الثورة في ضيافة الانقلاب .. بقلم: مـحمد أحــمد الجــاك

الثورة في ضيافة الانقلاب من الانكسار إلى حتمية التأسيس و التحدي المتمثّل في نحت جيل فكري وسياسي جديد قادر على تجاوز أطروحات نُخبٍ غير قابلة للإصلاح أو الترميم

مع تقدّم المشروع الانقلابي وسعي الانقلابيين إلى اكتساح كل مجالات الحرية التي فتحتها ثورة كانون الأول (ديسمبر) 2019 في السودان، يُطرح ألف سؤال في أكثر من اتجاه لمحاولة فهم ما حدث على أكثر من نطاق. لا أحد يستطيع أن يُنكر الدور الذي لعبته النخب السودانية ومن ورائها العربية في انتكاسة الثورات العظيمة ولا أحد يستطيع أن ينفي الصراع المحموم الذي خاضته أذرع الدولة العميقة لاستعادة المجال الذي سُلب منها. لكن فاعلا أساسيا بقي خارج نطاق المحاسبة والقراءة والمُحاكمة والاستنطاق وهو الفاعل الأكثر تورطا في التداعيات الكارثية لموجة التغيير السودانية. هذا الفاعل هو في الحقيقة مدار الصراع بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة وهو الكتلة البشرية التي يريد الفريقان كسبها إلى صفوفه ليحسم بها المعركة. الشعب يريد(ارحل) .. هو أخطر شعارات الثورات على الإطلاق، وقد صدحت به حناجر الجماهير من المحيط إلى الخليج حين كانت الثورات في أعلى موجاتها. كان مضمون هذه الإرادة الشعبية هو إسقاط النظام ويُقصد به نظام الحكم القمعي الجاثم على صدر الأمة أكثر من نصف قرن.
لكنّ المتأمل في الكتلة البشرية الناطقة بهذا الشعار يجد أنها لا تمثّل إلا عددا قليلا من مجموع الكتلة البشرية العربية، فأعداد الذين خرجوا خلال الاحتجاجات الشعبية قليل جدا مقارنة بعدد السكان. صحيح أن أغلب الثورات تقودها جموع قليلة قبل أن تمتد بقعة الزيت وتتحول إلى موجة هادرة في سياق اجتماعي وتاريخي خاص، لكنّ مطالب وشعارات هذه القلّة في الحالة العربية كانت تعكس مطلب الأغلبية الغائبة. من جهة أخرى لا يمكن تغييب الجموع المستفيدة من حالة ما قبل الثورات وهي عادة مجموعات نخبوية أو عرقية مرتبطة بالسلطة القائمة برباط نفعي. هذه المجموعة المقابلة هي التي ستحاول في مرحلة موالية للانفجار الثوري امتصاص الضربة الأولى والعمل على استعادة السلطة بكل الوسائل الممكنة كما حدث في حال الثورات الأخيرة. نحن إذن أمام كتلتين متصارعتين يدّعيان تمثيل الكتلة الشعبية العريضة والتحدّث باسمها وإرادتها. يبدو هذا التوزيع منطقيا لأنه لا يمكن حتى في أعتى الأنظمة الديمقراطية أن تكون الكتلة الشعبية على رأي واحد وفي اتجاه واحد.
في الحالة السودانية لا تملك الشعوب منبرا للتعبير عن إرادتها الحرة إلا في الشوارع والميادين لأن أغلب المنصات الإعلامية السودانية مرتبطة بالنظام القائم ولأن النخب المحلية التي يُفترض أن تكون معبرا عن صوت الشعوب ناقلة له إنما تعبّر في الحقيقة عن رغباتها هي ولا تعكس غير الرأي الذي تريد السلطة القائمة التعبير عنه. بناء على ما تقدّم فإن الحديث عن الشعب ككتلة واحدة صماء ذات إرادة واحدة هو حديث لا يستقيم تحليليا سواء كنا في جانب الثورة أو في جبهة النظام. لمنع تصادم الكتلتين وفرض السلطة بالقوة المادية أوجد الوعي السياسي البشري طريق الانتخاب والاختيار بما هو الضامن لحرية التعبير عن الرأي وبما هو حاسم لصراع الكتلتين. الانتخاب والاختيار والشورى كلها تعبيرات سياسية عن الطريق الأسلم الضامنة لوحدة المجتمع ومنع تفككه وصيانته من الانفراد بالسلطة وكابح لجماح الفرد المتغلّب بقوة السلاح أو قوة العصبية. في الحالة العربية بقيت شعوب المنطقة تحت حكم وريث القوى الاستعمارية فأُلغيت حرية الاختيار وصودرت إرادة الفرد والجماعة وحُكمت البلاد بقوة العسكر والقبيلة حتى جاءت الثورات العربية.
نجحت الثورات في وضع قدم على طريق الديمقراطية في الحالة التونسية والمصرية خاصة لكنها غرقت في الحرب والفوضى كما في الحالة الليبية والسورية واليمنية. لكنّ هذا الوضع الاستثنائي لم يدم طويلا بعد نجاح الدولة العميقة في الإطاحة بالمنجز الثوري وفي إعادة الاستبداد إلى هرم السلطة بعد أن فشلت النخب الثورية في صيانة المُنجز الشعبي. إنّ إلغاء الإرادة الشعبية بالانقلابات العسكرية أو الدستورية هو عودة إلى منطق ما قبل الثورات مهما حاولت أبواق الانقلاب الإعلامية الإيهام بغير ذلك. صحيح أن هذا الوضع سيمنح النظام الجديد سلطات مطلقة لكنه في الوقت نفسه سيصنع شروط الارتباك الجديدة التي ستقود يوما ما إلى انفجار جديد بسبب اختلال التوازن بين الكتلتين الحاكمة والمعارضة. لم تكن الانقلابات ممكنة في حال ثورات الربيع لولا الجهد الجبار الذي أُنفق في صناعة أدوات الانقلاب المتمثلة أساسا في تأزيم الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني وضرب القدرة الشرائية للمواطن أو إيهامه بذلك لخلق حالة القابلية للترحيب بالانقلاب بل وحتى المشاركة فيهكما في الحالة السودانية انقلاب البرهان في 25اكتوبر من العام الماضي والمستمر حتى الآن.
إن أخطر أعداء الشعوب هي الخطابات الشعبوِيّة لأنها الوحيدة الحاملة للحلول السحرية والشعارات البراقة لكنها في الوقت نفسه فاتحة لطور الاستبداد بعد أن يستحوذ المستبد على الإرادة الشعبية كاملة ويُلغي كل إرادة معارضة. لكن مهما بالغ المستبد في إطالة عمر الاستبداد والإيهام بالتغيير فإنه قد زرع بذور فناء حكمه لحظة ألغى الحق في الاختيار وصادر الحق في الحريات والديمقراطية كوسيلة للسلطة والحكم. ليست نهاية الموجة الأولى من الثوراة السودانيةإلا مرحلة أولى في مسيرة التحرر والتحرير التي هي شرط الخروج من زاوية التخلف والموت. حققت هذه الموجة هدف الكشف والتعرية بأن رفع الغطاء عن قتامة المشهد السوداني مؤسسا بذلك لطور جديد سيشكّل مرحلة الحسم مع المستبد وأعوانه وثقافته ووعيه اليوم أو غدا.

السـودانيون يوحّـدهم الاسـتبداد وتـفرقهم الـحرية ..المشهد السوداني مكتظ بالتعبيرات الحادثة بفعل التصادم الكبير الواقع هناك بين مختلف الفواعل السياسية والفكرية في مواجهة الوضع الانقلابي الحالي. وهو مشهد قد يتميّز عن بقية المشاهد العربية بسبب خصوصية السياق لكنّه لا يختلف عنها في الأصول المؤسسة للمشهد المكوّنة له. بعد إعلان الانقلاب في 25 اكتوبر الماضي تحت قناع ( الحركة التصحيحية ) وتوسيع قاعدة المشاركة وكسر احتكارية السلطة الانتقالية من قبل قوى حزبية معينة وقعت البلاد في حالة من الصدمة بفعل القرار الذي كان متوقعا سواء على المستوى الشعبي أو النخبوي. قليلة جدا بل نادرة هي الشخصيات التي أعلنت منذ اليوم الأول وبشكل علني رفضها للانقلاب وسمّته باسمه وطالبت بإسقاطه بما في ذلك النخب المحسوبة على الثورة. لكن مع مرور الأيام وتخبط المشروع الانقلابي ظهرت المواقف بشكل متصاعد منددة باختطاف السلطة ومنبّهة من عودة الاستبداد ومصادرة الحرية.
أما اليوم فقد توسّعت جبهة معارضة الإجراءات الانقلابية التي أقرّها البرهان المنقلب على الشرعية الثورية على مستوى النخب الفكرية والسياسية. هذا الطور الأخير يطرح جملة من الأسئلة الإشكالية: لماذا عجزت هذه النخب عن الاتحاد زمن الحرية(الفترة الانتقالية) أي قبل إعلان الانقلاب؟ لماذا تشتت في طور يجب عليها فيه أن تتحد واتحدت في زمن تشتتها؟ أين مكمن الخلل في بنية النخب السودانية وأين العطب في خطابها؟
لا ينجح أي تغيير سياسي سواء كان ثورة أو انقلابا إلا إذا توفرت له الشروط الملائمة في سياق اجتماعي واقتصادي خاص وهي الشروط التي لا يمكنه من دونها أن يحقق الهدف منه. ففي الحالة السودانية فشلت الموجة الأولى من ثورة ديسمبر أو بتعبير أكثر دقة فشلت الموجة الثورية الأولى ونجح الانقلاب وهو ما يعني منطقيا أن الشروط التي توفرت لإنجاح الانقلابات لم تتوفر لإنجاح الثورات. هذه الحالة يمكن تسميتها ب(القابليّة للانقلاب أو “قوّة القابليّة للانقلاب) .
قبل الثورة وخلال حكم المعزول البشير كانت أغلب النخب خاصة منها السياسية والأكاديمية إما كامنة أو مندرجة بحماس طفولي في مشاريع الاستبداد التي كانت تقتات منها وتحقق عبرها طموحات فردية في الكسب والوجاهة الاجتماعية والترقي الوظيفي. قليلة هي النخب السياسية والفكرية التي واجهت آلة القمع ودفعت ثمنا باهظا من وجودها الاجتماعي والأسري والمهني لكن رغم هذه القلة فقد كان هناك نوع من الاتفاق الضمني أو العلني على رفض الاستبداد والمطالبة بإلغائه وإحلال شروط الحرية والحق في التعبير والممارسة السياسية.
لكن حتى بين هذه القلة القليلة لابد من التمييز في السياق السوداني بين النخب المبدئية يسارية كانت أو إسلامية أو لبرالية وبين نخب الشعارات التي كانت كائنات وظيفية تقع في المنطقة الرمادية الفاصلة بين مجال الحرية ومجال الاستبداد. أثثت هذه المساحةَ النخبُ اليسارية الاستئصالية التي كانت مكلّفة بمحاربة التيارات الاسلامية والتوجهات المحافظة لسنوات عديدة. كما تحركت على نفس الجبهة التيارات القومية أو العروبية التي كانت ترفع شعارات الثورة والوحدة التحرر والمقاومة ولكنها كانت الذراع الضاربة للاستبداد بعد أن مكّنها من مفاصل حساسة في بنية الدولة والمجتمع.

نفس هذه النخب الرمادية هي التي باركت الانقلاب فمهّدت له ودفعت به ودافعت عنه وعملت على توفير أسباب نجاحه تُحفّزها إلى ذلك دوافع مختلفة بقطع النظر عن الطابع الانتهازي الذي يحكم حركتها. فلليسار وفاء لتقاليد الاستئصال وخدمة الاستبداد أما القوميون فمهووسون بنظرية القائد العظيم والزعيم الخالد الذي لا يأتي إلا عبر الانقلابات وبِرك الدم الأحمر القاني فيعيث في الأرض فسادا وهزائم. وحدها النخب الرمادية التي ترى في أنظمة القمع حارسا لثقافتها ومصالحها وولاءاتها الخارجية هي التي أمسكت بقلب منظومة الحكومة وتمكنت من فرض أنماطها الثقافية ومشاريعها الاجتماعية.
لم يكن الانقلاب في حدّ ذاته إلا إعلانا عن فشل النخب السودانية في حماية المسار الثوري وفي صيانة الأمانة التي سلّمهم إياها شعب السودان بعد أن أطاح بنظام رفعوا هم شعار معارضته عقودا من الزمن. نجح الشعب الفقير ( الجاهل/ العاطل ) في إنجاز ما عجزت عنه نخبه ( المثقفّة ) لكنّه وجد نفسه بعد مدة قليلة يتابع بمنظار واضح مشاهد (الصراع نحو الحكم والسلطة ) وعودة الاستبداد والشمولية ما جعله يعود إلى الساحات والميادين لإنقاذ المُنجز الثوري من المنحدر الذي شاركت كل النخب السودانية .
هذا العوْد إلى ساحات البدايات بنفس الشعارات هو عنوان فشل النخبة في تأمين المسارات الآمنة للمنجز الشعبي. على عرش هذا العجز تتربع (قوى الحرية والتغيير)الذين قدّم لهم شعبهم أعظم الثورات وجاءتهم السلطة على طبق ذهبيّ فانتهى الأمر بهم ما بين معتقل وما بين هاربا من البلاد عائدا الى غربته مرة أخرى وآخر يتسلل في منتصف الليالي نحو أبواب ومكاتب معسكر جبهة الانقلاب يناجي أقفالها وينشد مفاتيحها من فوهة مدرعة انقلابية طمعا في عودة الشراكة والفشل مرة أخرى..!.
لا مجال هنا يسمح بالخوض في بؤس الأداء السياسي لقحت في السودان وفي كل التجارب العربية التي انتهت بالمجازر والمذابح والفشل الذريع لكن المؤلم أن هذه التيارات لا تتعلم من فشلها بل تمعن في المكابرة والهروب إلى الأمام وعزف أنغام الضحية وهي بذلك تُسرّع في تصفية كل شروط إمكان بقائها في المشهد. هزة الانقلاب في السودان كانت قويّة وهي وحدها التي كانت قادرة على إقناع الجميع بأن العودة إلى مربّع الاستبداد أمرٌ قد يحدث في طُرفة عين ما لم تُقتلع كل الظروف التي يمكن أن تقود إليه. أول هذه الظروف أو الشروط هي تحقيق القدر الأدنى من تجانس القوى السياسية والفكرية ـ إن وُجدت ـ مهما كانت الوسائل المستعملة في سبيل تحقيق ذلك.
لكنّ الثابت اليوم في المشهد السوداني أن نُخبه تُعاني من خلل بنيويّ عميق جعلها حبيسة صراعات السبعينيات الأيديولوجية ورهينة أطماعها الشخصية المغلّفة بالثقافة والفكر وزخرف اللفظ. فلا قوى الحرية والتغيير قادر ةعلى فهم اللحظة التاريخية وهي التي نجحت في تجميع كل شروط الانقلاب حولها، ولا اليساري يُدرك أن عداء الإسلاميين عداء غير مشروعا لبناء دولة، ولا القومي قادر على أن يبرأ من مرض الزعيم وإدمان الانقلابات والرقص في حفلات الدم ولا نحن جميعا كسودانيين مؤهّلين لاستبطان شروط الحرية بما هي مكسب أفقي وليست انتقاء طبقيا.
يعود السودان إلى نقطة البدء ليواجه أكبر تحدياته وهو المتمثّل في نحت جيل فكري وسياسي جديد قادر على تجاوز أطروحات نُخبٍ غير قابلة للإصلاح أو الترميم وصياغة منوال ثقافي وفكري يكون وليد سياقه التاريخي ولحظته الحاسمة وهي الثورة أولا والثورة أخيرا.
الخلاصة اليوم وبعد فترة طويلة من عمر التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها المنطقة تقف الأمة على أطلال خراب عظيم سبّبه رفض النظام الرسميةالاستجابة لمطالب الثورات بعد أن قرر محاربتها بالحديد والنار والإرهاب. مشهد الخراب الكبير هذا هو الذي سيصوغ عناصر المرحلة المقبلة في ظل أزمات عالمية لا تكفّ عن التفاعل، ما يرشح كامل الإقليم إلى أن يكون ميدان انفجارات جديدة لا يُعلم شكلها ولا تداعياتها بعد أن حُكم على أصوات الحكمة والتعقّل بالصمت والاختفاء.

mido34067@gmail.com
////////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً