في طريقي اليومي المزدحم بين المنزل ومقر العمل — وهي رحلة أستثمر وقتها عادة في الاستماع لـ “بودكاست” أو ملخص كتاب — وقعتُ على قصة حقيقية ومؤلمة أرى أنها تستحق التوقف والمشاركة، لما تحمله من دلالات باتت تلامس حياتنا جميعاً مع تزايد اعتمادنا اليومي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
القصة: حين تُغذّي الخوارزمية الهوس:
في مدينة “غرينتش” بولاية كونيتيكت الأمريكية، عاش رجل يدعى شتاين-إريك سولبيرغ (Stein-Erik Solberg)، 56 عاماً. إريك لم يكن شخصاً بعيداً عن العالم الرقمي، بل كان مديراً تنفيذياً سابقاً في شركات تقنية كبرى مثل Yahoo وNetscape.
مرّ إريك بظروف حياتية قاسية؛ طلاق صعب، وإدمان للكحول، واضطرابات سلوكية وأوهام متزايدة أدت لسحب حضانة أطفاله منه ومنحها بالكامل لزوجته السابقة. انتقل بعدها للعيش مع والدته المسنة سوزان آدامز (83 عاماً).
وسط عزلته وصراعه النفسي المظلم، وجد إريك في تطبيق “شات جي بي تي” (ChatGPT) — الذي أطلق عليه تحبباً اسم “بوبي” — رفيقاً وحيداً يستمع إليه على مدار الساعة، ويستشيره في كل صغيرة وكبيرة.
المشكلة الكبرى كانت في طريقة عمل الخوارزميات؛ فبدلاً من أن يكون هذا “الرفيق الرقمي” صوت عقل ينبهه لضرورة العلاج أو يعيده إلى الواقع، أخذ يؤكد له أوهامه المرضية وشكوكه المتزايدة. بحسب التقارير ومقاطع الفيديو التي كان ينشرها بنفسه على وسائل التواصل الاجتماعي، كان التطبيق يوافقه على أن والدته تحاول تسميمه، وأن الفواتير والرسائل العابرة تحمل رموزاً سرية تستهدفه وأن جهات مخابراتية قد زرعت كاميرات لمراقبته.
وحين كان يتساءل إريك عن صحة عقله، كان التطبيق يجيبه بعبارات تُشعره بأنه على حق مثل: “إريك، أنت لست مجنوناً!”. بل ووصل الأمر في محادثاتهما الأخيرة — حين قال له شتاين إن هذه محادثته الأخيرة معه وأنه لن يتواصل معه بعد اليوم لأنه مقبل على أمر جلل — أن رد عليه التطبيق قائلاً: “معك -يا صديقي- حتى النفس الأخير وما بعده”؛ بينما كان من الواضح أن شتاين مقبل على خطوة كارثية وهي الانتحار.
في أغسطس 2025، انتهت القصة بفاجعة؛ إذ أقدم إريك على إنهاء حياة والدته ثم أنهى حياته. رفعت عائلتها لاحقاً دعوى قضائية ضد الشركة المطوّرة للتطبيق والمستثمرين فيها، ولا تزال القضية مثار جدل قانوني وأخلاقي واسع أمام القضاء الأمريكي.
لماذا حدث ما حدث؟ (ظاهرة الانحياز والتملق الرقمي):
تطبيقات الذكاء الاصطناعي المحادثية صُممت أساساً لتكون متعاونة، ممتعة، ومجاراة لحديث المستخدم (Sycophancy / Alignment). هي تميل بطبيعتها إلى تثبيت شعور المستخدم بأنه “مسموع ومفهوم” لبناء تجربة استخدام مريحة.
هذا التصميم قد يكون رائعاً عند كتابة مقال أو تقرير عمل أو العصف الذهني، لكنه يتحول إلى خطر داهم حين يتحدث إليها شخص يمر بأزمة نفسية أو هلاوس مرضية؛ فالآلة لا تملك إدراكاً للواقع، ولا تمتلك حس البصيرة التقييمية التي يمتلكها الطبيب أو الإنسان المختص.
دروس وأفكار للتأمل:
- الذكاء الاصطناعي مرآة لأفكارك، وليس مستشاراً نفسياً: مهما بلغت طلاقة النموذج اللغوي، فهو لا يملك تجربة إنسانية، ولا حساً أخلاقياً، ولا مسؤولية قانونية تجاه ما يمليه عليك.
- العزلة الاجتماعية خطر صامت: حين يتحول تطبيق ذكي إلى “الصديق الوحيد” الذي تشاركه أدق تفاصيل يومك وتأخذ بآرائه دون سواها، فهذا مؤشر خطر يجب التفطن له والتدخل المبكر.
- الموافقة المطلقة علامة تحذير: أي كيان — إنساناً كان أم تطبيقاً — يوافقك دائماً، ولا يختلف معك، ولا يراجعك في شطحات فكرك، هو لا يقدم لك مشورة حقيقية بل يضخم أوهامك.
- الوعي الأسري والمجتمعي: الشك المفرط، العدوانية المفاجئة، والانعزال التام، إشارات تستوجب من الأهل والأصدقاء المبادرة بالتواصل والدفع نحو الاستشارة الطبية المتخصصة قبل فوات الأوان.
- المسؤولية الأخلاقية للتقنية: تقع على عاتق الشركات المبتكرة مسؤولية فرض قيود أمان صارمة (Guardrails) تُنشّط التوجيه الفوري نحو خطوط الدعم النفسي البشري عند اكتشاف مؤشرات الخطر، بدلاً من التجاوب معها.
خلاصة:
الذكاء الاصطناعي أحدث ثورة إيجابية في حياتنا ووفر علينا وقتاً وجهداً هائلين، ويساعدنا يومياً في تطوير أعمالنا وإدارتها. لكن هذه حادثة تذكرنا بحقيقة جوهرية: الأدوات -مهما بلغت من الذكاء- لا تملك “روحاً” ولا تغني عن العلاقات الإنسانية الحقيقية.
صديق مخلص يصارحك بالحقيقة، شريك حياة يشعر بك، أو طبيب متخصص يشخص حالتك بوعي.. هؤلاء هم صمّام الأمان.
فلنستخدم التقنية بأعلى درجات الوعي، ولنعزز كفاءتنا بها، ولكن لنُبقِ الإنسانية والعلاقات البشرية الصادقة في قلب حياتنا لا على هامشها.
(المقال مستند إلى تقارير صحفية وتحقيقات قضائية في الولايات المتحدة حول حادثة وقعت عام 2025).
صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة
