التعايش السلمي مع كورونا : النظام العالمي المستجد .. بقلم: البخاري حبيب الله عباس / برلين
16 أبريل, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
96 زيارة
“كورونا أتت لتتعايش معنا لا لتقتلنا” كلمات نطق بها أحد الأطباء عندما أحكمت أزمة كورونا قبضتها على خناق العالم وما أن تناقلت وسائل الإعلام تصريحات مشابهة تحمل ذات المضمون حتى ثارت براكين الغضب وأصبحت عواصم الدول الغربية تغلى كالمراجل خشية إنهيار الليبرالية الحديثة التي تسيدت العالم بعد الحرب العالمية الثانية كآخر نسخة من الحضارات المفروضة بالقوة على عالمنا ولتدارك الكارثة الناجمة عن الجائحة هب بعض قادة الدول الغربية ليلتقطوا زمام المبادرة لإعادة صياغة النظام العالمي المستجد تحاشياً لخسارة إرثهم الاستبدادي.
في الأسبوع الأول من أبريل شهر الكذبات طّل علينا قادة العالم يلوحون بالحقائق المؤلمة لأول مرة في تاريخهم وبات الناس بين مصدق ومكذب وفي تصريح مفاجئي أعلنت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل يوم ١٢ ابريل بانه يتوجب علينا التفكير في كيفية التعايش مع كورونا لمدة اطول من المتوقع قد تصل الي سنتين وقبل أن يفيق العالم من هول تصريحات المراة الحديدية حتي لحقت بها المراة الفولازية الالمانية الاخري أورسولا فان دير لاين رئيسة مفوضية الاتحاد الأوربي وهي رئيس ثالث أكبر قوى عظمى بعد الولايات المتحدة والصين وقد عززت ماذهبت اليه إنجيلا ميركل داعيةً اوربا لتهيئة نفسها للتعايش مع كورنا حتي نهاية هذا العام على أقل تقدير وذات الأمر طالب به وزير الصحة الإيطالي روبيرتو “بالبحث عن ظروف تجعلنا نتعايش مع كورونا ” وهو ذات المنحى الذي اتخذته السيدة ماريا فان كيرخوف، عالمة الأوبئة في منظمة الصحة العالمية قائلةً اننا “ما زلنا نتعلم الكثير عن الفيروس ولا يوجد سبب للإعتقاد بأنه سيتصرف بشكل مختلف في بيئات مناخية مختلفة ويجب أن نرى ما يحدث مع تقدم هذا الأمر”.
ومنذ نهاية مارس الماضي أصبح يترسخ بشكل متزايد لدى علماء الأوبئة وزعماء العالم بانه لايمكن إيقاف تفشي كوفيد ١٩ دون إختراع لقاح فعّال الأمر الذي قد يتطلب سنة ونصف على أحسن تقدير حسب جامعة هوبكنز وخبراء معهد روبرت كوخ ألالماني .
وقد أضحى أمر رفع شارة الإستسلام يلوح في الأفق وقد نري العالم يبطئ من حملة ملاحقة هذا الفيروس المستجد والتسليم بملاحق بالبشرية من خسائر في الأروح والأموال والعلاقات وأن الجميع بات على قناعة لرسم خارطة للتعايش السلمي مع فيروس كورونا المستجد.
بات العالم يمسي في قلق ويصبح في خوف من المجهول في محاولات إكتشاف غموض هذا العدو القاتل وقد تنادت جميع ملل ونحل البشرية من كل حدب وصوب وإستدعوا إرثهم الحضاري والثقافي وخبراتهم الطبية وتجاربهم العلميك وإختراعات نطآسيهم من لدن الطبيب الفرعوني أمنحتب عبوراً بالقرون الوسطي حيث عظماء طب العرب والفرنجة جابر بن حيان وبن سينا وصولاً الي عهدنا الحاضر حيث جهود عالم الأوبئة ابن القارة السمراء الإثيوبي دكتور تيدروس ادهانوم غيبرسيوس مدير عام منظمة الصحة العالمية كل هولاء ومعهم العلماء والزعماء والخبراء والعامة قد وقفوا جميعاً وهم يتنكبون الطريق لايجاد لقاح لهذه الجائحة وبعد لايٍ وجهد وإستدبار وإستقبال لكل التجارب والإمكانيات الممتدة عبر العصور وإستنفاد رصيد البشرية المعرفي والثقافي يبدو أن العالم قد وصل لقناعة التعايش السلمي بين البشر وهذه الكائنات نصف الحية على الأقل في الوقت الحاضر.
فكرة التعايش مع كورونا كانت قبل أسابيع قليلة تعد ضرباً من الجنون او مخطط تآمري تتقاذفه القوي العظمي والدول متوسطة الحجم ، ولكنها اليوم أصبحت الحل الموضوعي او فلنقل الضروري كحل اخير أمام العالم يمكن ان نسميه (حل العاجز ) بعد إنكشاف عورات الأنظمة التي تسمى عظمي وإستبانة هوانها وضعف مقدراتها في أولي التحديات الكونية غير المسبوقة .
صرفت البشرية جهوداً وأموالاً عبر قرون وأجيال في البحث العلمي والتطور التكنلوجي والصناعات المختلفة أكثر من نصف عمرها وأغلب مدخرات شعوبها وفي نهاية المطاف اكتشفوا أن اغلب جهودهم كانت تسير في الاتجاه الخاطئ ولو وظفت بصورة عادلة وصحيحة لربما عمّرت الأرض لمرتين وخلقت رفاهية لمرة ونصف لكافة شعوب الأرض لكن الطمع اعمي الجميع عن رؤية الحقيقة .
التعايش مع فيروس كورونا عبارة صغيرة لكنها إختصار قوي الدلالة لمعنى التغيير الجذري للحياة على كوكب الأرض فالتحول من فكرة القضاء على الفيروس الي السعي للسيطرة والاحتواء عليه ثم وصولاً الي فكرة التعايش معه هي أصدق تعبير عن لحظة العجز البشري او بصورة أدق تعرفه على مقدراته وإمكانياته الحقيقية.
فالتعايش مع فيروس كورونا هو الاعتراف بفشل المواجهة بين العلم والكون مايقتضي إعادة ترتيب الكوكب من جديد وتقديم تنازلات ضخمة في النظم الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والتضحية بعدد كبير من البشر من ضعيفي المناعة في إختبار أخلاقي كبير لم يسبق له مثيل .
ستعيد هذه التحولات الجوهرية تعريف عبارة البقاء للأقوي حسب المعايير المستجدة التي ستقوم على أساس طبائع الأشياء علي مستوى الأفراد والدول فالشخص القوي هو صاحب المناعة الأقوي والدولة الأقوى هي تلك التي تمتلك موارد طبيعية زراعية وحيوانية تحقق لها القدرة على الوفاء بالالتزامات شعبها ، الأمر الذي سيفتح أمام الدول الفقيرة فرصاً جديدة لاثبات وجودها ولعب دور ما في النظام الدولي المستجد في إطار علاقات تقوم على قاعدة توازن القوي وقد يشهد العالم التكامل بين الشعوب وانتهاء عهد الهيمنة التي استمرت لعقود من الزمان
التعايش السلمي مع كورونا في أبسط تفسيراته يعني التباعد بين البشر وهو أقسي تحدي يهدد الترابط الإجتماعي كسمة تميز البشر عن باقي المخلوقات وتبعاً لنظرية التعايش مع كورونا سيحتاج العالم أن يفيق من صدمته بأسرع مايمكن حتي يتستطيع ترتيب علي أسس جديدة قد تعجل بميلاد النظام العالمي المستجد وقد عبّر الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيرتس عن قلقه الشديد من مستقبل المنظمة في ظل التغييرات الجذرية الماثلة جراء تفشي فيروس كورونا ومن جهة ثانية وفي تطور لافت هدد الولايات المتحدة الأمريكية بسحب دعمها عن منظمة الصحة العالمية لاتهامها بالتواطوء مع الصين مصدر الفيروس وهي إشارة ذات دلالة في تحول دور المنظمات الدولية الذي اصبح مرهوناً لخدمتها لمصالح بعض القوي العظمي والأجندة العالمية التي وصلت حد التدخل في تعيين قيادات تلك المنظمات في إطار محاصصات وتوازنات سياسة الدافع الأكبر في ميزانياتها
وعلى الصعيد الإقليمي تشهد الإتحادات والمنءمات الإقليمية تحديات وجودية بسبب طوارئ كورونا المستجد والتي أهتزت معها رمائز إتفاقيات التعاون وعلاقات التنقل بين الحدود والتجارة البينية والتكامل الصناعي وتم تعليق أغلب أنشطتها وانكفأت الدول علي حدودها القطرية وتنصلت بعض المنظمات الإقليمية عن واجبات التضامن بين دولها وفشلت في تقديم اي نوع من الدعم والمؤازرة المرجوة في مثل هذه الحالات واستغلت قوي إقليمية أخري هذه الأوضاع وخلقت روابط وعلاقات ماكان لها ان تقوم بغير هذه الطريقة الأمر الذي سيعيد تشكيل خارطة العلاقات الدولية إعادة تنظيم المجتمع الدولي وارساء النظام الدولي المستجد.
Boka32@hotmail.com
/////////////////