الدولة السودانية هشاشة الواقع وضبابية النموذج (تحديات الانتقال) (1)  .. بقلم: د. عصام الدين النور بلول

د. عصام الدين النور بلول 
أخصائي جراحة المخ والأعصاب
الباحث المتفرغ  بالمركز الفدرالي للمخ والأعصاب 
سانتبيترسبورج/ روسيا الاتحادية
قبل الدخول في صلب الموضوع لابد أن أشير إلى ملاحظة تبدو بديهية ولكنها هامة وهى أن التواصل عن طريق الكتابة اي الكلمة المكتوبة رغم أنه أصبح الأكثر انتشارا في واقعنا المعاصر إلا أنه في كثير من الأحيان يعتبر تواصلا مشوشا أو تواصلا غير فعال لأنه  لا يوصل المعنى الذي يريده الكاتب(لمرسل) بكسر السين،  وذلك لأن القارئ (المستقبل) بكسر الباء ، قد يحمل تفسيرات خاصة به وتختلف عن كلمات الكاتب التي أراد أن يرسلها،   وذلك لاختلاف الخلفيات المعرفية بين الطرفين. هذا الملاحظة تبدو أكثر أهمية حينما يكون المستهدف هو القارئ السوداني الذي يعيبه عدم وجود نظام معرفي متجانس بين أفراده نتيجة لعوامل كثيرة لعل أقواها (في نظري) هو ضعف المناهج المدرسية وعدم تطرقها للكثير من المفاهيم بصورة توحد الكثير من المفاهيم الأساسية بين أفراد الشعب الواحد . ونتيجة لهذه الملاحظة كثيرا ما يحتاج اي كاتب يريد المساهمة فى عملية التنوير المعرفي فى السودان من شرح بعض المفاهيم التي أحيانا تبدو أساسية وبديهية حتى يستطيع التواصل الفعال مع القارئ المستهدف. الشيء الآخر الذي نود أن نركز عليه في هذه السلسلة من مقالاتي المتتابعة بإذن الله حول تحديات الانتقال ، والتي أقصد بها الانتقال نحو دولة مواطنة لكل السودانيين كهدف نهائي منشود لهذه السلسلة من هذه المقالات. فهي ليس للترف العلمي أو المعرفي أو الفلسفة المجردة بل هو ضرورة وطنية ملحة لأننا كشعب وأمة نحتاج أن نؤسس لمعرفة وثقافة مشتركة بين أكثر فئات أمتنا السودانية تسمح لنا بالتفاهم والاتفاق على أرضية صلبة ومفاهيم من الوضوح بحيث يستطيع كل حد أن يتصور ما تتصوره الغالبية من الناس أو على الأقل الطبقات المثقفة ، حيث نجد أن علم السلوك قد اثبت أن الإنسان لا يتفاعل مع الكلمات في حد ذاتها بل ما تستدعيه هذا الكلمات من تصورات ذهنية وما تثيره من مشاعر ترتبط بتلك المفاهيم 1  فالانسان مثلا لا يتفاعل مع كلمة “كلب” الا اذا كان له صورة ومشاعر ترتبط بهذه الكلمة مثل الخوف او المحبة.
 وعطفا على هذه المقدمة عن الدولة السودانية فإن معرفة ماهية الدولة ، ومعرفة ظروف تكوين نشأة الدولة السودانية قد يكون أمرا ضروريا لفهم أعمق لماهية الدولة التي نعيش والتي ينبغي أن تقوم عليها قوانينا ودستورنا وحقوقنا وواجباتنا بل وتشكل تطلعاتنا واحلامنا ومسيرتنا نحوبناء المستقبل .
لعل الانسان ادرك بطبعه الاجتماعي وكضرورة من ضرورات التكيف والبقاء مع التاريخ البشري الحافل بالصراعات بين البشرانفسهم  انه لابد له من سلطة تنظم شئونة وتشكل له الحماية في التعامل مع الاخرين.
تتباين النظريات حول ظروف وأسباب انتقال الانسان من الحياة الفردية الي تكوين الدول حيث نجد ان اغلب النظريات السائدة تتفق علي ان العائلة ظهرت أولاً، ومن تعدد العائلات نشأت القبائل والعشائر، ومن صراع القبائل والعشائر وتداخلها بالمصاهرة والزواج أو بالدمج والاستعباد، تبلورت التكوينات الأولى للدول، ككيانات اجتماعية أكثر تعقيداً وتشابكاً، كما ظهرت بشكل تدريجي سلطة من نوع مختلف عن سلطة رب الأسرة أو شيخ القبيلة، وهي السلطة السياسية المنظمة بمفهومها الحديث.
أن ظهور الدولة نفسها فى تاريخ البشرية وبالتالي ظهورمفهومها يعد امرا حديثأ نسبيا ، أذ تقدر بعض الدراسات ان الانسان وجد في هذا الكوكب قبل نحو 350 الف سنة ولكنه لم يعرف الدولة الا قبل نحو 4500 سنة فقط    3و2
ولم يتبلور مفهوم الدولة الحديثة (The Concept of State) الا بعد مؤتمر وستفاليا (اوسبورج) في العام 1555م والذي ينظر اليه كأول معاهدة في التاريخ أفرزتَ اعترافاً عاماً بالسيادةِ الحصريةِ لكل دولةٍ على أراضيهِا وشعبِهِا والوكلاءِ الخارجيينَ لهَا، وبالمسؤوليةِ عنِ الأعمالِ الحربيّةِ لأولئكَ المواطنينَ والوكلاء 4 وهو ما قام عليه مفهوم الدولة الحديثة الذي نناقشه اليوم.
تعرف الدولة ” State” بتعريفات مختلفة ولعل التعريف الأكثر شيوعا  هو تعريف المفكر الألماني ماكس فيبر – Max Weber إذ عرَّفها بأنها منظمة سياسية إلزامية مع حكومة مركزية تحافظ على الاستخدام الشرعي للقوة في إطار معين الأراضي 5
كذلك هنالك تعريف آخر مقبول عموماً للدولة هو التعريف الوارد في اتفاقية مونتيفيديو – Montevideo بشأن حقوق وواجبات الدول في عام 1933. وقد عُرِّفَتْ الدولة بأنها: مساحة من الأرض تمتلك سكان دائمون، إقليم محدد وحكومة قادرة على المحافظة والسيطرة الفعَّالة على أراضيها، وإجراء العلاقات الدولية مع الدول الأخرى 6 و7
ولعل جميع هذه التعريفات تشير بوضوح لركن الدولة الأساسي وهو السلطة السياسية المنظمة التي تمارسها الدولة على الافراد.
أما فيما يخص نشوء الدولة والأسباب وراء ظهورها فهنالك اربع نظريات رئيسية
1. نظرية الحق الإلهي : يعتقد اصحاب هذه النظرية ان الدولة تعود نشأتها للإله  وان الإنسان ليس عاملا أساسيا في نشأتها وان الإله هو الذي اختار لها حكاما ليديروا شؤونها وماعلى الرعية الا الطاعة للحاكم. هذه هي النظرية التي سادت أوربا قبل عصر النهضة ولقد ارتبطت ارتباطا وثيقا بالتعاليم الكنسية والتحالف بين رجال الدين والحكام ، وبموجب هذه النظرية فالإنسان المؤمن لابد له من خضوع للحاكم كشكل من الخضوع للاله ، ونجد آثارها امتدت حتي للفقه الإسلامي والكثير من الدول الحديثة في العالم الإسلامي والتي يعتبر الخروج على الحكام هو خروج علي الله (انظر الأحكام السلطانية للماوردي)
2. ثانيا: نظرية القوة: ترى هذه النظرية أن الدولة نشأت من خلال الصراع بين فئات المجتمع وأدت الي سيطرة الأقوياء على الضعفاء و إن كثير من المجموعات الحاكمة اعتمدت على القوة في الوصول إلى الحكم مستغلة خوف وقلق الافراد من الحروب وحبهم الأمن والاستقرار وهي وسيلة في بناء الدولة وقوتها.
3. ثالثا ،النظرية الطبيعية إن أساس هذه النظرية مبني على طبيعة الإنسان الاجتماعية وحيث أن الإنسان لا يستطيع العيش منعزلا عن غيره من الأفراد، فلا بد أن يتعاونوا من خلال تفاعلاتهم الاجتماعية المختلفة ومن هنا رغبت الجماعات في أن يكون لها قيادة أو سلطة من ثم دولة ذات سيادة وسلطة.
4. رابعا: نظرية العقد الاجتماعي: ترى هذه النظرية أن أفراد الشعب أجمعوا على قيام الدولة من خلال عقد اتفاقات بين مجموعة الأفراد (مع الحاكمين) حيث يتقبل الشعب حكم الدولة مقابل تلبيتها حاجات الناس الأمنية وتنسيق علاقاتهم مع بعض وقد نادى بهذه النظرية بعض المفكرين السياسيين مثل: توماس هوبز وجون لوك. حيث يري جون لوك John Locke ن الأفراد تعاقدوا فيما بينهم أولاً لإقامة المجتمع أو الدولة ثم تعاقدوا بعد ذلك مع الحاكم وتنازلوا له عن جزء من حقوقهم، وليس عن حقوقهم كلها” أما جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau فقد رأى أن الإنسان الفرد الذي اضطر، بسبب زيادة السكان، إلى التخلي عن حرياته بموجب عقد أبرمه مع الأفراد الآخرين، لم يتخل عن هذه الحقوق لفرد وإنما للمجموع وحسب رؤيته فإن السيادة لا يمكن التنازل عنها وإنما تظل في يد الإرادة العامة. ولأن الحكومة ليست سوى خادم لهذه الإرادة، وما تتمتع به من سلطة حصلت عليها من الشعب صاحب السيادة وبطريق التوكيل، فإن هذه السلطة يمكن سحبها في أي وقت إذا ما أخل الموكل إليه بشروط العقد أو التوكيل.
نشوء الدولة السودانية:
كان السودان قبل الاستعمار الأول ونقصد الاستعمار التركي _الألباني (محمد على باشا) في العام  1821 م، ممالك ودويلات متفرقة ومتناحرة فيما بينها حيث نجد سلطنة دارفور والمساليت والداجو في إقليم دارفور وحكمت سلطنة المسبعات إقليم كردفان من الأبيض، اما وسط وشمال وشرق السودان فقد حكمه تحالف الفونج والعبدلاب الذي عرف بدولة سنار8. اما جنوب السودان فلم يكن أصلا يتبع لاي من بل كان يعيش حكما قبليا في حدود القبيلة حيث لكل قبيلة قوتها وارضها. هذه المكونات التي اوردناها لم كانت متناحرة فيما بينها وجميعها عانت من تسلط اشبه بنظام الاسترقاق. وعندما جاء المستعمر راينا كيف انه اخضع قبائل شمال السودان بقوة السلاح الناري بعد ملاحم بطولية من قبائل الشايقية والجعليين فيما يعرف بمعارك كورتي وحملات محمد بك الدفتردار الانتقامية ضد الجعليين، والتى ارعبت بقية مناطق السودان وأدت لاستسلام سلطنة سنار دون مقاومة تذكر. فكانت محصلة القوة الاستعمارية وقع السودان قهرا تحت الحكم الاستعماري الا بعض مناطق دارفور9
وعند ظهور المهدية  أولا في النيل الأبيض في الجزيرة أبا تحيدا نجد ان الذين انضموا طواعية للامام المهدي حوالي 300 شخص جلهم من قبائل النيل الأبيض مثل كنانة ودغيم ودويح والحسنات  لم يختار الناس الانضمام الي  الامام المهدي وجيوش الخليفة الا بعد ان ظهرت بوادر القوة العسكرية  في معركة الجزيرة أبا ومن ثم معركة الشلالي، ثم كانت فاتحة الانتصارات في معركة شيكان الفاصلة ضد جيش هكس التي جعلت كل أغلب ممالك دارفور  مثل مملكة المساليت القوية ومملكة الفور والداجو مبايعتها للمهدي وتستسلم الأبيض بعد مقاومة قليلة وباقي كردفان وتعلن قبيلة الكبابيش الرافضة للمهدية الخضوع للمهدية 10، مما مهد للمهدي التحرك لتحرير الخرطوم وإعلان الدولة في ام درمان وبسط هيبتها على أكبر مناطق السودان الحالي ، ولعل أكبر دليل على خضوع أغلب مناطق السودان برهبة قوة المهدي العسكرية وليس اختيارا هو ما حدث من تآمرات على الدولة المهدية والعمالة للخارج المصري والاستعانة به لإسقاط دولة الخليفة حيث نجد أن أغلب الضربات الموجعة والمميته لجيش الخليفة كانت من الفرقتين التاسعة والعاشرة والتي قوامها السودانيين أنفسهم 11     أما ما يخص الدولة الحالية نجد انها تكونت في عهد الاستعمار الإنجليزي المصري(1898- 1956 م)  وورثتها المؤسسة العسكرية الحالية .
عليه بالنظر للسرد التاريخي السابق ،والمتتبع لتاريخ نشوء الدولة السودانية الحالية بحياد علمي ومنهج تاريخي لابد ان يخلص الى ان الدولة السودانية الحالية قد تكونت ونشأت وفق نظرية القوة بل ليست القوة التي تنتجها عوامل الاحتياج من الفرد او القبيلة نحو الدولة بل تكونت الدولة بفعل قهري تاريخي من اعلى الى اسفل. حيث لم يختار أي من أبناء وبنات الوطن اختيارا ان يتنازل عن حقوقه الشخصية الي الدولة .
أعتقد ان محاولات اغفال حقيقة ظروف تكوين الدولة السودانية الحالية والتجاوز البرغماتي بالاعتماد علي سياسة الامر الواقع يمكن ان ينتج عنه عواقب كارثية مثل تفتت الدولة في حالات ضعف سلطتها مثل التحول الى مؤسسات ديموقراطية ، بل الواجب ادراكه والتعامل معه بادوات واقعية وباستراتيجيات طويلة المدي.
ولعل هذه الحقيقة التاريخية ضرورية لأنها قد تفسر كثيرا من حالة انعدام الوطنية والعلاقة شبه العدائية او المتمردة  مع مؤسسات الدولة المختلفة على امتداد تاريخنا المنظور ولعل مشهد الاصطفاف مع الاجنبي والقوى الدولية والاقليمية قد تكرر ضد حكومة البشير
( 2019-1989 ) حتى أصبح التخابر مع الأجنبي والتآمر معه ضد الدولة عملا يعتبره الكثيرون عملا نضاليا ووطنيا ولا يستحق الوصمة او الخيبة أو المحاكمة. أما في الحياة الاعتيادية فهنالك أدلة كثيرة ومظاهر تدلل على ضعف الروح الوطنية فمثلا نجد ان كل من عمل في دول الخليج يستطيع ان يلاحظ كيف يتعامل المغترب السوداني مع بلاده في مسألة الولاء والوطنية مقارنة مثلا بالشعوب الأخرى مثل الشعب المصري  او الفلبيني  ، ولعل أوضح مثالا على ذلك هو إدارة المدخرات المالية،  ومع ادراكي لوجود عوامل مالية خاصة بقطاع البنوك والمقاطعة الامريكية على بلادنا الا ان ضعف الثقة فى الدولة وضعف الوطنية يظل العامل المحوري الذي يفسر الكثير من سلوكياتنا كسودانيين، ولعل ما يدعم ما ذهبنا له هو أحجام المغتربين والمهاجرين السودانيين عن نقل مدخراتهم لداخل الوطن حتي لحظة كتابة هذه السطور رغم ان الإجراءات المصرفية والأسباب الخارجية قد زالت.
 وبالتالي إذا أردنا ان ننتقل الي دولة قوية ومستدامة فلابد من تفهم ظروف تكوين الدولة السودانية وبناء نماذج للوطنية تتسم بالعمل الطويل والممنهج لإزالة حاجز الخوف والعداء بين المواطنين والدولة وسنفرد لهذه  النقطة مقالا خاصا يقترح بعض الاستراتيجيات طويلة المدي وبعض التجارب الفذه من تاريخ الأمم حول العالم  ..
———————————–
الهوامش والمصادر
1. Schramm, Wilbur. “How communication works.” 1954 (1954): 3-26.
2. Harari, Yuval Noah, and A. Sapiens. “A brief history of humankind.” Publish in agreement with The Deborah Harris Agency and the Grayhawk Agency (2014). Page 4
3. https://www.scientificamerican.com/arabic/articles/news/homo-sapiens-lived-before-350-thousands-years-ago/
4. اتفاقية او صلح وستفاليا اوسبورج https://ar.wikipedia.org/wiki
5. Beetham, David. “Max Weber and the legitimacy of the modern state.” Analyse & Kritik 13.1 (1991): 34-45.
6. مقدمة في علم السياسة والعالقات الدولية / أ. هادي الشيب- د. رضوان يحيى-–ألمانيا المركز الديمقراطي العربي للنشر،2016.
7. تاريخ السودان القديم و الحديث وجغرافيته, نعوم شقير ص 23-34
8. من أبا الى تسلهاي .. حروب حياة الإمام المهدي عبد المحمود أبو شامة
9. 1973 ) دار النشر جامعة الخرطوم معركة كرري عصمت زلفو
10. نغس المصدر
11. نفس المصدر
isambaloul@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً