باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 9 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
طلعت محمد الطيب
طلعت محمد الطيب عرض كل المقالات

التحول البنيوي للمجال العام وتجربة السودان

اخر تحديث: 9 سبتمبر, 2026 9:30 مساءً
شارك

في إحدى مقالاتي الأخيرة تحدثت عن بعض الأسئلة التي شغلتني منذ الصبا الباكر. ومن بينها تعليق سمعته ذات مرة من أحد الكبار يقول فيه إن «الأطباء والقضاة والمهنيين شيوعيون». لم أفهم وقتها تماماً ما الذي يعنيه هذا القول، لكنني فهمت لاحقاً أن وراءه تجربة تاريخية حقيقية، ارتبطت بالدور الكبير الذي لعبه الحزب الشيوعي السوداني في النقابات والاتحادات المهنية في خمسينات وستينات القرن الماضي.

وقد طلب مني أحد الأصدقاء الأعزاء توضيحاً أكثر، مشيراً إلى أن النقابات واحدة من أدوات الصراع الطبقي، وأنها تساعد على تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل الفوارق الطبقية.

أتفق مع هذا القول، ولكنني أعتقد أن العلاقة تحتاج إلى شيء من التفصيل.

فالنقابة بالفعل أداة مهمة للدفاع عن مصالح العاملين، وتحسين شروط العمل، وتقليل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية. ولكن تحقيق العدالة الاجتماعية يأتي في التحليل النهائي كنتيجة للدور الذي تقوم به النقابة في تمثيل مصالح أعضائها، وليس بالضرورة من خلال تحويلها إلى أداة مباشرة لتنفيذ برنامج حزب سياسي.

وهنا تحديداً تبدأ المشكلة التي أريد مناقشتها.

النقابة ليست مجرد أداة للصراع الطبقي

النقابة ليست مجرد مؤسسة للدفاع عن الأجر أو ساعات العمل أو شروط الخدمة. إنها، في المجتمعات الديمقراطية، واحدة من المؤسسات التي يتعلم فيها المواطنون ممارسة الحياة العامة.

فالعامل الذي يدخل اجتماع النقابة لا يدخل بصفته عاملاً فقط؛ بل يدخل باعتباره مواطناً يتعلم كيف يستمع إلى رأي مختلف، وكيف يدافع عن رأيه، وكيف يقبل قرار الأغلبية، وكيف يغير موقفه عندما يقتنع بحجة أقوى.

وهذه الوظيفة قد تكون أهم من الوظيفة النقابية المباشرة نفسها، لأنها تخلق ما يمكن أن نسميه البنية التحتية الاجتماعية للديمقراطية.

ومن هنا فإن استقلال النقابة عن الأحزاب ليس ترفاً تنظيمياً، وإنما شرط للحفاظ على وظيفتها داخل المجتمع.

وهذا لا يعني أن النقابي يجب أن يكون بعيداً عن السياسة. العكس هو الصحيح. النقابي مواطن وله الحق الكامل في أن يكون شيوعياً أو اتحادياً أو إسلامياً أو مستقلاً، وأن يدافع عن آرائه السياسية.

لكن هناك فرقاً جوهرياً بين أن يدخل الشخص إلى النقابة بآرائه السياسية، وبين أن يدخل إليها بقرار تنظيمي ملزم له مسبقاً.

في الحالة الأولى يدخل عضو النقابة حراً في الحوار.

أما في الحالة الثانية، فقد يدخل الحوار وهو يعرف مسبقاً النتيجة التي ينبغي أن يصل إليها.

وهذا الفرق يبدو صغيراً، لكنه في الحقيقة يمس جوهر الديمقراطية.

تجربة اتفاقية الجلاء

يمكن أن نرى هذه المشكلة بوضوح في تجربة موقف اتحاد عمال السودان من اتفاقية جلاء المستعمر التي وُقعت في القاهرة في فبراير 1953.

كان للحزب الشيوعي موقف معارض للاتفاقية، واستخدم نفوذه داخل الحركة النقابية في التعبير عن هذا الموقف. لكن رد الفعل الجماهيري كشف أن الموقف الذي يمكن أن يبدو منطقياً داخل تحليل حزبي لم يكن بالضرورة هو الموقف الذي يتبناه المجتمع أو حتى قطاعات واسعة من الطبقة العاملة.

اضطر الحزب في نهاية الأمر إلى مراجعة موقفه والاعتذار، مبرراً موقفه بأنه نظر إلى الاتفاقية من جانب واحد.

ما يهمني هنا ليس الحكم على موقف الحزب من الاتفاقية: هل كان صحيحاً أم خاطئاً؟

الأهم هو ما تكشفه الواقعة عن العلاقة بين الموقف الحزبي والموقف الذي يتكون داخل مؤسسة يفترض أنها مستقلة.

فمن حق الحزب الشيوعي أن يقول إن الاتفاقية سيئة، ومن حقه أن يدعو الجماهير إلى رفضها، ومن حقه أن يحاول إقناع النقابات بموقفه.

لكن النقابة لا تكون نقابة بالمعنى الديمقراطي إذا أصبح المطلوب منها أن تتبنى موقف الحزب لأن أعضاء الحزب الموجودين داخلها ملزمون تنظيمياً بالدفاع عنه.

هنا يتحول السؤال من:

ما الرأي الذي يمكن أن يقنع أعضاء النقابة؟

إلى:

كيف يمكن تمرير الرأي الذي اتخذته القيادة الحزبية؟

وهذا تحول جوهري.

أين تكمن المشكلة في المركزية الديمقراطية؟

اعتراضي، إذن، ليس على حق الحزب الشيوعي في طرح موقفه حول أي قضية مطروحة في المجال العام، فهذا حق لا يجوز مصادرته.

اعتراضي يتعلق بالبنية التنظيمية التي كانت تحكم الحزب، وبصفة خاصة مبدأ المركزية الديمقراطية في صورته اللينينية.

ففي هذا النموذج يمكن للعضو أن يناقش ويعترض داخل التنظيم، لكن بعد اتخاذ القرار يصبح ملزماً بالدفاع عن موقف الحزب في المجال العام.

قد يبدو هذا النظام ديمقراطياً في ظاهره، لأنه يسمح بالنقاش قبل اتخاذ القرار. لكن المشكلة تكمن في السؤال التالي:

أين تتكون الإرادة الجماعية فعلاً؟ ومن يملك المعلومات التي تسمح له بمعرفة اتجاهات الرأي داخل التنظيم؟

إذا كانت الوحدة التنظيمية تضم عدداً محدوداً من الأعضاء، وكان العضو لا يعرف بالضرورة آراء الوحدات الأخرى، فإن معرفته بالرأي العام داخل الحزب تظل محدودة.

وهكذا يصبح هناك فرق بين الديمقراطية التي يمارسها الأعضاء داخل دوائر صغيرة، وبين السلطة الفعلية التي تمتلكها القيادة في تجميع المعلومات، وتفسيرها، وتحديد الموقف النهائي.

وهذا يقود إلى مفارقة مهمة:

قد يكون العضو قد شارك في عملية ديمقراطية داخل وحدته، لكنه عندما يخرج إلى المجتمع لا يعود حراً في التعبير عن النتيجة التي وصل إليها هو شخصياً، وإنما يصبح ملزماً بالتعبير عن النتيجة التي قررتها القيادة.

وهنا تنتقل المشكلة من داخل الحزب إلى المجال العام.

من حرية الرأي إلى حرية الضمير

وهناك مستوى أعمق من المسألة يتعلق بحرية الضمير.

لنفترض أن عضواً شيوعياً شارك في نقاش داخلي، ولكنه خرج منه مقتنعاً بأن موقفه الشخصي مختلف عن موقف الحزب.

ماذا يفعل عندما يعود إلى النقابة؟

إذا كان واجبه التنظيمي يفرض عليه الدفاع عن موقف الحزب، فإن النقابة لن تسمع رأيه الحقيقي.

وهذا يعني أن عضواً موجوداً فعلياً داخل المؤسسة، لكنه غائب فكرياً عنها.

وهذه نقطة أراها شديدة الأهمية.

فالتعددية ليست مجرد وجود أشخاص ينتمون إلى أحزاب مختلفة داخل الغرفة نفسها. التعددية الحقيقية تعني أن هؤلاء الأشخاص قادرون على التعبير عن قناعاتهم الفعلية، حتى عندما تختلف عن مواقف أحزابهم.

وإلا فإننا نكون أمام تعددية شكلية: أشخاص متعددون في الظاهر، لكن بعضهم يتحدث باسم تنظيمات لا باسم قناعته التي تكونت من خلال الحوار داخل المؤسسة.

وهنا يدخل هابرماس

هذه النقطة هي التي جعلتني أفكر في كتاب يورغن هابرماس «التحول البنيوي للمجال العام»، الذي صدر بالألمانية عام 1962.

كان هابرماس يحاول أن يفهم كيف نشأ المجال العام الحديث في أوروبا، وكيف أصبح من الممكن أن يجتمع أشخاص من خارج الدولة وخارج السلطة الرسمية لمناقشة القضايا التي تهم المجتمع.

ظهر هذا المجال تاريخياً في أشكال متعددة، من المقاهي والصالونات والجمعيات والمنتديات والصحافة، حيث أصبح الأفراد يناقشون القضايا العامة باعتبارهم مواطنين، وليس باعتبارهم تابعين لسلطة أو طبقة أو مؤسسة بعينها. وفي هذا الفضاء يتكون ما يسمى بالرأي العام.

لكن الأهم في تصور هابرماس ليس المكان نفسه.

فالمقهى ليس مهماً لأنه مقهى، والصحيفة ليست مهمة لأنها صحيفة.

المهم هو نوع العلاقة التي تنشأ بين المشاركين في النقاش.

فالمجال العام، في صورته المثالية، هو المكان الذي يصبح فيه الرأي قابلاً للمناقشة، وتصبح الحجة أهم من مكانة صاحبها، ويستطيع الفرد أن يدخل النقاش من دون أن تكون النتيجة محسومة سلفاً.

بعبارة أخرى:

المجال العام ليس مجرد مكان نتحدث فيه عن السياسة؛ إنه آلية اجتماعية لإنتاج الرأي العام.

وهذه الفكرة، في تقديري، مهمة جداً لفهم تجربة السودان.

كيف يُنتج الرأي العام؟

إذا كان الرأي العام موجوداً قبل الحوار، ثم دخلنا إلى الحوار فقط لإقناع الآخرين به، فإننا لا نكون أمام عملية تداول ديمقراطي حقيقية.

أما إذا دخل كل طرف الحوار وهو مستعد لاحتمال أن يغير رأيه، فإن الرأي العام يتكون من خلال الحوار نفسه.

وهنا يمكن التمييز بين نوعين من الفعل السياسي:

الفعل الاستراتيجي: أعرف ما أريد مسبقاً، وأستخدم الحوار وسيلة لتحقيق النتيجة التي أريدها.

والفعل التواصلي: أدخل الحوار للوصول مع الآخرين إلى فهم أو موقف يمكن أن نقبله جميعاً، مع استعدادي لتعديل موقفي إذا أثبت النقاش أن حجتي أضعف.

وهذه النقلة مهمة في فكر هابرماس اللاحق حول الفعل التواصلي والعقلانية التواصلية؛ فالقوة في النقاش لا تأتي من سلطة المتحدث، وإنما من قدرة الحجة على الصمود أمام النقد.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تصبح الثقة عنصراً أساسياً في الحياة الديمقراطية.

فأنا لا أستطيع الدخول في حوار حقيقي مع شخص أعتقد أنه يعرف مسبقاً النتيجة التي يريد الوصول إليها، وأن مهمته في الاجتماع ليست اكتشاف الحقيقة أو المصلحة المشتركة، وإنما تنفيذ قرار اتُخذ في مكان آخر.

قد أستطيع أن أهزمه في التصويت، لكنني لن أكون قد بنيت معه ثقة.

وهذا فرق بالغ الأهمية بين الانتصار في التصويت وبين بناء مؤسسة ديمقراطية.

من هنا نفهم مشكلة النقابات السودانية

إذا أسقطنا هذه الفكرة على النقابات السودانية، يمكن أن نرى أن المشكلة لم تكن ببساطة أن «الشيوعيين كانوا موجودين في النقابات».

وجود الشيوعيين في النقابات كان أمراً طبيعياً، وربما كان وجودهم مهماً في الدفاع عن حقوق العمال والمهنيين.

المشكلة الأعمق هي أن التنظيم الحزبي عندما يدخل إلى مؤسسة من مؤسسات المجال العام بمنطق القرار المركزي، فإنه قد يحول المؤسسة تدريجياً من فضاء لإنتاج الرأي إلى فضاء لتنفيذ الإرادة.

وهذا ما يمكن أن نسميه استعمار المؤسسة من الداخل.

فالحزب لا يحتاج إلى السيطرة الرسمية على النقابة حتى يغير طبيعتها. يكفي أن يصبح أعضاؤه داخلها ملتزمين مسبقاً بموقف تنظيمي، وأن يتحول الاجتماع من مكان لتكوين القرار إلى مكان لتسويقه.

وهنا تصبح النقابة أضعف حتى لو كان القرار الذي تتخذه صحيحاً.

لأن القضية ليست فقط في صحة القرار، وإنما في كيفية إنتاجه.

وهذا تمييز مهم جداً.

فيمكن لمؤسسة غير ديمقراطية أن تتخذ قراراً صحيحاً، ويمكن لمؤسسة ديمقراطية أن تتخذ قراراً خاطئاً.

لكن الفرق أن المؤسسة الديمقراطية تمتلك آلية تسمح لها بتصحيح الخطأ.

أما المؤسسة التي اعتادت على إنتاج القرار من خلال الولاء التنظيمي، فإنها قد تتمسك بالخطأ لأن الاعتراف به يصبح هزيمة للقيادة وليس مجرد تصحيح لمسار.

المجال العام والدولة الشمولية

وهنا نصل إلى علاقة أوسع بين هذه المسألة وتجربة السودان السياسية.

لقد عانى السودان من الانقلابات العسكرية والأنظمة الشمولية، لكن مشكلة الديمقراطية السودانية لم تبدأ مع العسكر.

فالديمقراطية لا تنهار فقط عندما يأتي انقلاب عسكري.

يمكن أن تبدأ في التآكل قبل ذلك، عندما تفقد المؤسسات المدنية قدرتها على إنتاج قراراتها بصورة مستقلة، وعندما تتحول الأحزاب إلى تنظيمات مغلقة، وعندما تصبح النقابات ساحات للصراع بين التنظيمات بدلاً من أن تكون ساحات للحوار بين المواطنين.

الدولة الشمولية هي الشكل الأكثر وضوحاً لتدمير المجال العام، لأنها تحتكر وسائل الإعلام والتنظيم والقوة.

لكن هناك شكلاً أكثر نعومة يمكن أن يحدث داخل المجتمع نفسه: أن تستولي التنظيمات السياسية على المؤسسات الوسيطة التي يفترض أن تصل المجتمع بالدولة دون أن تكون جزءاً من الدولة.

وهذه المؤسسات تشمل النقابات، والاتحادات، والجمعيات المهنية، ومنظمات المجتمع المدني، والصحافة، والجامعات وغيرها.

عندما يحدث ذلك، لا يعود المجتمع يمتلك مجالاً عاماً مستقلاً يستطيع من خلاله أن يناقش السلطة والأحزاب معاً.

بل يصبح المجال العام نفسه ساحة صراع بين مراكز قوى مغلقة.

وهنا تكمن أهمية التجربة السودانية

ربما نحتاج اليوم إلى إعادة النظر في مفهومنا للديمقراطية.

فالديمقراطية ليست فقط:

انتخابات + برلمان + حكومة مدنية.

هذه هي مؤسسات النظام الديمقراطي، لكنها ليست الديمقراطية كلها.

الديمقراطية تحتاج إلى مجتمع يستطيع أفراده أن يتحدثوا مع بعضهم بعضاً دون خوف، وأن يختلفوا دون أن يتحول الاختلاف إلى تخوين، وأن يغيروا آراءهم دون أن يشعروا بأنهم خانوا جماعتهم.

ولهذا فإن حرية الضمير داخل المؤسسات ليست قضية فلسفية مجردة.

إنها شرط لبقاء المجال العام حياً.

فالعضو النقابي الذي يستطيع أن يقول: «أنا عضو في الحزب الفلاني، لكنني في هذه المسألة أختلف مع حزبي» يضيف شيئاً ثميناً إلى المؤسسة.

أما العضو الذي يقول: «أنا أختلف داخلياً، لكنني ملزم خارجياً بأن أقول ما تقوله القيادة»، فإنه، من حيث لا يريد، يقلل من ثراء المجال العام.

من الصراع الطبقي إلى الصراع على المجال العام

وهنا أعود إلى صديقي الذي بدأ معي هذا النقاش.

أتفق معه أن النقابات جزء من الصراع من أجل العدالة الاجتماعية، وأنها تستطيع أن تقلل الفوارق الطبقية.

لكنني أضيف أن هناك صراعاً آخر لا يقل أهمية:

الصراع على طبيعة المجال العام نفسه.

هل نريد مجتمعاً تتكون فيه المواقف من خلال الحوار بين المواطنين؟

أم مجتمعاً تتنافس فيه تنظيمات مغلقة على السيطرة على المؤسسات التي يتكون داخلها الرأي العام؟

هذه، في تقديري، مسألة أعمق من الخلاف حول كون النقابات «شيوعية» أو «غير شيوعية».

فالنقابة يمكن أن تكون ذات توجه يساري، ويمكن أن تدافع عن مصالح العمال، ويمكن أن تتخذ مواقف سياسية قوية، دون أن تفقد استقلالها.

لكنها تفقد استقلالها عندما يصبح ولاء العضو لتنظيمه مقدماً على مسؤوليته تجاه المؤسسة التي يمثلها.

وهنا لا تكون المشكلة في الشيوعية وحدها.

فالقاعدة نفسها تنطبق على الإسلاميين، والبعثيين، والقوميين، والليبراليين، وأي تنظيم سياسي آخر.

المشكلة ليست في أيديولوجية الحزب، وإنما في العلاقة بين التنظيم المغلق والمجال العام المفتوح.

من هابرماس إلى السودان

وهذا يقودنا، في تقديري، إلى واحدة من أهم الدروس التي يمكن أن نستخلصها من تجربة السودان.

لقد ركزنا طويلاً على السؤال:

من يحكم السودان؟

وربما ينبغي أن نضيف إليه سؤالاً أكثر عمقاً:

كيف يتكون الرأي الذي يحدد من يحكم السودان؟

فإذا كان المواطن لا يتعلم الحوار داخل نقابته، ولا داخل اتحاده المهني، ولا داخل حزبه، ولا داخل الجامعة، ولا داخل المجتمع المدني، فكيف نتوقع منه أن يمارس الديمقراطية بصورة مختلفة عندما يصل إلى صندوق الاقتراع؟

الديمقراطية ليست سلوكاً نتعلمه يوم الانتخابات.

إنها عادة اجتماعية.

نتعلمها عندما نستمع إلى المختلف.

ونتعلمها عندما نقبل أن تكون حجتنا قابلة للنقد.

ونتعلمها عندما نقبل الهزيمة في التصويت دون أن نعتبرها خيانة.

ونتعلمها، قبل كل شيء، عندما ندخل الاجتماع ونحن لا نعرف بالضرورة كيف سنخرج منه.

لأننا إذا كنا نعرف النتيجة قبل أن يبدأ الحوار، فإن ما يحدث ليس حواراً وإنما تنفيذ لإرادة سابقة.

وهنا ربما تكمن إحدى أهم الإضافات التي يقدمها مفهوم المجال العام لفهم التجربة السودانية:

إن بناء الديمقراطية لا يبدأ بالاستيلاء على الدولة ثم محاولة إصلاح المجتمع؛ بل يبدأ ببناء المساحات الاجتماعية التي يستطيع فيها الناس أن يتعلموا كيف يحكمون أنفسهم.

النقابات واحدة من هذه المساحات.

والأحزاب واحدة منها.

والصحافة واحدة منها.

والجامعات واحدة منها.

والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني واحدة منها.

وكلما ازدادت هذه المساحات استقلالاً وتعددية، أصبح المجتمع أكثر قدرة على مقاومة الاستبداد، سواء جاء من الدولة أو من حزب أو من جماعة أو من مؤسسة عسكرية.

أما إذا تحولت هذه المساحات إلى مجرد امتدادات لتنظيمات مغلقة، فإن المجال العام يبدأ في الانكماش، حتى لو ظل شكل المؤسسات الديمقراطية قائماً.

وهنا أعتقد أن السؤال الذي بدأ معي منذ الصبا، عندما سمعت لأول مرة أن «الأطباء والقضاة والمهنيين شيوعيون»، لم يكن في الحقيقة سؤالاً عن الشيوعية وحدها.

كان سؤالاً عن شيء أعمق:

كيف يمكن لمؤسسة يفترض أنها ملك لأعضائها أن تحافظ على استقلالها عندما يدخل إليها تنظيم سياسي له مشروعه الخاص؟

وربما كان هذا هو السؤال الذي لم أكن أملك أدواته الفكرية آنذاك.

أما اليوم، وبعد قراءة هابرماس، فيمكن صياغته بصورة مختلفة:

كيف نحافظ على المجال العام باعتباره مساحة حرة لتكوين الرأي، عندما تحاول التنظيمات السياسية تحويله من فضاء للتواصل إلى أداة للفعل الاستراتيجي؟

وهذا السؤال، في تقديري، لا يخص الماضي السوداني وحده.

إنه أحد الأسئلة الأساسية التي ينبغي أن نطرحها ونحن نحاول التفكير في مستقبل الديمقراطية السودانية.

طلعت محمد الطيب

talaat1706@gmail.com

Author
طلعت محمد الطيب

طلعت محمد الطيب

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
إعادة ضبط
منبر الرأي
ما وراء زلزال السلاح الكيميائي.. مَن أخرج الأسرار إلى العلن ولماذا الآن؟
منشورات غير مصنفة
إسدال الستار على جريمة العصر !! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله
منبر الرأي
الواجب الذي لا يقبل التأجيل
منبر الرأي
عندما يتحوّل “الذكاء الاصطناعي” إلى شريك في الوهم

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

احداث ابيي وخطر تجدد الحرب .. بقلم: تاج السر عثمان

تاج السر عثمان بابو
منبر الرأي

طموحات الثورة السودانية ومأزق هرم ماسلو .. بقلم: فضل محي الدين الطاهر

طارق الجزولي
منبر الرأي

يا كتابة هل من عودة هل .. بقلم: عثمان يوسف خليل

طارق الجزولي
منبر الرأي

مصالحة التاريخ السوداني مع تاريخ الفكر ومصالحة الدكتور عبد الله الطيب مع إليوت .. بقلم: طاهر عمر

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss