التسوية المحرمة (عن مخاطر انفلات الطوق لبلد يغرق)!!

 


 

عبدالله مكاوي
25 نوفمبر, 2022

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تمر الدولة السودانية بمحنة تهدد وجودها، بعد ان تكالب عليها المجرمون والفاسدون، وتراكُم الفشل والاخطاء، وغياب الرؤية تجاه المستقبل، لتصبح الدولة عالقة بين صعوبة الحلول واستحالتها.

والحال كذلك، آخر ما تحتاجه البلاد هو حالة الاستقطاب الحادة التي تحكم المشهد، وتجعل الثقة بين الفرقاء تلامس حافة العدم، رغم انها المدخل الآمن للخروج من النفق المظلم.

ومؤكد ان انقلاب البرهان/حميدتي الكارثي، كرس لحالة الاستقطاب وعمقها، إلا ان المعضلة تكمن في انهما يتحكمان في المشهد من موقع التاثير الحاسم. وهذه المعضلة التي تحاكي العقدة في المنشار، القت بظلالها علي المبادرات المطروحة لحل المشكلة السودانية. لتسمها بالتشكيك وافتراض المؤامرات في كل من يسعي لطرح حلول غير صفرية. لتصبح كلمة تسوية شبهة يستحسن تحاشيها ايثارا للسلامة! رغم ان الوضع الراهن بتعقيده وضبابيته وسيولته ومخاطره، لا تصلح له إلا التسوية، التي تهدهد المخاوف وتحفظ المصالح في حدها الادني لكافة الفرقاء. وإلا اشتغلت طاحونة الحلول الصفرية، لتطحن اي امل في الخروج الآمن من هذه المتاهة. ويكفي عام من المرواحة بين حالات الفشل والعجز والمعاناة والموت، لعودة الوعي وقبله المسؤولية الوطنية.

المهم، بعد ان جذَّر الانقلاب وضعية الاستقطاب، وازاح عبئه الاكبر الي داخل المكون المدني المناوئ للانقلاب. جعل ذلك طرح اي حلول واقعية بمثابة استسلام للعسكر وتنكر لشعارات الثورة ومتاجرة بدماء الشهداء! ليفضي ذلك الي افراز جبهتين، بينهما ما صنع الحداد!

جبهة الحرية والتغيير الاصل، التي تجهد لرد الصراع الي حقله السياسي، مستخدمة في ذلك الادوات السياسية الداخلية والخارجية في حدود ما هو متاح. بمعني تصور الحرية والتغيير للمشكلة، مبني علي ان الصراع هو بين الانقلابيين والمدنيين، ومن ثمَّ يتمثل الحل في انهاء الانقلاب وعودة المسار الانتقالي كمرحلة اولي، ومن بعدها مواصلة الصراع للعمل علي ترسيخ الحياة الديمقراطية والدولة المدنية. اي انتهاء صراع السلطة ينتهي باقتناع وخضوع العسكر للسلطة المدنية، وفك ارتباطهم بالسلطة والسياسة والاقتصاد، والتزامهم دورهم المنصوص عليه دستوريا، بحماية البلاد من الاخطار الخارجية والانقلابات الداخلية. وهو بطبعه مشوار طويل وشاق وملئ بالالغام، ويخضع لاختلال توازن القوي لصالح العسكر وحلفاءهم آنيا. ومن هنا اهمية المدخل السياسي لتغيير موازين القوي سلميا. اي حسم الصراع يصبح بالنقاط وعلي المدي الطويل، وذلك لانه من جهة، لاستحالة تخلي المكون العسكري عن السلطة بسبب تماهي مصالحه ومخاوفه معها. ومن جهة، لصعوبة حسم الصراع ضد المكون العسكري وهو يسيطر علي الدولة فعليا. ومن جهة، للمحافظة علي بقاء الدولة الهشة، حتي يكون هنالك ما يتصارع عليه. ومن جهة، لان طبيعة القضايا شائكة ومعقدة وتحتاج لفترات طويلة لحلها (مشاكل دستورية وشرعية واقتصادية واجتماعية وامنية/دعم سريع وادلجة مؤسسة عسكرية وحركات مسلحة انتهازية...الخ). باختصار اعادة تاسيس وبناء دولة منهارة يتطلب الاستقرار (كسر حدة الاستقطاب).

والخلاصة، الحرية والتغيير هي الاكثر براغماتية، وتاليا هي الاقدر علي مخاطبة تعقيدات الواقع الراهن بما يلائمه. ولكن ما يعيب الحرية والتغيير عدم توسيعها دائرة النقاش والتفاوض والاستعانة بالخبراء في مجال القانون والدستور والسياسة...الخ من مختلف المشارب، وكذلك الاستئناس بآراء ونصائح من لهم المعرفة بتجارب الانتقال في دول اخري. كما ان نهج التفاوض يتطلب الشفافية إلا في حدود ضيقة من الكتمان تفرضها حالة الاستقطاب الحادة. والاهم الاستفادة من اخطاء الفترة السابقة، التي تحولت فيها قوي الحرية والتغيير الي وصي بدل التفويض المحدود الممنوح لها. وهو ما يستوجب التزام قاطع منها، بانتهاء دورها بالوصول الي اتفاق مع العسكر (اذا قيض له ان يتم!)، علي ان تتحول المسؤولية لكافة مكونات الشعب. كما يجب ان تتميز فترة الانتقال بمهام محددة في فترة محددة، وعلي راسها تفكيك التمكين، وتاسيس الارضية لبناء الدولة المدنية والعملية الديمقراطية. علي ان تؤجل كافة القضايا بما فيها العدالة الي ما بعد الفترة الانتقالية. وهو ما يستدعي بدوره نشاط محموم للتعريف بالفترة الانتقالية ومهامها، حتي لا نثقل عليها بالتفاصيل والمطالب، مما يعجل باجهاضها، ومن ثمَّ اعادة الدوران في الحلقة المفرغة.

اما النقطة المركزية فهي عدم الركون للعسكر او الثقة فيهم، وهو ما يتطلب بدوره انجاز اتفاق تتوفر له اسباب الحماية الداخلية قبل الضمانات الخارجية. وهنا يقع العبء علي قوي الحرية والتغيير لاقناع اكبر قطاع من الجماهير علي قبول الاتفاق والدفاع عنه. وهذا ما لن يتم إلا بتحقق شرطين في الحرية والتغيير، الجدية والمصداقية.

وجبهة اخري، لها تصور ان جذور الازمة ترجع لاستغلال وسيطرة نخبة علي مقدرات البلاد منذ الاستقلال، ومن غير ازاحة هذه النخبة من سدة السلطة، والحلول محلها، لصالح خدمة الجماهير، لن ينصلح حال البلاد.

وهذا التصور ليس بالتفصيل البسيط، لانه انتج ايديولوجية او نظرية عمل متكاملة وجاهزة لحل المعضلة السودانية جذريا. وبتعبير آخر، اذا كانت قوي الحرية والتغيير تري ان المعالجة لا تتم إلا بالاشتباك مع الواقع، والعمل من خلاله لاحداث التغيير المنشود، وبكل ما يستصحب ذلك من اخطاء وفشل ومحاولات مستمرة لادراك النجاح. نجد ان الجذريين يملكون مشروعا ناجزا لا يطاله التقصير، كما انه عابر للزمان والمكان، وغير معترف بالواقع وتحدياته وتوازن القوي الذي يحكمه. أي الواقع لا يحكم النظرية، بقدر ما النظرية قادرة علي قسر الواقع ليتماشي مع تفسيراتها ورغباتها! والحال كذلك، المشكلة ليست في الواقع بمعضلاته الراهنة التي تهدد بقاء الدولة وفناء المجتمع وتتحكم في آفاق المستقبل! ولكن في القدرة علي تصميم نظرية جيدة، ومن ثمَّ الايمان بها كعقيدة مقدسة. لذلك ليس بمستغرب استدعاء ادبيات منذ الستينات لمعالجة قضايا الراهن، مثل العصيان المدني والاضراب السياسي وانحياز الجيش، دون وضع اعتبار لكل التبدلات التي ضربت الدولة السودانية كمخدم رئيسي، وخلخلت الخدمة المدنية، وجعلت النقابات كالعصف الماكول، والمؤسسة العسكرية كحارس للنهب ومشارك فيه! وهذا ناهيك عن الفارق المهول بين قضايا السابق التي تعلقت بالحكم (انقلاب عبود ونميري)، وقضايا الراهن التي تتعلق بالدولة (طالها دمار شامل). والاهم كفاءة السياسين ونوعية الانقلابيين السابقين، وكفاءة السياسيين ونوعية الانقلابيين الحاليين، وبمن فيهم قيادات التغيير الجذري! ولكل ذلك اين يكمن عطب المشروع الجذري؟

اولا، كون البرنامج جاهز ومكتمل فهذا يعني سلفا استنفاذه لكافة الاحتمالات. وهو ما يعني بدوره قلة المرونة في التصدي لاي تحديات مستجدة او تصورات خاطئة مسبقة. وهذا غالبا يجد حله في حالة المعارضة بالمزايدة ورفع اللافتات الثورية والقيم التطهرية، اما في حالة الاستيلاء علي السلطة فيتم عبر الانكار والتجاهل! ومن ثمَّ الاصرار علي تطبيق البرنامج المعد سلفا باستخدام كافة الوسائل! وهذا ما يسمي حرفيا الاستبداد، بكل حمولاته الاستعلائية واستخدام كافة ادواته الكريهة! ولا عزاء والحالة هذه، لسمو الشعارات او انات المواطنين من عنف الجلادين.

ثانيا، المشروع الجذري سدته ومنتهاه السلطة، اي هو في اصله مشروع سلطوي، لان السلطة هي الوسيلة الوحيدة لتطبيق البرنامج الجاهز! واذا صدف وسعي للتوعية غالبا ما تؤول الي تعبئة للتبشير بالمشروع.

ثالثا، البرنامج الجاهز والرؤية الشاملة، تجعل من الصعوبة بمكان النزول لدواعي التفاوض او الحوار او التسوية، من اجل الوصول لحلول وسط بين الفرقاء. وهو ما يبرر القول ان هنالك علاقة ارتباط بين المشاريع الجذرية وتغذية حالة الاستقطاب. وتاليا تعذر الحصول علي الاستقرار المساعد علي البناء والانجاز.

رابعا، استسهال القضايا والتعقيدات لا لشئ إلا لان اثارتها بجدية، تتعارض مع مسلمات المشروع الجذري، ومن ثمَّ قد تنسفه من جذوره. فمثلا ما مصير الدعم السريع، فهل جملة انشائية من شاكلة يجب دمجه في الجيش تنهي المشكلة؟ مع العلم ان هذه القوات اصبحت تتعامل كتف بكتف مع القوات المسلحة! وعليه اي تعامل غير حكيم معها، ممكن ان يقود الي صدام مسلح يقذف بالبلاد الي فتنة اشبه بجهنم.

وذات الامر ينسحب علي القوات المسلحة بعد ان صارت الي ادلجة تخدم كبار الجنرالات ومنظومة الاسلامويين، وهذه معضلة اخري حول كيفية تحويلها الي مؤسسة احترافية؟ خصوصا ان الموضوع يتعدي اعادة الهيكلة الذي يشبه سطحية العسكريين، الي اجراء حفريات معرفية لاستكناه حقيقة هذه المؤسسة، لان الالتباس الذي يحيط بهذه المؤسسة ودورها ومسيرتها وتاثيرها علي البلاد، لعب الدور الاساس في الخسف بها اسفل سافلين.

هذا ما يخص القوات المسلحة والدعم السريع ويضاف لها الحركات المسلحة وكلها طامعة في السلطة واحتكار الامتيازات. فعندما يضاف لها مشاكل اقتصادية وقبلية ونفوذ ادارات اهلية وصوفية وتركة كيزانية كارثية وغيرها وغيرها، نكتشف نحن امام سلسلة لا تنتهي من المشاكل، وليس امام دولة بحال من الاحوال. فكيف متاعب بهذا الحجم يمكن التغلب عليها بالشعارات والمطالب القصوي والحلول الجذرية الشبيهة بالحلول السحرية؟!

وبما ان قضية العدالة من الحساسية بمكان، إلا ان ذلك لا يمنع اندراجها في ذات الاطار. اي صعوبة ان لم يكن استحالة تحقيق العدالة للشهداء والجرحي والضحايا، طالما ظل توازن القوي مختل. لانه ليس هنالك امكانية لتحقيق عدالة دون امتلاك قوة لتفرضها. والجميع يعلم ان المسؤول الاول عن كل جرائم الثورة وبما فيها جريمة فض الاعتصام البشعة، هو المكون العسكري وعلي راسه البرهان وحميدتي. فكيف يمكن ان تطال العدالة من يتحكم ليس باجهزة العدالة ولكنه للمفارقة يضطلع بحماية الدول؟ خاصة وان الدولة الآن تحت رحمتهم، في ظل تركيز القوة لدي مليشيات قبلية ومؤسسة مؤدلجة تدين بالطاعة العمياء لقائدها؟!

والحال ان الدولة السودانية لازمتها امراض (كشلل الاطفال) منذ نشأتها، ومع مرور الايام زادت امراض الجهل بادارتها والافتقار للكفاءة التي تسم رجال الدولة، وتحولت السلطة الي لعبة دافوري كما في كرة القدم! اي صراع لا يقوم علي اسس او برامج او رؤية او وضع خطوط حمراء تحافظ علي استقلال الدولة. ويبدو ان ميلاد الاستقلال تزامن مع احتلال الدولة من قبل السلطة! وهي في الغالب الاعم كانت سلطة انقلابية غادرة، واقرب لحالة الانتقام من الشعب واستحلال لموارد الدولة. فكيف مسيرة تاريخية بهذا السوء والفشل، يستوعبها منظور واحد لمعالجتها وارجاعها الي جادة الطريق؟!

وعموما وبما ان عملية التغيير معقدة ويستلزمها زمن طويل وبذل جهود مخلصة وحثيثة وتضافر عوامل عدة، اضافة الي جرعة حظ سعيدة تبعد عنها عبث الاقدار. فان آخر ما تحتاجه هو المشاريع الجذرية، كنزعة تطرف، تحركها مشاعر الغضب والخذلان واحلام الصحيان. واذا صدف ووصلت للسلطة بطريقة ما، وفي اوضاع معقدة كاوضاعنا. فالمؤكد هو خسرانها كل شعاراتها ودعاويها بعد الوصول الي محطة الفشل بسرعة البرق! والاسوأ تحملها تركة فشل الانقاذ، وهي تركة تنوء بحملها السموات والارض، ورغم ذلك هي تسعي للحصول علي السلطة منفردة؟! اي هي مشاريع في السلطة فاشلة وفي المعارضة مزعجة.

وبصراحة مشروع التغيير الجذري بطبعه معزول، لضيق قاعدة انصاره، بسبب اتساع دائرة شكوكه في الآخرين وتمركز القرار لدي قلة اكثر موثوقية، ولذلك تاثيره محدود ولا يشكل هاجس كبير، غير نه يمثل جزء من حالة الفشل الملازم للدولة. أي هو احد العقبات التي تحتاج للتغيير، ناهيك ان يضطلع بمسؤولية التغيير! ولكن الخطر ان يصبح هذا النهج المأزوم هو الارضية التي تتاسس عليها مواثيق لجان المقاومة وتحكم طريقة تعاملها مع مرحلة انتقالية بالغة الحساسية.

واسوأ ما يمكن ان تكتسبه لجان المقاومة من الجذريين، هو التصور الشمولي للحل، والايمان به كعقيدة لا ياتيها الباطل (ولا تغشاها الهزيمة)! وما يترتب علي ذلك من عدم افساح المجال امام التباين والاختلاف داخلها، وكان مكوناتها وافرادها نسخة واحدة، ومن ثمَّ المسارعة لتخوين كل من يطرح طرح مغاير! وليس هنالك اختبار لمدي تمتع هذه اللجان بحرية التعبير والديمقراطية التي تنشدها، اكثر من افساح المجال امام اي لجنة او فرد لديه قناعة بمشروع التسوية، ان يمارس قناعته من غير ضغوطات. واهمية النجاح في هذا الاختبار انه يرسل رسالة اطمئنان علي مستقبلها ومستقبل البلاد. خاصة وان هذه اللجان اصبحت الامل لتصحيح اخطاء الماضي والبدء من جديد بداية صحيحة. اما التماهي مع الجذرية سيعيد ذات اخطاء النخب السياسية، مما يعني تحولها لعقبة في طريق التغيير بدلا ان تقود التغيير. ومعلوم ان مواصفات القيادة الكفئة يجسدها استيعاب المخاوف والمصالح لكل شركاء الوطن، ووطأ الاكناف للمختلفين قبل المؤيدين. وقبل ذلك التدرج في القيادة واكتساب الخبرة حتي بلوغ القمة. لانه ليس هنالك مقبرة للمشاريع والرغبات الطموحة اكثر من الاستعجال، واتباع نهج حرق المراحل الذي يسم النزعة الجذرية.

والتدريب علي القيادة يبدو انه يحتاج للبدء من الصفر، وهو ما يشجع علي طرح مقترح علي لجان المقاومة، لاسلوب عمل لا يبدأ التغيير من القمة كما يتطلع الجذريون بقصر نظر مريع، ولكن من القاعدة المحلية. والبداية بتحديد الهدف من التغيير، وهو وجود حكومة تقدم خدمات للمواطنين، ومواطنون واعون بحقوقهم وواجباتهم.

فمثلا لدينا لجنة مقاومة في مدينة بربر (مدينة صغيرة يسهل تطبيق النموذج عليها) تحصلت علي الشرعية بطريقة ديمقراطية، وتمكنت من تنظيم نفسها اداريا. وهذه اللجنة لها برنامج عمل يقوم علي جبهتين، جبهة كسب ثقة المواطنين بطرح الغرض من وجودها وطريقة القيام به ومناقشتهم في ذلك. ويفضل استغلال المساجد كنقطة انطلاق، وذلك لتحريرها من قبضة الكيزان، وازالة اي سوء فهم عن اللجان (كتهم ملحدين مثليين مخربين/ وهذا لا يمنع ان لكل شخص قناعته). اما الجبهة الاخري، فهي الجهة المعارضة لدور اللجان وهم تحديدا قوات الشرطة والمحلية. وهذا التحديد مرجعيته طبيعة الصراع ضد الجنرالات والكيزان بوصفهم مختطفين للدولة.

فعلي لجنة المقاومة ابتدار الاتصال بالشرطة عبر ضباطها، للتعريف بدورهم، وعن رغبتهم في فتح قنوات تواصل مع الشرطة، بل والتعهد بمساعدتها في مهامها في القضاء علي الظواهر السالبة كانتشار المخدرات. ولمزيد من تمتين العلاقات ومد جسور الثقة، يستحسن قبل القيام باي موكب ان يتم اخطارها والاستعانة ببعض افرادها، لحماية الموكب اذا امكن. اما العقبات المتوقعة فهي عزوف قيادة الشرطة عن التجاوب كلما كانت اكثر كوزنة، وفي هذه الحالة يستعان بجهات اعلي او عناصر شرطية اكثر مقبولية، وصولا لاستخدام اساليب الزيارات الاسرية المؤثرة. وكتنويع للاساليب يمكن عقد ندوات ومحاضرات لقوات الشرطة للتعريف بدورها في الانظمة الديمقراطية. والسبب لان دور الشرطة في الاساس خدمة الشعب، وهذا مبرر ما ياخذونه من مرتبات. اي واجبها حق لكافة المواطنين وعليهم المبادرة باخذ حقوقهم والالحاح في طلبها. واهمية هذه الخطوة انها اذا لم تكسب الشرطة الي صف دعم الثورة، فاقلاه يمكن تحييدها وفصم مصالحها مع الجنرالات والاسلاميين الذين يستثمرون في تشويه العلاقة مع الثوار وفقدان الثقة بينهما وخلق حالة عداء بين الطرفين.

ونفس السيناريو يمكن ان يتبع مع القوات المسلحة، ليس لازالة سوء الفهم فقط، ولكن لتعريف هذه القوات بحقيقة اختطافها وحرفها عن مهنتها، والاسوأ توظيفها لمصلحة كبار الجنرالات، ضد المصلحة العامة للبلاد.

وذات الامر ينطبق علي المحليات بالوصول اليها والتعرِيف بدور اللجنة والتعرُف بالعاملين في المحليات وواجباتهم والعقبات التي تعترض طريقهم وكيفية ترقية الاداء من خلال التعاون بين الطرفين. وفي حال حدوث ممانعات من اي جهة، عندها تسير المواكب للتنديد بالجهة او الموظفيين المعاكسين والفاسدين، والضغط في سبيل تغييرهم بآخرين اكثر تعاون مع لجنة المقاومة واستعداد لخدمة المجتمع. اما اذا فشل قادة لجنة المقاومة في هذه المهام، عندها تطرح الثقة فيهم لاستبدالهم بغيرهم بطريقة ديمقراطية سلسلة ومن دون حساسيات شخصية، لان الغرض المصلحة العامة التي تستوجب تداول الوظيفة والمهام.

وكذلك ينسحب علي كافة الخدمات كالصحة والتعليم، من خلال الاتصالات بهذه الجهات، والوقوف علي طبيعة المشاكل علي ارض الواقع والامكانات المتاحة لحلها، والمساهمة في الحل من خلال تعريف المجتمع بها واشراكه في حلها. اي ان تتحول المواكب الي وسائل توعية واصلاح ومشاركة في هموم البلد بين كافة المواطنين.

وهو دور يمكن ان يمتد لمعالجة التوترات العرقية والمناطقية، ومن ثم سحب البساط من تحت اقدام النُظَّار ورجال الطرق الصوفية الذين يوظفهم الاسلامويون والجنرالات لمآربهم الخاصة.

واهمية ذلك الدور الذي تلعبه لجنة المقاومة، انه يربط الوعي السياسي باحتياجات المجتمع، والاهم تبني الوسائل العلمية والاساليب الواقعية في انتاج البرنامج وايجاد الحلول. أي اكتساب مهارة سياسية وكفاءة ادارية بضربة واحدة. واذا تم ذلك كذلك فهو لب التغيير المنشود، وباقل كلفة ممكنة وضمانة اكثر استقرار، وتاليا تُمكِّن من الاضافة عليها او انفساح مجال التطوير والترقية امامها من غير حدود.

والحال كذلك ما علاقة لجنة المقاومة بالاحزاب السياسية؟

كجزء من دور اللجنة عليها الاتصال بالاحزاب او اتصال الاحزاب بها، لاقامة الندوات السياسية في الاندية والساحات، ولكن من موقع مشاركة اعضاء اللجنة في الاعداد واختيار المواضيع والحديث والنقاشات. وكذلك التنسيق بين اللجان مع بعضها البعض لمواجهة القضايا ذات الطابع القومي.

اي اعتبار الفترة الانتقالية فترة تدريب وتمرين وتاهيل، وبعد نهاية الفترة الانتقالية، تستمر اللجنة في العمل عبر التجديد باختيار لجنة جديدة، اما اللجنة السابقة فلها الحرية سواء اعادة انتخابها او بعض اعضاءها، او الانضمام كافراد للاحزاب السياسية او منظمات المجتمع المدني او تكوين احزاب جديدة او ترك المجال والتفرغ للحياة الخاصة، فهذا متروك لخلاصة التجربة والتعلم منها.

والمؤكد كل ذلك رهين بالوصول لتسوية تفسح المجال امام لجان المقاومة (كمدرسة للتعلم والتدريب وصقل للمواهب لقادة المستقبل)، وهو ما يتطلب بدوره نبذ النزعة الوصائية والتخلي عن الرؤية والبرامج الشمولية القادرة علي كل شئ، غض النظر عن واقعيتها وامكانية تطبيقها، في ظل توازن القوي الذي يحكم الراهن السياسي. وما يدعو للعجب ان العسكر رغم ما يفترض عن قلة وعيهم السياسي، إلا انهم الاكثر براعة في الانحناء للعاصفة كاستجابة للضغوطات والاستفادة من التناقضات (داخلية وخارجية)، اكثر من بعض السياسيين رغم ضعفهم الماثل!

والخلاصة الوطن في محنة حقيقية والمواطنون فاض بهم الكيل من شدة المعاناة وبؤس الحياة، وهذا ما يستوجب تقديم التنازلات من الجميع، حتي وان كانت تنازلات غير عادلة وبها خسارة للثورة الثوار ومعسكر المدنيين علي المدي القصير، اقلاه بوصفهم الاكثر حرصة علي مصلحة البلاد ومصالح اهلها. كما ان ذلك لا يعني نهاية الصراع ضد العسكر وثقافة الانقلابات والانظمة الشمولية (انعكاس للافكار والرؤي الشمولية)، ولكنه ببساطة يعني مواصلة الصراع باساليب اكثر مدنية، لتقليل كلفة التغيير وتهيئة افضل المناخات لتوطينه واستقراره واستدامته. ودمتم في رعاية الله.

abdullahaliabdullah1424@gmail.com
////////////////////////////////

 

آراء

النتائج