قراءة مقارنة في كتابي «الثقة» لفرانسيس فوكوياما
و«اللعب منفردًا» لروبرت بوتنام
منبر نور البحثي
مقالات من بطون كتب ونبض الواقع
قد تملك الدولة المال، والمصانع، والموارد الطبيعية، ولكنها إذا فقدت الثقة بين أفرادها، بدأت ثروتها الحقيقية في التآكل بصمت.”
مدخل
حين يتحدث الاقتصاديون عن الثروة، يتبادر إلى الذهن
النفط،
والمصانع،
والأسواق المالية، والاحتياطات النقدية.
غير أن العقود الأخيرة شهدت اهتمامًا متزايدًا بنوع آخر من الثروة لا يظهر في الميزانيات العامة،
ولا يمكن قياسه بسهولة،
ومع ذلك قد يكون أكثر أثرًا من المال نفسه.
إنه رأس المال الاجتماعي، وأهم عناصره الثقة.
ولعل القارئ يتساءل: كيف تصبح الثقة موردًا اقتصاديًا؟
وهل يمكن لمجتمع يثق أفراده بعضهم ببعض أن يحقق نموًا أسرع من مجتمع يسوده الشك؟
وهل لانتشار الأمانة والوفاء بالعقود أثر
في الإنتاج
والاستثمار
لا يقل عن أثر رأس المال المالي؟
للإجابة عن هذه الأسئلة،
نقرأ كتابين من أبرز ما كُتب في هذا المجال:
كتاب «الثقة» لفرانسيس فوكوياما،
وكتاب «اللعب منفردًا» لروبرت بوتنام.
أولًا:
فوكوياما… حين تتحول الأخلاق إلى قوة اقتصادية
ينطلق فرانسيس فوكوياما من فكرة تبدو بسيطة، لكنها عميقة النتائج،
وهي أن الاقتصاد لا يقوم على القوانين وحدها،
بل يحتاج إلى رصيد أخلاقي غير مكتوب، يتمثل في الثقة المتبادلة بين الناس.
ويرى أن المجتمعات التي تسود فيها الثقة تستطيع إنشاء شركات كبيرة،
ومؤسسات مستقرة، وشراكات طويلة الأجل،
لأن الناس لا يبددون طاقتهم في الخوف والشك وكثرة الضمانات والإجراءات.
ويضرب أمثلة بدول استطاعت أن تبني اقتصادًا قويًا لأن ثقافة الثقة فيها كانت مرتفعة،
بينما تعثرت مجتمعات أخرى رغم وفرة الموارد؛ إذ استنزفتها النزاعات وضعف التعاون وارتفاع تكلفة التعاملات.
ويخلص إلى أن الثقة ليست خلقًا فرديًا فحسب،
بل أصل من أصول التنمية الاقتصادية.
ثانيًا:
بوتنام… عندما يضعف النسيج الاجتماعي
أما روبرت بوتنام، فيسلك طريقًا مختلفًا.
فهو لا يبدأ من الشركات
، بل من المجتمع.
ويتساءل: ماذا يحدث عندما يقل انخراط الناس في الجمعيات، والأندية، والعمل التطوعي، والأنشطة العامة؟
ويرى أن تراجع المشاركة المجتمعية يؤدي إلى تآكل رأس المال الاجتماعي،
وأن المجتمع الذي ينعزل أفراده بعضهم عن بعض يفقد تدريجيًا القدرة على التعاون، فتضعف الثقة، ويزداد الاستقطاب، وتصبح المؤسسات أقل فاعلية.
ومن هنا جاءت فكرته الشهيرة بأن الإنسان حين “يلعب منفردًا” لا يخسر متعة الجماعة فحسب، بل يخسر المجتمع كله جزءًا من قوته.
أين يلتقي الكتابان؟
يتفق الكاتبان على أن التنمية ليست مسألة أموال فقط.
فالاقتصاد يحتاج إلى بيئة أخلاقية واجتماعية تساعد الناس على التعاون، وتحترم الكلمة، وتلتزم بالعقود، وتغرس روح المسؤولية.
كما يتفقان على أن الثقة لا تُفرض بالقوانين وحدها،
بل تُبنى عبر
التربية،
والتعليم،
والأسرة
، والمؤسسات
، والقدوة الحسنة.
وأين يفترقان؟
يركز فوكوياما
على أثر الثقة في الاقتصاد والإنتاج والشركات.
بينما يركز بوتنام على جذور الثقة داخل المجتمع، وكيف تؤدي المشاركة المدنية إلى بناء هذا الرصيد المعنوي.
وبعبارة أخرى،
يشرح الأول ثمار الثقة،
بينما يشرح الثاني جذورها.
ماذا تقول تجارب الأمم؟
حين ننظر إلى تجارب الدول التي حققت تقدمًا مستدامًا،
نجد أن الثقة كانت حاضرة في خلفية المشهد.
فالمستثمر يقدم على الاستثمار لأنه يثق في القضاء.
ورائد الأعمال يغامر لأنه يثق في استقرار القوانين.
والمواطن يدفع الضرائب لأنه يثق أن المال العام سيعود عليه بخدمات أفضل.
ولا يعني ذلك أن تلك المجتمعات خالية من الأخطاء، لكنها نجحت في بناء مستوى من الثقة يجعل التعاون أسهل من الصراع، والالتزام بالعقد أسهل من نقضه.
ماذا نتعلم في دول العالم الثالث
ربما ننشغل كثيرًا بالموازنات، والقروض، والمشروعات الكبرى، وهي أمور مهمة بلا شك، لكن الكتابين يلفتان أنظارنا إلى مورد لا يقل أهمية، هو الثقة.
فالمجتمع الذي تنتشر فيه الأمانة، ويطمئن فيه المستثمر إلى العدالة، ويثق فيه المواطن بالمؤسسات، يمتلك ميزة يصعب شراؤها بالمال.
ومن هنا، فإن بناء رأس المال الاجتماعي يجب أن يكون جزءًا من أي مشروع تنموي، لأنه يمثل التربة التي تنمو فيها الاستثمارات، وتزدهر عليها المبادرات.
خلاصة منبر نور
تكشف القراءة المقارنة لهذين الكتابين أن الثقة ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل مورد اقتصادي من الطراز الأول.
لقد أقنعنا فوكوياما بأن الثقة تخفض تكلفة التعاملات، وتشجع على الاستثمار، وتساعد المؤسسات على النمو.
وأقنعنا بوتنام بأن هذه الثقة لا تولد تلقائيًا، وإنما تنشأ في مجتمع حي، يشارك أفراده في الشأن العام، ويتعاونون، ويحافظون على روابطهم الإنسانية.
ولعل الدرس الأكبر أن بناء الاقتصاد يبدأ من بناء الإنسان،
وأن قوة الدولة لا تُقاس بما في خزائنها فقط،
بل بما في ضمير مجتمعها من أمانة، وثقة، واستعداد للتعاون.
ولهذا فإن الثقة ليست بندًا في الموازنة العامة، لكنها قد تكون أعظم استثمار في مستقبل الأمم.
أهم المراجع
فرانسيس فوكوياما، الثقة: الفضائل الاجتماعية وخلق الازدهار، 1995.
روبرت د. بوتنام، اللعب منفردًا: انهيار وإحياء المجتمع الأمريكي، 2000.
إليانور أوستروم، حكم المشاعات، 1990.
دوغلاس نورث، المؤسسات والتغير المؤسسي والأداء الاقتصادي، 1990.
عبد العظيم الريح مدثر
متقاعد من
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا
مؤسس منبر نور البحثي
sanhooryazeem@hotmail.com
