الرُعب من ” منتدى السودان الفكري”

 


 

 

 

( كلما سمعت كلمة مثقف تحسستُ مسدسي) " جوزيف غبوبلز ": صاحب آلة الدعاية النازية

  (1)   في المهاجر العربية ، تراءت فكرة لنفرٍ من السودانيين أن ينشروا علوم مهنهم كمنهج ثقافي يتنور به كافة السودانيين ، وبديلاً عن الحديث الذي تحمله الرياح : من حضر غَنِم ومن غاب خسِر . جسم فكري ، لا رأس له ولا ذيل . فكرة الموضوع يحضِّر لها محاضر، ويقدمه آخر. ساعة للمحاضرة وساعة للحوار المفتوح ، وذلك مساء الاثنين من كل أسبوع في نادي السودانيين. ليس المنتدى حزب سياسي، ولا حكومة ولا معارضة ولا يحزنون. لو كانت به شبهة من ذلك لدبّ الخلاف، وتفرق الجميع أيدي سبأ كما نعرف من التجارب .  

(2)   بدأ الأمر في يونيو من العام 2006 ويتبع للنشاط الثقافي الاجتماعي لنادي السودانيين بأبوظبي، وينهض وفق قوانين دولة المهجر ، وكانت الفكرة إحياء منبر يُعنى بالفكر ، كالتي كانت في ثلاثينات القرن الماضي أيام الحاكم العام " سايمز" : "جماعة أبوروف" و "جماعة الهاشماب" قبل أن تتأسس الأحزاب ، ومثلها ندوة الأربعاء للمفكر " عباس محمود العقاد " و ندوة الشاعر " عبد القادر الكتيّابي " وندوة المفكر " عبدالله حامد الأمين " بنادي الخرجين بأم درمان في الستينات .   إن قضية الفكر ، هي قضية أكبر من سعة التنظيم العقائدي أو السياسي ، لا يهم الفكر الحشد التنظيمي ، أو الكثرة الجماهيرية ، فأهل الفِكر وَجدوا أنفسهم ، بعيدين عن أهداف التجمعات الكمية ، والغلبة والمغالبة . وهي ليست بهدفٍ يتقاتل عليه القادة من الذين تربوا في مدرسة الكادر أو في الأسر الإخوانية .   إن الحوار في "منتدى السودان الفكري " هو الشريان الذي يربط الجميع بالرأي الحر ، والتداول بشأن القضايا ، ليس جرياً وراء إلقاء التُهم أو تبرئة لشخوص ، بل التناول الموضوعي لأي القضايا من مظانها العلمية والفنية . وقد انتظر الجميع ليتعرفوا علينا ، ولم يصدّقوا أن الأمر ساحة فكرية لتنشيط الحوار البناء ، ولسنا في ميدان غزو أو جهاد لنُحصي الغنائم ولنوزع الفيء .  

(3)   بدأت الموضوعات التي تم تناولها فكرياً تدب دبيباً ، واحدة خلف أخرى . بدأنا بقضية التعليم العام ، ثم التعليم العالي في السودان ، وقضية الهوية وتناول الخطاب الفكري لمقولة " السودان الجديد " وماذا تعني الفكرة ، ولسنا معنيين هنا بقصة الحركة الشعبية سياسياً أو حربياً ، مع أو ضد .   تناولنا قضية " التصوف في السودان " ، وكانت سلسلة من المحاضرات ، أقامها مختصون وممارسون ، وتناولنا قضايا متفرقة تدور حول الاقتصاد ، وأزماته على مستوى الإنسانية ، واقتصاد المشاريع الصغرى وأزمات البالون الاقتصادي العالمي الذي ظهر أعوام 2008 و2009، وقضايا الإدارة وتفرعاتها وقضايا التاريخ الذي يحتاج الحفر في الأرض والبشر والحجر ، لنتعرف على ما خفيّ من التاريخ الحقيقي للسودان بأرضه الواسعة وشعوبه المؤتلفة والمتفرقة . وتناولنا تاريخ الإنسانية الأولى في إفريقيا ، وتاريخ الحركة المهدية في السودان ، محاضرات عن ثقافة " النوبة " وتراث كردفان" و " طقس العبور عند الشُلك " . وتناولنا تاريخ الأغنية في وسط السودان ، بعد دخول السكك الحديدية والنظام الإداري ، والخزانات والجسور ومشروع القرن " مشروع الجزيرة " وما تناولته الحداثة من نمو التجارة والزراعةوالحِرف ، وظهور طبقات جديدة ، هي في حاجة لفن غناء يناسب النقلة الحداثية للمجتمع والاقتصاد ، وتناولنا مرحلة ما تسمى " أغنية الحقيبة " ، بداياتها من " ود الفكي " وتطورها. وانطلقنا بمجموعة من المحاضرات تُثري الحياة الثقافية في مناطق السودان الريفية ، واستقدمنا الشعراء والغنائيين والموسيقيين ، وتم تقديمهم في إطار فكري : الاسهام ، والتطور ، والعقبات والتنوع . وقدمنا يوم عن " التاج مصطفى " ويوم عن " عثمان حسين " ويوم عن الشاعر " أحمد محمد الشيخ " الجاغريو " ويوم عن " محمد وردي " ويوم عن "إبراهيم عوض" ويوم عن الإعلام ، واستضفنا الراحل البروفيسور "عبد المنعم بله " في مجموعة من المحاضرات ، وكذلك استضفنا الراحل الأستاذ " علي محمد صديق " واستضفنا الإذاعي الراحل " عمر عثمان " ، وقدمنا كتب وأقاصيص وروايات ودواوين ، فالأبواب مفتوحة للجميع .

  (4)   حاولنا قدر المستطاع توثيق المحاضرات ، ولدينا في " اليو تيوب " ذخيرة وافرة من المحاضرات والتقديم للأسفار والكُتب والدواوين الشعرية ، وأسهمنا في فتح ملفات عن نشاط "منتدى السودان الفكري" في مدونة " سودانيزأونلاين " ، وهي جميعاً مبذولة للجميع . خلال تسع سنوات لم يزل " منتدى السودان الفكري " فكرة مستهجنة يرغب أصحاب العقائد السياسية ابتلاعها ، فاستعصت عليهم لأن المفكرون من أصحاب العزائم ، لا يلزمهم المال ولا عبدته ، ولا تشغلهم السلطة عن القضايا الفكرية . وعندما أقمنا " جمعية عمومية ذات يوم للمواظبين حضورالمنتدى وأصحاب الفكر لمناقشة المسيرة . ظن السياسيون العقائديون أنها جمعية عمومية ، فحشدوا لها من ليست له علاقة بالثقافة والفكر لابتلاع المنتدى ، وخرجنا بأن المنتدى جسم ليست له لجنة ، وليست له ميزانية ، وليس له رئيس أو سكرتارية . لا يشبه الأحزاب ولا عقائدية حزب الحكومة ولا التجمعات الدينية والطائفية . حشدت الأجهزة التي تَعرِف نفسها جماهير لا علاقة لها بالمنتدى أو محاضراته ، أطلّت علينا أوجُه لم يعرفها المنتدى من قبل، جاءت لتشكيل اللجنة والتصويت ! . كم من أنصاف المتعلمين والمأجورين الذين قدِموا من السودان لابتلاع الرأي الآخر . لم يكفهم الوطن وأحزان بنوهوبناته، بل جاءوا لينزعوا منبر الفكر من أهله ، ظناً منهم أنه منبر معارضة ! . باءت الحملة بالفشل ، لأن الفكر قضية لا تهم الدولة ولا معارضيها . ولسنا نُبشر بتنظيم صفوي ماسوني يهُمّ الخاصة ، بل الباب مفتوح للجميع للمعرفة ، وقد تربى وسطنا جيل من أبناء وبنات المهاجر ، كان في حاجة لتفكيكالقضايا الفكرية وربطها بالوطن . هذه المهام يقصر عنها من يعتبرون " منتدى السودان الفكري " يمس أمن الوطن ! .

  (5)   إن قضية أمن الوطن والمواطن ، معروفة في السودان ، الذي فتح حدوده لكل من هبّ ودبّ . ليست هنالك من حدود . يهاجر من يشاء ويقيم من يشاء ، ولا أحد من الغيورين على أمن السودان يشتغل على الهجرة إلى السودان وتغيير الحالة الديمغرافية للوطن التي أضحت حقيقة ماثلة للعيان ، وتغيير ثقافاته بعوامل الهجرة غير المقننة . هذا هو عمل الأجهزة الأمنية وفق ما نرى قبل التطلع لقضايا " الفِكر " ، ونحن نعلم أن  فاقد الفكر لا يعطيه !. ساحة الأمن هي قضية يتعين أن يصرف لها جهاز الأمن وقته وبطانته وماله، لا أن يستقدم الفاقد التربوي في المهاجر لتدبيج التقارير عن الأبرياء بدعوى تهمة خدمة المعارضة ، والوقوف ضد " الإنقاذ " !. ألا يكفي مصادرة الحريات والصحف ودور النشر وحل اتحاد الكتاب وحل مركز الدراسات السودانية والقرصنة المتتابعة ضد المدونات الحرة في الإنترنيت !. هذا الرُعب المخيف من "منتدى السودان الفكري" ، ليس له مبرر ، وقضايا الفكر تهمّ منْ ينظر الأفق البعيد ، ولا أعتقد أن المشتغلين بالسياسة لديهم وقت للرؤى الفكرية ، فهم من " يحبون العاجلة " !!. قال تعالي في محكم تنزيله : { إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ... } الإنسان 27   عبدالله الشقليني 11 أغسطس 2015    الرُعب من " منتدى السودان الفكري" للتفضل بالنشر عبد الله الشقليني

abdallashiglini@hotmail.com

 

آراء