تحتفل الحركة الشعبية لتحرير السودان هذه الأيام بمرور ثمانية وثلاثين عاماً على انطلاقها في جنوب السودان كحركة على نمط حركات التحرر الأفريقي في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ولكن بالتمرد على خلل الدولة الوطنية، دولة ما بعد الاستعمار. يجي احتفالها فيما تتفاوض الحكومة الانتقالية مع شقها ما بعد الانفصال قطاع الحركة الشعبية الشمال في جوبا. وقبل رحيل قائدها في مرحلة باكرة كانت الحركة قد توصلت عبر اتفاقية سلام نيفاشا 2005 الى صيغة حكم لتقاسم السلطة والثروة برعاية أميركية شراكة بين الحزب الحاكم شمالاً وقتها المؤتمر الوطني وأصبح قائدها بموجبه نائباً للرئيس ونص الاتفاق على استفتاء بين أن يبقى الجنوب الجزء الذي حاربت من اجله ضمن القطر الشمالي وبين الانفصال وبناء دولة جديدة، فكانت دولة جنوب السودان التي تعد آخر دولة تنضم الى الأمم المتحدة في العالم والاتحاد الأفريقي في محيط القارة.
وقد سبق ميلاد الحركة الشعبية حركات عديدة رأت التحرر من ربقة ما اعتبرته هيمنة تقوم على ما ترسب في العلاقة التاريخية بين الشمال والجنوب في الرّق والتنمية غير المتوازنة والهيمنة الثقافية إلى أخر احتجاجات الحركات الانفصالية. وإن يكن قد تجاوزت الحركات السابقة في طرحها وقوتها التنظيمية والعسكرية التي جعلت من محيط جنوب البلاد وسكانها بهويتهم واثنياتهم التي تختلف عن الشمال الى تبني قضايا الوطن او بالأحرى اطرافه التي تعد في ادبيات السياسة السودانية ضمن مناطق ما يعرف بالهامش الجغرافي والإثني في مناطق النيل الأزرق وجبال النوبة وأخيرا دارفور. وتجلى هذا الجدل السياسي والثقافي فيما أسمته بمنفستو الحركة بصبغته الاشتراكية الذي حمل تصوراتها للقضايا التي بررت لها حمل البندقة.
وإن يكن تاريخها السياسي بدءا من تكوينها الى تكوين دولتها موضوع يطول البحث عنه وليس هذا معرض حديثه، وإنما يجدر التوقف عند المدى الذي حققَّت به اطروحاتها وفيما فشلت فيه من فرض رؤيتها في السودان الجديد. وهي رؤية بنتها على فوارق الهوية في سودان التنوع ونفذتها عسكرية بواسطة جناحها العسكري (الجيش الشعبي لتحرير السودان) وقد انطلقت كحركة عسكرية قوام قادتها الملحقون بالجيش عقب اتفاقية اديس ابابا 1972م. وإن كان مما يعده المراقبون وربما الباحثون اختلافها عن مثيلاتها من حركات سبقتها في (النضال) منذ تمرد توريت بعيد الاستقلال حركة (انانيا 1) الى السلام الذي اعقب الاتفاق الذي دام لعشر سنوات ثم ما تمَّ من خلط للأوراق السياسية وتمزيق الاتفاقية وعودة التوتر بين حكومة مايو وحكومة الحكم الذاتي في أقاليم الجنوب، وما يضاف من سبب رئيس تختلف حوله التأويلات حول تطبيق نظام مايو للشريعة الإسلامية 1983 عام انطلاق الحركة. والأمر الآخر فيما زعمته من طرح جديد وسعت عملياً إلى تطبيقيه بحل بمشكلات السودان وليس الجنوب بإعادة ترسيم الدولة السودانية على أسس التنوع، سودان بقوم على أنقاض ما عرف في أديباتها بالسودان القديم، ولعلها وجدت في انضمام شخصيات بارزة من الشمال ودعم من الأحزاب اليسارية وصولاً إلى انقلاب الجبهة الإسلامية 1989م وتكوين أكبر جبهة معارضة تجتمع في تاريخ السودان السياسي لمقاومة نظام ديكتاتورية الإسلاميين باسم التجمع الوطن الديمقراطي وكانت في تحالفها مع الأحزاب الشمالية الجناح العسكري الضارب. واتاح لها هذا التحالف السياسي ابرازها وجهها القومي، بل التشدد في زعمها بوحدة السودان على الأقل في رؤية قائدها الدكتور جون قرنق، وما طفقت تدعو اليه كتابات (شماليو الحركة) أمثال الدكتور منصور خالد وتحليلاته البنيوية في جذور أزمة الدولة السودانية.
وخلال تاريخها وحروبها الطويلة تأثرت الحركة الشعبية بالتطورات السياسية التي عصفت بالعالم في مرحلة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وعليه تحول خطابها الأيديولوجي وفقاً لمتغيرات الفكرية والاستراتيجية والعسكرية. وبقيت حركة عسكرية في الميدان ولكن سياسياً حركة براغماتية تتخضع لمنطق سياسات المحصلة في السياق السياسي في كل الاتجاهات من الاعتراف بمقومات الواقع في التصالح سياسياً مع النظام القائم إلى تراجع والتخفيف من حدة خطابها الطموح في حلِّ مشكلات البلاد إلى تكوين دولة في حدود مشكلة المكان. وبرحيل قائدها المفاجيء والمأساوي 2008م أصبح مشروعها الوحدوي عملياً عصية على التنفيذ ومن ثّم يأتي استفتاء على تقرير المصير 2011 ترجمة عملية لما بقي من مشروعها وولدت دولة جنوب السودان منفصلة بشرعية الاستفتاء عن الوطن الأم.
وفي غمرة احتفالاتها بعامها الثامن والثلاثين يحق أن نتساءل عما بقي من ميراثها السياسي والنضالي إلى أين انتهى؟ بعد ميلاد (تحرير) دولة جنوب السودان وانفراد الحركة بالحكم وما شهدته من صراعات دموية بين عناصر القبلية المتخلفة وما تعانيه من أزمات إنسانية داخل دولة أفريقية مغلقة الحدود، فإن المسافة بين خطابها في عام انطلاقها وتواجدها في داخل أراضي دولتها تكون دعاواها في سودان الوحدة والعلمانية والمواطنة والمساواة مكانها ليس الأرض التي ارادت أن تكون مجالاً لتطبيقات نماذجها المثالية وإن ظلت جيوبها (الحركة الشعبية لتحرير السودان -شمال) في مناطق هامش الحركة سابقاً النيل الأزرق وجنوب كردفان تتواجد في مسرح الأحداث العسكرية والسياسية والتفاوضية وتعالج قضاياها ضمن مناطق نفوذها قد لا تتعدى حلولها النظام الفيدرالي بصلاحيات أوسع وخاصة ان للفيدرالية في العقل السياسي الجنوبي والهامشي دلالة تاريخية وسياسية لا تنفك تعاود الظهور. وتشكل هذه الحركات التي المتفرعة عن الحركة الشعبية جزء من المنظومة التاريخية للحركة بما فيها تلك التي تحمل اسم الحركة وشعاراتها في مناطق كانت بعيدة عن تدخلها العسكري المباشرة كالحركات الدارفورية المسلحة التي تدين للحركة الشعبية ولا زالت جوبا عاصمة دولة الحركة الشعبية موقع تفاوض دائم على التوقيع على بروتكولات السلام باعتبارها مفاوضات تجرى بين سودانيين!
وتظل تجربة الحركة الشعبية وقائدها أكبر تحرك سياسي وعسكري استطاع بحرب عدت الأطول في تاريخ البلاد والقارة الافريقية وكلفة ضحايا الباهظة أن تصل إلى تحقيق نتيجة أيٍ تكن درجة الاختلاف حولها في إقامة جزءا من برامجها بالتحرير أو الانفصال. وبطبيعة الحال في بلد كما تراه الحركة يعج بالتنوع الهجين وفشل سياسيوه في تقدير مقوماته فإن ما انتهت اليه الحركة لا زال يلقي بظلاله على المناطق المشابهة وكيف أن منهج الحركة كما ترى بعض الحركات المسلحة أدى الى نزع الحقوق حرباً وتفاوضاً، ويغذي هذا الشعور تصاعد الأصوات الاجتماعية بفصل الأجزاء التي تشكل مصدر للمتاعب والأعباء التي يدفع ثمنها وطن لم يعد يحتمل المزيد من الحروب.
لايزال السودانيون في الشمال والجنوب مثل كل الشعوب التي عانت الانفصال الداخلي، يأملون في عودة الجنوب إلى حاضنة الوطن الأم ولو على أسس جديدة أو نظام كونفدرالي يقرب المسافة بين البلدين وفي اختيار الحركة جنوب السودان ما يترك الباب مفتوحاً لكل الاحتمالات.
#نشر بصحيفة_ الديمقراطي_ 30 مايو 2021م
anassira@msn.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم