الحزب الشيوعي: يولد الانقلاب من الثورة

 


 

 


IbrahimA@missouri.edu

    في "قبايل" الذكرى الخامسة والأربعين لانقلاب 25 مايو 1969 أنشر أدناه مشروع ورقة علمية أتقدم بها لسمنار عن الانقلاب والجيش في السياسات العربية أريد بهذه الورقة دراسة الحرج المأسوي للحزب الشيوعي السوداني الذي لا أعرف من توقى من الانقلاب العسكري مثله، بل حرّمه ثلاثاً، ثم أنتهى موزوراً في الممارسة بانقلابين في 1969 و 1971. وكاد الانقلاب الأخير أن يذهب بريحه. وتريد الورقة أن تخرج بهذا الوزر الشيوعي إلى رحاب التاريخ من نهج يومية التحري الذي خضع له تحليله لعقود بأسئلة من شاكلة من أمر بالانقلاب؟ ومن قام به؟ أو علم به؟ أو تستر؟ وهو نهج يفترض سيطرة القائمين على الشيء على فعلهم في التاريخ بينما يقوم نهج البحث التاريخي على أن للسياق الثقافي الاجتماعي الذي تقع فيه الحادثات جبراً على القائمين بها، وستقع المصائب أحياناً غصباً عنهم حتى لو أحسنوا التحسب للمستقبل.

    ستنظر الورقة في تطور النهج المعادي للانقلاب في الحزب الشيوعي كمسارعة فطيرة غير مأمونة العواقب على حركة التغيير الجماهيري "الصبور الدؤوب"، وهي العبارة التي اشتهرت عند عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب (1949-1971). ووجد النهج تعبيره البرنامجي الأدق في دورة اللجنة المركزية للحزب في مارس 1969 قبل شهرين من انقلاب جعفر النميري في مايو 1969. وهي الدورة التي اصطرعت حول وجوب التكيتك الانقلابي وخلصت إلى أن ""التكتيك الانقلابي بديلاً عن العمل الجماهيري يمثل في نهاية الأمر، وسط قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية، مصالح طبقة البرجوازية والبرجوازية الصغيرة".

    وسنبحث في الخبرة السياسة الشيوعية التي تجسدت في هذه العبارة القاطعة تطويراً لمفهومي لحرج الشيوعيين الأخلاقي حيال الخطة الانقلابية الذي ميزت فيه بين وجه الحزب الجماهيري "البروليتاري"، المتجسد في خطه السياسي الرسمي، وقناعه البرجوازي الصغير الانقلابي الذي نفذ قدره.

    وسنتناول سياسات وجه الحزب الجماهيري فيما يلي:

    أ-سنعرض لعقيدة الحزب في الطريق البرلماني للاشتراكية التي تواثق عندها مؤتمره الثالث مع بشائر استقلال السودان في 1956. وسنفحص مصادر هذه العقيدة متمثلة في 1) منشأه الوطني لا بين جاليات أجنبية كحال غيره من أحزاب الشيوعيين في العالم العربي، 2) سابقته في الحركة الوطنية التي ميزها الناس قبل اشتراكيته، 3) توطد جذره في الحركة النقابية للعمال والمزارعين والطلاب والمهنيين والنساء التي غلب في سائر انتخاباتها، 4) تقحمه الإنتخابات البرلمانية منذ برلمان الحكم الذاتي حتى أنه لم يخل برلمان من ممثل له. فلم ترهبه غزارة الأحزاب الطائفية السياسة فتلجئه إلى اليأس فالمخاطرة.

    ب-وسنرى كيف استصحب في عبارتة الناهية للانقلاب خبرته في مقاومة نظام الفريق عبود الانقلابي الدكتاتوري (1958-1964). فثابر على العمل الجماهيري ولم يقبل بتبني خطة حرب التحرير الوطنية الماوية التي تبناها بعض كادره وخرج عليه بتنظيم "الحزب الشيوعي، القيادة الثورية" في 1963. ولم يمر عام  على ذلك الخروج إلا صدق "الصبور الدؤوب" بزوال نظام عبود بثورة أكتوبر 1964 إثر الإضراب السياسي العام الذي اتخذه الحزب تكيتكاً منذ 1961.

     -وسندرس الذوق الذي نماه الحزب من خلال هذه الممارسة الجماهيرية ل"الحقوق البرجوازية الليبرالية". فأقتنع به بأن الكادحين أولى بها وأنهم سينتقلون بسلاسة من توظيفهم السديد لها في المضمار النقابي إلى النضال للاشتراكية والتشريع البرلماني لها على النطاق الوطني.

    د. وسنرصد المواقف المبدئية للحزب التي رفض فيها عروض انقلابية متمسكاً بخطه الجماهيري البرلماني. فرفض عرض إنقلابيّ البكباشي جعفر نميري من تنظيم الضباط الأحرار الذي خرج منه انقلاب مايو 1969. كما رفض عرضاً آخر من الضباط الشيوعيين للانقلاب على نميري لتصحيح انحرافات نظامه الوليد. وهو الانقلاب الذي وقع في يوليو 1971.

    ه. وسنلقي الضوء على استدراكات الحزب للانقلابات التي وقعت برغمه. فنعرض لاجتماع لجنته المركزية مساء يوم انقلاب نميري الذي رفض بأغلبية يسيرة اقتراحاً من عبد الخالق محجوب باعتزال الانقلاب وامتناع الوزراء الشيوعيين المعينين من قبله أداء القسم. ولم يحل هذا الرفض دون صدور بيان من المركزية للملأ أعادت فيه ما تواضعت عليه في دورة مارس 1969 من أن الانقلاب هو خطة البرجوازية الصغيرة غير مأمونة الجانب الثوري. وكانت هذه المشاركة في حكومة الانقلاب مع الممايزة الإيدلوجية عنها هي أساس تكتيك "دعم نظام مايو ودعمه" الذي قاد إلى انقلاب الضباط الشيوعيين التصحيحي قصير العمر في يوليو 1971.

    وفي كفة القناع سندرس ديناميكية الخط الحزبي الانقلابي المستتر الذي غطى على وجهه الرسمي الجماهيري. وسنفحص محاضنه المحلية والإقليمة والعالمية:

    أ-فقد عين الحزب البرجوازية الصغيرة في صفوفه كالحاضنة الاجتماعية للخطة الانقلابية (أو البلانكية في أدب الماركسية). وهي طبقة ظل يربي عضويته، وأكثرها أتى من صفوف هذه الفئة، على التحرر من نهجها وعقلياتها في مثل ما جاء في وثيقة دورة لجنة مركزية عنوانها "إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير" (1961). وسنعرض للفحولة السياسية لهذه الطبقة خلال الستينات المرصودة في أدب الحزب في مثل تقرير مؤتمره الرابع (1967): "الماركسية وقضايا الثورة السودانية". وخشي على نفسه والمجتمع من شرور ثوريتها.

    ب-وسننظر لتسمية الحزب هذه الفئة في صفوفه ب"اليائسين والمغامرين" في تقرير مؤتمره الرابع (1976) في ملابسات نكسة ثورة أكتوبر 1964. فأمغصت النكسة قادة الثورة من المهنيين واضغنوا على عودة القوى الحزبية التقليدية إلى صدارة السياسة. فتواصوا على استدراك الثورة بانقلاب من الجيش لاينتظرون الجماهير. وتسرب من ذلك التواصي خط الحزب الانقلابي المستتر الذي أسفر عن نفسه بصورة علنية في اجتماع اللجنة المركزية في مارس 1969 مؤيداً النهج الانقلابي بديلاً عن تكتيك الحزب الرسمي الهادف لمراكمة القوى الشعبية لتقطع طريق الردة الكاملة عن الثورة.

    ج-وسنرى ثقافة اليأس من الطريق البرلماني ضربت الحزب بعد حله وطرد نوابه من البرلمان في شتاء 1965، وهي الإجراءات التي توجت نكسة ثورة أكتوبر. وسنرى كيف التمس الحزب المخارج من عزلته السياسية حتى كاد يحل نفسه في ما عرف بمؤتمر الجريف (ضاحية بالخرطوم) (1966) في حزب اشتراكي عريض أسوة بالشيوعيين المصرين والاتحاد الاشتركي. كما حمل تقرير مؤتمره الرابع في 1967 سقماً من الديمقراطية الليبرالية التي لم تحسن إليه رامياً نظره نحو ديمقراطية جديدة مما ساد في النظم التقدمية العربية والأفريقية. وسنرى كيف سرعان ما استخلص الحزب نفسه من أسر ثقافة اليأس والمغامرة هذه في دورة اللجنة المركزية في مارس 1969. فرفض التكتيك الانقلابي بديلاً عن العمل الجماهيري، وتمسك بالديمقراطية الليبرالية واصفاً الديمقراطية الجديدة بأنها "صراخ من أعلى البيوت".

    د-سنمسح المحاضن العربية والأفريقية والعالمية التي شجعت النزعة الانقلابية بين الصفوة السياسة. فقد وجدت الصفوة القدوة في "حرق المراحل" بنظام تقدمي جاء عن طريق الانقلاب مثل عند عبد الناصر، أو مكن لنفسه بطريق الحزب الواحد مثل نكروما في غانا. وأحسن تعبير عن أسر القدوة على هذه الصفوة هو كتاب "حوار مع الصفوة" (1979 من مقالات نشرت في 1965). كما سنعرض لماركسية الدولة السوفيتية كحاضن عالمي للخطة الانقلابية في العالم الثالث. فسبق لها نصح الحزب بتخفيف العداء لنظام الفريق عبود الذي ابتدر التعامل الاقتصادي مع الدولة السوفيتية. ونمّت هذه الماركسية في منتصف الستينات نظرية كاملة عن الدور التقدمي للجيوش في البلدان النامية. فرفض عبد الخالق محجوب النظرية كلية بينما قبلها خصومه ممن ناصروا انقلاب نميري (أو حتى اشتركوا في تدبيره من وراء ظهر الحزب). وصارت نصوص النظرية السوفيتية شاهداً على ثورية نظام نميري وشطط تحليلات عبد الخالق محجوب الذي امتعض منه السوفيات ورموه بالدوقمائية.

    ه-وسنبحث في دور حاضنة الثكنات العسكرية في التشجيع على العمل الانقلابي. فما قام انقلاب مايو 1969 حتى ترحلت السياسة من الحياة المدنية إليها. فاستشرى الطموح للحكم وسط فئة الضباط، حتى بين الجنود وصف الضباط، وصار لهم القول الفصل في تغيير الحكم أو تصحيحه أو الإستئثار به دون الآخرين. وأعدى ذلك الضباط الشيوعيين فاستقلوا بخط سياسي انقلابي معتزلين الحزب. وتمكنت منهم هذه الخطة بعد فصل قادتهم من المجلس العسكري لنظام مايو في نوفمبر 1970. فدفعتهم عزتهم العسكرية ليقوموا بانقلاب ما زال الشيوعيون في حيرة عمن أمر به.

    و-وسنعرض للملابسات التي كف فيها الحزب عن تحليله الطبقي للانقلاب منذ 1971 تستراً على انقلاب ضباطه الشيوعيين الذي داوم على وصفه ك"حركة ثورية" ممطراً على شهدائه شآبيب الدمع.

    وسأعرض لذروتين دراميتين في تعاطي الحزب مع الانقلاب. فأنظر في الذروة الأولى في مفارقة سياسية موحية تماس فيها الخط الجماهيري والانقلابي وتداخلا لبرهة زمنية قليلة في كيان جبهوي في 1969 قصد أن يستنهض عملاً جماهيرياً للدفاع عن ثورة أكتوبر. وكانت المفارقة أن انقلاب 25 مايو لم يخرج من ذلك الكنف فحسب، بل أن بيانه الأول كان ضمن ما تواضع عليه ذلك الكنف من وثائق لاستنهاض الجماهير للدفاع عن الثورة من فوق وسائطها النقابية.

    وفي الذروة الدرامية الثانية سأعرض للمناقشة العامة الماركسية الحثيثة التي انفتحت في الحزب بعد وقوع 25 مايو 1969 حول إذا ما كانت الحركة ثورة أو انقلاباً. وتمثل الرأي الأول فيما عرف ب"وثيقة معاوية" (معاوية إبراهيم عضو اللجنة المركزية وسكرتير تنظيمي سابق للحزب) وقرر أهلها دعم مايو بغير تحفظ. ومثلت الرأي الثاني "وثيقة عبد الخالق محجوب" التي شددت على التمايز الايدلوجي عن نهج الانقلاب البرجوازي الصغير. وهي أوسع المناقشات الماركسية طرا تجاوزت حظيرة الحزب إلى دوائر سياسية واسعة. وتم حسم المناقشة لصالح رأي عبد الخالق في مؤتمر الكادر التداولي في أغسطس 1970 ليعقبه أكبر انقسام في تاريخ الحزب.

    أكبر ميزات هذا البحث، علاوة على أن القائم به شاهد عيان على الأحداث ومشارك في سائر أطوارها، أنه سينظر لعلاقة الحزب الشيوعي بالتكتيك الانقلابي في ضوء أدب الشيوعيين السودانيين المكتوب والشفاهي. وهو أدب مجهول حتى بعد أن أحسن فؤاد مطر إليه بنشر بعضه في كتابه "الحزب الشيوعي: نحروه أم إنتحر؟" (1971). فقد جرت محاكمة الشيوعيين عن علاقتهم بالانقلاب في أدبنا السياسيين بإهمال مطبق لأدب مؤتمراتهم، ودورات لجانهم المركزية، ووقائع اجتماعات كادرهم التداولية. وبالطبع كان لطبيعة هذه الوثائق الملاحقة أمنياً دخلاً في انحجابها عن الباحث في هذه العلاقة. وانتهى نظرنا فيها إلى تسوية الخطاب الشيوعي الدقيق المتشاكس عن الماركسية والانقلاب في صوت واحد: قال الشيوعيون كذا و فعل الحزب الشيوعي كذا.  

    ونراهن أن البحث سيساهم بقوة في جلاء مسألتين ناشبتين في دراسة الانقلاب في السودان:

    أ‌.       من شأن نظر الحزب الشيوعي للانقلاب (مهما كان الرأي فيه) كخطة طبقية وطاقة اجتماعية العسكريون والمدنيون فيها سواء أن يدفعنا لمراجعة نظرية سائدة من أن المدنيين في الأحزاب هم دائماً من دفع الجيش لتولي الحكم. وهذه مطاعنات صفوية مدنية من التلاوم أخلت الجيش من السياسة وجعلته مهنياً صرفاً يوسوس بالحكم له السياسيون الشرهون.

    ب‌.وتأسيساً على المنشأ الطبقي الذي إرتاه الشيوعيون بوسعنا أن نحسن تحليل انقلاب البشير بعيداً عن لونه السياسي الذي طغى في تحليله-إدانته ك"انقلاب إسلامي". والتحليل باللون السياسي هو حجة الشيوعيين وأضرابهم عليه بعد أن كفوا عن التحليل الطبقي الذي بدأوا به في الستينات. فإذا صدق تحليل الشيوعيين من أن الانقلاب خطة البرجوازية الصغيرة لبلوغ الحكم فأي برجوازية صغيرة كانت من وراء انقلاب البشير؟  

    عاش السودانيون 47 عاماً من سنيّ استقلالهم الستين تحت نظم قابضة نشأت من انقلابات العسكرية. ويريد هذه البحث المساهمة في تحسين تشخيصنا لهذه الآلية الخصيبة بالاستبداد الذي غلب عليه الارتجال والتلاوم خوف أن نقع في ماحذر منه ت س إليوت: "عشنا التجربة وغاب المعنى".

 

آراء