.R. Wingate: Ten Years' Captivity in the Mahdi's Camp, 1882-1892, 1892 (from the manuscripts of Father Joseph Ohrwalder)
52. Ibid. p. 95.
53. Quoted by A. Moorhead in ‘The White Nile’, 1960.
54. G. Sverdrup, Jr.: A Letter from the Mahdi Muhammad Ahmad to General C. G. Gordon; Journal of the American Oriental Society, Vol. 31, No. 4 (1911), pp. 368-388.
55. R. C. Stevenson: The Nuba People of Kordofan Province, 1984, p. 59.
56. Information on this chapter from R. C. Stevenson: The Nuba People of Kordofan Province, 1984, pp. 58-61 and H. A. MacMichael: The Tribes of Northern and Central Kordofan, 1912, pp. 43-50.
57. F. Nicoll: Sword of the Prophet: The Mahdi of Sudan and the Death of General Gordon , 2004. p.230; quoted from Abu Salim, vol.4, pp. 481–2.
58. Quoted by G. Warburg in ‘The Sudan Under Wingate: Administration in the Anglo-Egyptian Sudan (1899-1916)’, 1971.
59. Wikipedia: History of Sudan; the East African Protectorate; History of Egypt, as on January 21, 2007
60. M. O. Beshir: The Southern Sudan; Background to Conflict, 1968.
61. R. C. Stevenson: The Nuba People of Kordofan Province, 1984, p. 64.
62. Vicars-Miles, ‘Notes on Nuba administration’, p. 33, SAD 631/10/1-64.
63. R. C. Stevenson: Opus. Cit., p. 64.
64. A. H. M. Ibrahim: The Dilemma of British Rule in the Nuba Mountains, 1898-1947, 1985.
65. H. A. MacMichael: The Anglo-Egyptian Sudan, 1934.
66. J. Willis: Violence, Authority, and the State in the Nuba Mountains of Condominium Sudan; The Historical Journal, 46, 1 (2003), pp. 89–114.
67. Kordofan province annual report, 1905, SAD 701/25/164-9.
68. F. C. C. Balfour: Article on 'Faqi 'Ali' (unpublished), 1951; Sudan Archive, Durham, 303/8/27
69. J. Willis: Violence, Authority, and the State in the Nuba Mountains…
70. L. K. Smith: No. 32, Operations in the Nyima Hills, Nuba Mountains Province, 1917-1918; Sudan Archive, Durham, 643/13/15
71. S. F. Nadel: the Nuba, an anthropological study of the Hill Tribes in Kordofan, 1947, p. 6.
72. R. C. Stevenson: The Nuba People of Kordofan Province, 1984, pp. 62-3.
73. M. O. Beshir: The Southern Sudan, Background to Conflict. 1968, pp. 39-41.
74. Sudan Archive, Durham: GS 460. MS. Vicars Miles; 167
75. A. H. M. Ibrahim: The Dilemma of British Rule in the Nuba Mountains, 1898-1947, 1985.
76. J. Willis: Violence, Authority, and the State in the Nuba Mountains…
77. A. H. M. Ibrahim: The Dilemma of British Rule…
78. J. A. Gillan: Some Aspects of Nuba Administration, 1931; Khartoum: Sudan Government Memoranda, no. 1., 6-7.
79. Ibid. 12.
80. Dilling Archives, Southern Kordofan: General Administrative Policy-Devolution, a Note by D.C. Dilling; file SCR/1.A.1/1.
81. K. D. D. Henderson: The Making of the Modern Sudan, 1952, pp. 495-6
82. Anderson, L.: Educational Development and Administrative Control in the Nuba Mountains Region of the Sudan; The Journal of African History, Vol. 4, No. 2. (1963), pp. 233-247.
83. Henderson, K.D.D.: The Making of the Modern Sudan, 1952
84. Anderson, L.: Educational Development and Administrative Control…
85. The 1946 Memorandum on Southern Policy; Beshir, M.O.: The Southern Sudan, Background to Conflict. 1968
86. Nadel, S.F.: The Nuba, an Anthropological Study of the Hill Tribes in Kordofan, 1947, p. 494.
87. R. C. Stevenson: The Nuba People of Kordofan Province, 1965

* المؤلف: ناني أوبت انده:
• بعد تخرجه من "أكاديمية هيرتوجنبوش للفنون المرئية" في عام 1995م قام نان اوبت انده (مواليد 1970 م، هولندا) بالعمل في مركز لطالبي اللجوء. شعر أنده بتعاطف مع اللاجئين السودانيين، وقام بتصوير العديد من المناسبات الخاصة بقضايا سودانية: قضايا حقوق الإنسان، الحرب في الجنوب، الحرب في جبال النوبة ولهذا السبب دعاه النوبة في الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان للحضور للسودان لتوثيق الحرب الأهلية.
• ذهب أنده لجبال النوبة لاول مرة في عام 1977م ومكث هناك لمدة شهرين، وعاد إلى جبال النوبة في عام 1998م وعام 2000م. لقد تم عرض الصور والرسومات التي قام بها في العديد من المؤسسات وتم نشر صوره في العديد من المجلات ومن ثم تبنت بعض المجلات قضية النوبة وأولت محطات التلفزيون المحلية اهتماماً كبيرا بقضية النوبة.
• لإعاشة أسرته قام انده بالعمل مصوراً فوتغرافياً متفرغاً. قام انده بتصميم موقع جبال النوبة في الإنترنت ولم يتمكن من زيارة جبال النوبة لعدة سنوات حتى أبريل 2006م عندما رجع للسودان لكتابة كتاب عن كفاح النوبة ضد الحكومة. جعلت اتفاقية السلام المبرمة في عام2004م السفر سهلاً للسودان حيث وجد معظم أصدقاءه أحياء وبحالة جيدة. قام انده بإجراء العديد من المقابلات وأخذ المزيد من الصور التى أصبحت لاحقاً الأساس لكتابه:" أنا فخور بكوني نوباوي" الذى تم نشره في يوليو 2007م.
• كان انده مهتماً بالتوترات التى صاحبت مشكلة أبيي فرجع إلى جبال النوبة في عام 2007م للتقصي عن مؤشرات الإلتزام بتنفيذ اتفاقية السلام الشامل. كان انده يكتب للصحيفة الهولندية اليومية "تراو" وتقارير عن العديد من المنظمات الطوعية العاملة في جبال النوبة. ومنذ ذلك الوقت ظل يتابع التطورات المأسوية في جنوب كردفان من على البعد.
• يعمل انده حالياً بصفته فنان وكاتب وأمين مكتبة.
يمكن الوصول إلى المؤلف على حسابه الإلكتروني:info@occassionalwitness.com.
** المترجم
• عمل مفتش تنمية وتخطيط اقتصادى بوازراة التخطيط القومي السودانية، ومترجم وإداري بمجموعة دله القابضة، واختصاصي استثمار بشركة البركة للاستثمار والتنمية، ومسئول أول صناديق استثمارية بشركة التوفيق للصناديق الاستثمارية المحدودة وشركة إتقان كابيتال السعودية.
• مترجم وصحفي غير متفرغ.
• حاصل على ماجستير إدارة الأعمال من جامعة الجزيرة وبكالوريوس الإقتصاد من جامعة الخرطوم.
ترجم العديد من الكتب التي تشمل:
1. "النوبيون العظماء" ، لدروسيلا دونجي هيوستن.
2. "العولمة والشراكة المفيدة والحكم الرشيد"، للدكتور مهاتير محمد.
3. "مهارات الإتصال"، لسام ديب وليلي سوزمان.
4. "إفساد أمريكا"، لكاثرين يوريكا.
بالإضافة إلى ترجمة مئات المستندات والمقالات والموضوعات في مجال الصناعة المالية والاستثمارية الإسلامية، وشئون الاقتصاد والسياسة في السودان، والإسلام والولايات المتحدة الأمريكية والشئون الدولية.
ألف كتاب "نماذج تطبيقية فى الترجمة".
يمكن الوصول إلى المترجم على حسابه الإلكتروني:g_ghanim@hotmail.com.
//////////////////

 

آراء