التجربة العلمانية في السودان تقرير المصير من الألف للياء مراحله وكوارثه على الدولة السودانوية الجزء الأول

 


 

 

لماذا استبق اتفاق حمدوك - الحلو المؤتمر التأسيسي لتقدم ؟
هل ستقبله القوى المدنية مضطرة ام سينفض سامرها على اثره ؟؟
ما هي العلاقة بين تقرير المصير سابقا وبين ما طرحه اتفاق حمدوك الحلو حاليا ؟
محمد حسن العمدة
٢٦ مايو ٢٠٢٤
مقدمة :
في العام ١٩٥٥ اندلعت حرب جنوب السودان لتستمر حتى ١٩٧٢ توقيع اتفاق الحكم الذاتي بين نظام ٢٥ مايو و وحركة أنانيا ( سم الافعى ) أنهى الحرب الاولى في جنوب السودان ونص على :
الحكم الذاتي لجنوب السودان
الاعتراف واحترام بالأديان جميعها بما في ذلك الاديان الأفريقية المحلية لجنوب السودان
الاعتراف بالخصائص الثقافية لجنوب السودان
دمج قوات انانيا في الجيش السوداني
بإعلان نظام ٢٥ مايو تقسيم اقليم جنوب السودان إلى ثلاثة اقاليم انهارت اتفاقية اديس ابابا ١٩٧٢ بتمرد كتيبة تتبع للجيش السوداني وتولى قياداتها لاحقا الدكتور جون قرنق مكونا الحركة الشعبية لتحرير السودان في يونيو ١٩٨٣ انانيا تو اتخذت الحركة منفستو خاص بها شكل رؤيتها الاشتراكية في اطار السودان الموحد عرفت بالسودان الجديد القائم علىالمواطنة التي تُساوي في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن العِرق أو الدين أو اللغة أو الثقافة .
في هذا الوقت كانت الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي و الغربي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية في اشدها واختارت الحركة الانضمام لما عرف بحلف عدن التحالف الاشتراكي بالإقليم الذي حاول السوفيت بمشاركة فيدل كاسترو اقامة تحالف يضمن المصالح السوفيتية الاشتراكية للسيطرة على القرن الأفريقي ضم التحالف كل من اثيوبيا منجستو هيلا ماريام و اليمن الجنوبي و ليبيا القذافي في مقابل سودان نميري و مصر السادات الموالي للمعسكر الغربي بقيادة الولايات الامريكية..
اندلعت انتفاضة أبريل ٨٥ ثورة الشعب السوداني ضد نظام ٢٥ مايو
إعلان كوكادام
في مارس ١٩٨٦ جرى توقيع اتفاق إعلان كوكادام بين رئيس حزب الامة القومي السيد الصادق المهدي و دكتور جون قرنق رئيس الحركة الشعبية نص على :
الغاء اتفاقية الدفاع المشترك بين السودان ومصر
الغاء ما عرف بقوانين سبتمبر ١٩٨٣
محاكمة اثار مايو ورموزها
لم يستمر الاتفاق وتبادل الطرفان حكومة السودان و الحركة الشعبية الاتهامات بخصوص انهياره
مبادرة السلام الميرغني - قرنق
في نوفمبر ١٩٨٨ جرى إعلان اتفاق بين مرشد الحزب الاتحادي الديمقراطي الشريك في الحكومة السودانية محمد عثمان الميرغني و الحركة الشعبية لتحرير السودان دكتور جون قرنق نص الإعلان على :
إعلاء مبادئ الوحدة ورابطة المواطنة
تجميد قوانين سبتمبر ١٩٨٣ المسماة إسلامية
عقد مؤتمر قومي دستوري في سبتمبر ١٩٨٩ يشارك فيه كل السودانيين
في أبريل ١٩٨٩ نظمت الحكومة السودانية ما عرف باجتماع القصر شمل كافة القوى السياسية والامنية ممثلة في القوات المسلحة اتفق الاجتماع على اعادة كافة الاتفاقيات الموقعة مع الحركة الشعبية و عقد مؤتمر قومي دستوري في سبتمبر ١٩٨٩ تشارك فيه الحركة الشعبية لتحرير السودان ، قطعت طريقه الجبهة الاسلامية القومية بانقلابها في ٣٠ يونيو اي مستبقة المؤتمر القومي الدستوري
انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩
بهذا الانقلاب تحولت الحرب بجنوب السودان من حرب سياسية الى حرب دينية قطعت كافة الجهود لإنهاء الحرب وتمددت لتصل اقليم دارفور تمرد يحى بولاد وانضمامه للحركة الشعبية واعلن نظام الجبهة الإسلامية الجهاد ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان ليزيد الحرب اشتعالا ويعقد امرها
ظهور مطلب حق تقرير المصير
مطلع التسعينات من القرن الماضي شهد عدة متغيرات اساسية أدت إلى احداث انقسام داخل الحركة الشعبية بانهيار نظام منجستو هيلا ماريام في مايو ١٩٩١ الذي كان يقدم الدعم للحركة الشعبية و ظهرت التيارات الانفصالية بقيادة كل من دكتور رياك مشار ولام أكول او ما عرف بمجموعة الناصر لاحقا اعلن الانقساميون تمردهم على الحركة الام في اغسطس ١٩٩١ واعلان رغبتهم في الانفصال عن السودان عبر تقرير المصير وكان هذا اول ظهور لمبدأ تقرير المصير في الأزمة السودانية كما قرر الانفصاليون عن عزل دكتور جون قرنق … تدخلت ايادي نظام الجبهة الاسلاموية و وجدت في الانقسام مرتعا خصيبا لها وقدمت الكثير من الدعم المالي و العسكري و اسست المليشيات المساعدة لها داخل المكونات الجنوبية حينها ..
في المقابل عقدت الحركة الشعبية بزعامة دكتور جون قرنق اجتماعا لمكتبها السياسي في سبتمبر ١٩٩١ قرر انه وفي ظل تحول الحرب إلى حرب دينية فان اي اتفاق سلام يجب ان يشمل :
وقف الحرب باعتماد نظام حكم ديمقراطي علماني
او نظام كونفيدرالي
او تجمع لدول ذات سيادة واحدة
او تقرير المصير
وبهذا اصبح تقرير المصير مطلبا جنوبيا متفق عليه ويدخل ادبيات الحرب لاول مرة في تاريخها منذ ١٩٥٥
اتفاق فرانكفورت يناير ١٩٩٢ :
واصل انقلاب الجبهة الاسلامية تدخلاتها بين الفرقاء الجنوبيين و عقد اول اجتماع في نيروبي اكتوبر ١٩٩١ مع الفصيل المنشق الانفصالي بقيادة دكتور لام أكول وقررا عقد اجتماع آخر موسع في دولة غربية اختيرت المانيا مقراً له و انعقد اتفاق فرانكفورت في يناير ١٩٩٢ بين انقلاب ٣٠ يونيو و مجموعة الناصر ونص على الاتي :
فترة انتقالية يتمتع جنوب السودان خلالها بنظام قانوني دستوري خاص
اجراء استفتاء عام في جنوب السودان بنهاية الفترة الانتقالية يقرر فيه الجنوبيون مصيرهم في الحكم
وبذلك اصبح تقرير المصير لجنوب السودان المتفق عليه بين حكومة السودان و الحركة الانفصالية جندا اساسياً في اي حوار لإنهاء الحرب لاول مرة في تاريخها
خاصة بعد ان تبنت مبادرة الايقاد في مايو ١٩٩٤ لتقرير المصير بموجب اتفاق الحكومة و التيار الانفصالي
مبادرة الايقاد مايو ١٩٩٤ :
حاول نظام الجبهة الاسلامية في الخرطوم التملص من تقرير المصير في مبادرة الايقاد المبادرة التي عقدت بعد نداء رئيس النظآم الجنرال عمر البشير لدول الايقاد وهي ( مبادرة مختصة بمحاربة الجفاف والتصحر بالإقليم ) !!! خاطبها مطالبا إياها بالتدخل بينه والحركة الشعبية فوجدت في اتفاق فرانكفورت مدخلا لها وحينما رفضها البشير ذكرته دول الايقاد باتفاقهم في فرانكفورت وحاصرته بين قبول العلمانية او تقرير المصير ليعود مرة اخرى ليوافق عليها بعد اتفاقه مع الحركات الانفصالية في الناصر ١٩٩٧
اتفاقية الخرطوم للسلام ١٩٩٧ او ما عرف السلام من الداخل :
وقعت حكومة الجبهة الإسلامية اتفاق السلام بينها وبين الحركات الانفصالية بقيادة كل من رياك مشار ولام اكول و كاربينو و روك طون أروك وفاولينو ماتيب وآخرين تطورت الاتفاقية لتصبح ضمن بنود ما عرف بدستور السودان ١٩٩٨ وبذلك ادخلت الجبهة الإسلامية حق تقرير المصير في الدساتير السودانية لاول مرة في تاريخ السودان
إذا ظهر حق تقرير المصير في المشكلة السودانية في ١٩٩١ بعد انقسام الحركة الشعبية و أقرته حكومة الجبهة الإسلامية باتفاق فرانكفورت في يناير ١٩٩٢ وبعدها انتقل الي الحركة الشعبية الام بقيادة جون قرنق الذي طالب به حلفائه في المعارضة السودانية .
الحركة الشعبية والأحزاب السياسية المعارضة :
بدأ اول اتصال بعد انقلاب الجبهة الإسلامية في يونيو ٨٩ بمبادرة من حزب الامة القومي بقيادة الصادق المهدي في يناير ١٩٩٠ نوقش فيه انضمام الحركة الشعبية لميثاق التجمع الوطني الديمقراطي المتفق عليه في اكتوبر ١٩٨٩ بين القوى السياسية والمدنية المعارضة للانقلاب مثل حزب الأمة مبارك الفاضل و عن الحركة الشعبية سلفاكير ميارديت اتفق الطرفان على اسقاط نظام الجبهة الإسلامية و استعادة النظام الديمقراطي و عقد المؤتمر القومي الدستوري الذي تم الاتفاق عليه في مبادرة الميرغني قرنق والذي كان مقررا له سبتمبر ١٩٨٩
والحق الاتفاق باتفاق آخر نص على وقف العدائيات بمناطق التماس بين القبائل و الحركة الشعبية لتحرير السودان .. باتفاق الحركة الشعبية و حزب الامة ممثلا للتجمع الوطني الديمقراطي انضمت الحركة الشعبية اليه تلقائيا بعد اجازة الانضمام في مؤتمرها سبتمبر ١٩٩١ المشار اليه في مقدمة المقال بتوريت
مؤتمر نيروبي ابريل ١٩٩٣ :
حضر المؤتمر ممثلون للحركة الشعبية وحزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي السودانيوالاتحاد السوداني للأحزاب الأفريقية والمؤتمر السوداني الأفريقي والقيادة الشرعية للقوات المسلحة
اعلن المؤتمر اتفاقه على تمسكه بالسودان الموحد و ادراج الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان في الدستور السوداني و بناء الدولة على اساس المواطنة دون اي تمييز بين المواطنين علي اساس الدين او العرق او اللغة او الثقافة واحترام جميع الاديان والتقاليد
الملاحظ ان مؤتمر نيروبي ١٩٩٣ لم يتحدث على الإطلاق عن علمانية الدولة و لا عن تقرير المصير إلا انه وجد طريقه إلى مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية منذ تحضير اجندته في ديسمبر ١٩٩٤ حيث وقعت الحركة الشعبية اتفاقيات مع الحزب الاتحادي الديمقراطي في القاهرة يوليو ١٩٩٤ و مع حزب الامة القومي ما عرف باتفاقية شقدوم ديسمبر ١٩٩٤ واجهت في الاتفاقيتين الحركة الشعبية الحزبين بمطالب الحركات الانفصالية و دخول حق تقرير المصير ضمن الصراع الجنوبي الجنوبي والجنوبي الشمالي و وجد طريقه إلى المبادرات الاقليمية فكان مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية يونيو ١٩٩٥ .
إعلان اسمرا للقضايا المصيرية ١٩٩٥ :
عقد التجمع الوطني الديمقراطي بكافة مكوناته مؤتمره التأسيسي في مدينة أسمرا الإريترية و صاغ قضاياه المصيرية و حلولها و وسائل تحقيقها وما يهمنا هنا هو ما يخص هوية الدولة و حق تقرير المصير حيث نص الاتفاق علي :
أن المعاهدات الدولية والاقليمية المعنيّة بحقوق الانسان سوف تكون جزءاً أساسياً من قوانين السودان، وأن أيقانونٍ يتعارض معها سيكون باطلاً وغير دستوري. كما اتفقوا أيضاً أن القوانين سوف تؤكد المساواة بين السودانيينعلى أساس المواطنة، واحترام المعتقدات الدينية والتقاليد بدون التمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة،وأن أي قانونٍ يتعارض مع هذه المبادئ سيكون باطلاً وغير دستوري
كما نص على عدم قيام اي حزب سياسي على اساس ديني حاسما جدلية الدولة العلمانية والدينية بدون اتخاذ اي مصطلحات فلسفية او خلافية وهنا كانت عبقرية مقررات اسمرا للقضايا المصيرية بخصوص علاقة الدين بالدولة
ايضا تناول المؤتمر مسالة حق تقرير المصير ونصت علي ان يكون تقرير المصير للاختيار بين خياري :
السودان الموحد فيدرالي / كونفيدرالي
او الاستقلال
كما اقرت بأن الاستفتاء يجب ان يكون في نهاية فترة انتقالية تعمل على بناء الثقة و اعادة بناء الدولة السودانية على الاسس المتفق عليها
خلاصة القول ان حق تقرير المصير لم يدخل اجندة الصراع السياسي السوداني إلا بعد انشقاق الحركة الشعبية لتحرير السودان و استغلال نظام عمر الضلالي لذلك الصراع وتدخله لتأجيجه ولو كان علي حساب وحدة السودان و استقراره فزج بحق تقرير المصير لزيادة الصدع بين الحركات الجنوبية و ليصبح واقعا بعد ذلك ادى لانفصال جنوب السودان و تشجيع الحركة الشعبية شمال جناح عبد العزيز الحلو على تبنيه مؤخرا مستغلا الحرب المفتعلة بين الاجهزة الامنية لنظام عمر الضلالي و تفرق القوى المدنية ولتضع اتفاقها مع حمدوك بصفته رئيسا لتنسيقية القوى الديمقراطية و المدنية امرا واقعا امام اجندة مؤتمرها التأسيسي ليعيد التاريخ نفسه في الممارسة السياسية و التحالفات المدنية ولا يجد المؤتمرون بدأ من قبوله او تفجر الخلافات بينهم وتفرق سامرهم
والسؤال الرئيسي هو هل كل ما يحدث في السودان محض صدفة ام له تدخلات خارجية اقوى من كل الاحزاب السياسية والمكونات المدنية الديموقراطية في السودان ؟
‫أُرسلت من الـ iPhone‬

mohdalumda@hotmail.com

 

آراء