خالد البلولة
كشف التقرير الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة رئاسة مجلس الوزراء عن استمرار الموجة الصاعدة في أسعار السلع والخدمات بالسودان،حيث بلغ معدل التضخم السنوي خلال شهر يونيو 2026 نحو 51.28% مقارنة بشهر يونيو من العام الماضي، في مؤشر يعكس تصاعد الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وأوضح التقرير أن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك ارتفع من 661,686.03 نقطة في مايو 2026 إلى 708,510.80 نقطة في يونيو،2026 بزيادة بلغت 46,824.77 نقطة، وبمعدل تغير شهري وصل إلى 7.08%. وتعني هذه الزيادة أن الأسرة التي كانت تحتاج إلى مبلغ معين لشراء احتياجاتها في مايو أصبحت تحتاج في يونيو إلى إنفاق يزيد بنحو 7% للحصول على السلع والخدمات نفسها، وهو ارتفاع كبير خلال شهر واحد، مما يعكس استمرار الضغوط الناتجة عن تراجع قيمة العملة، وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل
الغذاء.. المحرك الأكبر للغلاء :
وتظهر بيانات الجهاز المركزي للإحصاء أن الأغذية والمشروبات كانت الأكثر تأثيرًا في حركة الأسعار، إذ ارتفع الرقم القياسي للاغذية والمشروبات من 276,424.83 نقطة في مايو إلى 299,614.12 نقطة في يونيو، بزيادة بلغت 23,189.28 نقطة، وبمعدل تغير شهري قدره 8.39%. .وسجلت أسعار الأغذية والمشروبات على المستوى السنوي ارتفاعًا بلغ 54.49% مقارنة بشهر يونيو 2025، ما يؤكد أن الغذاء أصبح العبء الأكبر على ميزانيات الأسر السودانية، خاصة في ظل اعتماد معظم الأسر على الإنفاق اليومي على الطعام باعتباره بند الصرف الرئيسي.وبصورة مبسطة، فإن السلع والخدمات التي كانت تكلف الأسرة 10 آلاف جنيه في يونيو 2025 أصبحت تحتاج في يونيو 2026 إلى نحو 15 ألفًا و128 جنيهًا للحصول عليها، أي بزيادة تقارب نصف التكلفة خلال عام واحد. وتشير المقارنة السنوية الي ان معدل التضخم السنوي ارتفع الي 51.28%.. وتوضح هذه الأرقام أن ارتفاع الأسعار لم يعد مرتبطًا بسلع محددة، بل أصبح ظاهرة واسعة تشمل معظم احتياجات المواطن اليومية من الغذاء والخدمات والسلع الأساسية.
التضخم يضغط على الحضر والريف
ولم تقتصر موجة الغلاء على المدن، فقد أظهر التقرير أن معدل التضخم السنوي بلغ في المناطق الحضرية 51.81%، بينما سجل في المناطق الريفية 51.06%، بفارق 0,75 % وهي نسب متقاربة تكشف أن التضخم أصبح ظاهرة عامة تمتد إلى مختلف المناطق.ويشير تقارب معدلات التضخم بين الريف والحضر إلى تراجع الدور التقليدي للريف كمصدر للحماية من ارتفاع الأسعار، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والمحروقات والرسوم، وصعوبة حركة السلع بين الولايات، الأمر الذي جعل تكلفة السلع في المناطق الريفية تضاهي أو تتجاوز أحيانًا تكلفة المدن.
ماذا تعني الأرقام للمواطن؟
تشير هذه المؤشرات الي أن الدخل النقدي يفقد جزءًا متزايدًا من قدرته الشرائية مع استمرار ارتفاع الأسعار. فالأسرة التي لم يزد دخلها خلال العام الماضي أصبحت مضطرة إلى شراء كميات أقل من السلع، أو تقليل بعض الاحتياجات الضرورية أو الاتجاه إلى بدائل أقل تكلفة وجودة. ويزداد الضغط بصورة أكبر على الأسر محدودة الدخل، لأن الغذاء يستحوذ على الجزء الأكبر من إنفاقها، ومع ارتفاع أسعار الطعام بأكثر من معدل التضخم العام فإن ذلك يهدد مستوى المعيشة ويزيد المخاوف المتعلقة بالأمن الغذائي.
ويعتمد الجهاز المركزي للإحصاء في حساب هذه المؤشرات على سنة الأساس 2007، باعتبارها السنة المرجعية لقياس التغيرات في أسعار السلع والخدمات ومتابعة تطورات تكلفة المعيشة.
الدلالات الاقتصادية للأرقام :
تكشف بيانات يونيو 2026 أن التضخم في السودان يرتبط بدرجة كبيرة بارتفاع تكلفة السلع الأساسية، خاصة الغذائية، وهو ما يشير إلى تأثير (صدمة العرض) فأدى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل وضعف تدفق السلع إلى دفع الأسعار نحو مستويات أعلى. كما أن ارتفاع الرقم القياسي العام بنسبة 7.08% خلال شهر واحد فقط يعكس تآكلًا سريعًا للقوة الشرائية للنقود، ويشير إلى استمرار حالة عدم الاستقرار النقدي، حيث تقوم الأسواق بتسعير السلع وفق توقعات مستقبلية مرتبطة بسعر الصرف وتكاليف الاستبدال. أما تقارب التضخم بين الريف والحضر، فيحمل دلالة مهمة، إذ يشير إلى أن المناطق الريفية لم تعد بمنأى عن موجة الغلاء، بعد أن أثرت صعوبات النقل وارتفاع مدخلات الإنتاج على قدرتها على توفير حماية نسبية لسكانها.
الخلاصة
تؤكد أرقام التضخم لشهر يونيو 2026 أن الاقتصاد السوداني يواجه ضغوطًا متزايدة تتطلب معالجة عاجلة تركز على دعم الإنتاج الحقيقي،وتأمين طرق الإمداد والتجارة،وتعزيز الإنتاج الزراعي المحلي، وتقليل تكاليف النقل والوساطة والمضاربات، بما يساعد على تخفيف العبء عن المواطن واستعادة جزء من القوة الشرائية للأسر.
dr.khalidbalula@gmail.com
