الجفلن خلهن (أوكراينا ) الحقوا الواقفات (كوبا) 

 


 

حامد بشري
6 أبريل, 2022

 

أهداء:

الي روح الرفيق محمد محجوب عثمان

عدت من زيارة الي كوبا في يوم السبت الماضي 26 مارس بعد أن مكثت بها أسبوعاً وهذه هي المرة الثانية التي أزور فيها هذه الجزيرة التي لا تغيب عنها الشمس في عبارة للمرحوم الدكتور يوسف بشارة والتي تبلغ مساحتها الكلية حوالي مائة الف كيلومتر مربع. المرة الأولي كانت قبل حوالي العشرة أعوام وأذكر قبل التوجه اليها أستفسرنا عما يلزم حمله كهدايا لمواطني هذه الدولة فجاءت الأجابة ممن سبقونا وتضمنت حمل بعض المستلزمات التي يفتقدها مواطني هذا البلد في ظروف الحصار الأقتصادي والتجاري المفروضه عليهم من الجارة أمريكا منذ حوالي ستون عاماً . الهدايا كانت عبارة عن بعض الأدوات المدرسية من كراسات وأقلام لأطفال المدارس و ملابس مستعملة للعاملين والعاملات بالمنطقة السياحية التي أستقبلتنا نزلاء عليها. كما تم توجيهنا بعدم حمل الدولار الأمريكي نسبة لعدم تداوله في هذه البقعة مع التشجيع علي أصطحاب العملة الكندية التي تجد رواجاً. هذا ما كان عليه الحال في المرة الأولي .

أما في الزيارة الثانية التي أتت بعد عشرة أعوام أو ما يربوا عليها بقليل فقد تبدل الحال. الكراسات والأقلام أصبحت تنتمي الي قرون مضت أشبه بعهد أهل الكهف وصار الكوبيون في حلهم وترحالهم يحملون الهواتف السيارة وكما عبر لي أحدهم أنه يمكن الأستغناء عن الطعام لأيام من أجل الحصول علي الهاتف المحمول . كما تم الأعتراف والتعامل جزئياً مع الخصخصة وأمتلاك أدوات الأنتاج الصغيرة وأصبح الكل يلهث خلف العملة الأجنبية وصار بالأمكان تحويل العملات الأجنبية الي حسابات المواطنيين الكوبيين عن طريق البنوك وأستشري السوق الأسود ودخلت قنوات التلفزيون الأمريكية بطريقة غير شرعية ومعها دخلت أمراض الرأسمالية بدءً من الأزياء وسط الشباب والشابات خاصة الذين لا تتجاوز أعمارهم العشرين وأصبح في حكم العادة أن تري الشابة الكوبية ترتدي الحلي الذهبية والأردية القصيرة كما تُزين الجسم في بعض الأجزاء المرئية بالعين المجردة رسومات (التاتو) . هذا الحال والثراء الغير مغنن يتمثل في شريحة أجتماعية محدودة أما الغالبية العظمي فحالها متعثر ويغني عن السؤال . الجديد في الأمر أن هذه المنتجعات السياحية باهظة التكلفة التي تدر دخلاً بالعملات الصعبة للدولة أصبحت متاحة لشريحة محددة من الكوبيين لا تُري بالعين المجردة وفي الحال ينطرح سؤال المليون دولار الذي يؤرق السائح ولا أحد يملك الأجابة عليه ، من أين لهذا المواطن هذه المقدرة المالية التي تسمح له بتوفير هذه المبالغ للراحة والنزهة ؟ صحيح هنالك بعض التحويلات التي تأتي من الخارج وبعض المواطنيين تتوفر لهم فرص العمل في المجالات والإماكن التي يرتادها السواح حيث يتم الدفع بالعملات الصعبه نتيجة للخدمات التي تُقدم ومن ضمنها البقشيش الذي صار شبه مقنن الأ أن هذا لا يعكس الصورة الحقيقية لمصدر هذه الثروة . هذا الثراء وسط هذه الشريحة المتزايدة يوحي بأن مصدره غير شرعي .

منذ يناير من العام الماضي أقدمت الحكومة علي الأعتراف بالدولار إضافة للعملات الأخري كعملة شبه متداولة للتحويل من خارج كوبا كما تم الأعتراف بعملة ثالثة غير متداولة يتم عن طريقها التحويل أضافة للعملة الكوبية (بيزو) . هذا الأجراء جعل من السوق الأسود أكثر سواداً .

هذه المرة قررت أن أذهب في زيارة سياحية الي أحدي المدن ( مورون ) وهي خارج تكلفة برنامج المنتجع حيث يتم خلالها التعرف علي المواطن الكوبي العادي وتتم مشاهدة كوبا الأشتراكية وليست كوبا السياحية . الرحلة أستغرقت يوم عمل كامل . البص الذي أقلنا كان بصاً سياحياً يصحبه دليل يجيد التحدث بعدة لغات . وكان أول سؤال تم طرحه علي الدليل من أين لكوبا هذه البصات السياحية الفاخرة ، فجأت الأجابة من جمهورية الصين الشعبية . بعد أنهيار المعسكر الأشتراكي أصبحت العلاقات الأقتصادية والتجارية لكوبا مع دول محدودة تأتي علي رأس قائمتها الصين ، فنزويلا ، نكاراجوا وكندا. السياحة تعتبر مصدراً أساسياً من مصادر الدخل القومي الكوبي حيث تستقبل كوبا حوالي 2 مليون سائحاً سنوياً معظمهم من دولة كندا . تعرفت علي معاشيين كنديين في الطاولة المجاورة الذين زاروا كوبا أكثر من ستين مرة وآخرون يزورنها كل شهر لفترة أسبوع . أصبحت كوبا (سندروم) في حياة بعض سكان كندا . بعض الكنديين الذين يعملون في الأشغال الموسمية وأولئك الذين لا يتوفر لهم تأمين صحي لعلاج الأسنان يتجهون جنوباً الي الجزيرة للعلاج الطبي ذو المستوي العالي والتكلفة المتدنية مقارنة بكندا . من أهم صادرات كوبا هي السكر والذي يدخل في صناعة الكحول وتتم معالجة مخلفاته في توليد الطاقة كما يشكل التبغ والنيكل وصناعة الأسمنت أحدي مصادر الدخل القومي .

في زيارتنا لهذه المدينة تمكن السواح من الوقوف علي المعاناة الحقيقية للمواطنين .الحالة المعيشيه للمواطن الكوبي تقترب من الفقر. المباني مقسمة الي قسمين ، سكن في مباني عالية وسكن في منازل من طابق واحد . السكن في المباني العالية تمتلكه الدولة أما السكن في المنازل ذات الطابق الواحد فتؤول ملكيته للافراد . معظم هذه المساكن تحتاج الي صيانة ومع الحصار الأقتصادي إضافة الي جائحة الكرونا تتعثر أمكانية توفر مواد الصيانة . توجد بكوبا سيارات يمتلكها الأفراد، أستغليت سيارة أمريكية الصنع من الفندق يرجع تاريخ تصنيعها الي عام 1951 . بكوبا كل أنواع المواصلات البرية حتي الركشة المعدلة وتجد المواطن الكوبي يجيد كل أعمال الصيانة . الكوبيون يتعاملون مع فضل الظهر للوصول من والي أماكن العمل . دليلنا في البص السياحي وضحت أنها تستغل أوتوبيساً مخصوصاً للترحيل يستغرق ساعتين في الذهاب الي الفندق وساعتين في الأياب الي المنزل وتعمل سته أيام في الأسبوع . تناولنا وجبة الغذاء في أحدي المطاعم الذي يشبه الي حد كبير مطعم الشرق في شارع الجامعة قبل ان تطاله يد المغول . وأثناء سيرنا وسط هذه المدينة التقينا بأفراد يطلبون مساعدة مالية بحجج مختلفة كما مررنا بمسكن للعجزة ، مظهره الخارجي يعكس ما في داخله وهذه الظاهرة لا تمت بصلة للأشتراكية . الجدير بالذكر أن دولة كوبا لا تربطها أي علاقة بالدائنين من الصناديق والبنك الدولي .

للكوبيين أنجذاب خاص الي كندا فهي والمكسيك الوحيدان في النصف الغربي للكرة الأرضية اللذان حافظا علي علاقات دبلوماسية متواصلة مع بلدهم عقب أنتصار الثورة في عام 1959 . وكما سبق ذكره كندا هي المصدر الأول للسياحة في كوبا أضافة الي العلاقة الخاصة التي تربط بين البلدين والتي بناها ورعاها فيديل كاسترو وترودو الأب الشيئ الذي دفع بفيديل كاسترو للمشاركة في جنازة ترودو بمونتريال عام 2000 مما حدا برجل الشارع الكندي أن يتهم ترودو الأب بموالاته للفكر الأشتراكي .

تمتلك كوبا اليوم نظام رعاية صحية عالمي مجاني، رغم أزمة نقص الموارد الطبية كما تشتهر تاريخيًا بارتفاع أعداد العاملين في المجال الطبي. وعلي الرغم من محدودية أمكانياتها قدمت مساهمات كبيرة للصحة العالمية وساهمت بأبحاث متقدمة في تصنيع عقار مضاد لجائحة الكرونا بثمن بخس .

وخلال محادثاتي مع العاملين بالفندق وعكس قلقي علي مصير الثورة الكوبية من المعطيات المرئية التي شاهدتها أتاني الرد الحاسم بأن لا قلق علي الثورة ومسيرتها رغم العقبات والظواهر السالبة ولا تراجع عن المضي قُدماً في تحقيق شعارات البناء الأشتراكي .

أفضال كوبا علي القارة السوداء لا تحصي وخاصة في الجنوب الأفريقي فقد ساهمت في حركات تحرير أنقولا وموزمبيق وناميبيا ودعمت منقستو هايل مريم ولم تبخل بمنح دراسية للسودان وجنوب السودان أضافة للتدريبات العسكرية التي ساهمت في أسقاط الحكم الديكتاتوري في فترات مختلفة .

في الثمانيات من القرن الماضي بعد الإنتفاضة كنت أجالس الزميل محمد محجوب عثمان في بهو فندق أكتوبر التابع للجنة المركزية بمدينة موسكو التي حضر اليها كما أظن من مدينة براغ وأثناء الونسة تتطرق الحديث للاوارق الثبوتية التي يترحل بها الزميل في بلدان العالم المختلفة وبحكم سحنته فبالضرورة أن يكون الجواز يتناسب مع تلك السحنة . ذكر فيما ذكر أنه يتحرك بجواز سفر كوبي .

كوبا اليوم تعيش فترات عصيبة وحان الوقت لرد الجميل لهذا الشعب العظيم .


حامد بشري /كندا

5 أبريل 2022

ملحق بعض التصاوير:







hamedbushra6@gmail.com

 

آراء