الزراعة والماشية والغذاء في السودان القديم .. بقلم: محمد السيد علي

 

لقد وفرّت الزراعة التي قامت على إمتداد الشريط الضيق لوادي النيل ، وفرّت للشعب الكوشي موارده الغذائية الضرورية . في كل عام كانت بلاد النوبة العليا التي يغمرها الفيضان تؤمن مساحات من الأراضي الزراعية الخصبة . لقد إستخدم الكوشيون الشادوف لري الأراضي الزراعية وأستخدموا الساقية في الفترة المروية المتأخرة ولجأوا أيضا إلى حفر الحفائر التي تعتمد على تجميع مياه الأمطار مع أنها لا تسد الحاجة لري المزارع .

يبدو أن المحصول الرئيسي الذي كان يزرع في السودان القديم هو الذرة الرفيعة والدليل على ذلك هو ظهوره على الفخاريات الكوشية . ربما كان الطموح في التوسع في الزراعة هو السبب الرئيسي في التوسع في السودان الشرقي ، لا سيما في منطقة البطانة حيث يسهل هناك زراعة الذرة الرفيعة وكذلك القمح والشعير ولكن بكميات أقل من الذرة الرفيعة . كذلك أشارت الحفريات الأثرية إلى أن البازلاء والعدس كانا موجودين . أما التمر فقد كان أكثر الثمار توفرا في سودان وادي النيل ، كذلك الدوم وثمار أخرى مثل البرتقال ، التمر هندي ، القريب فروت . أما القطن فقد زرع على نحو واسع في مملكة كوش ووكان يستخدم في صناعة الملابس المحلية وربما كان ينقل إلى أماكن أخرى . لقد عثر على ملابس قطنية بوفرة في المدافن الكوشية بما في ذلك مدافن كرمه .

تربية المواشي عند الكوشيين : بخلاف المصريين فإن الكوشيين توسعوا في تدجين المواشي والخراف . لقد عثر على الكثير من عظام الخراف في معابد القربان ومطابخ المعابد في كرمه ، فقد جرت التضحية بالكثير من المواشي في كرمه ، مما يشير إلى أهميتها في الحياة الكوشية ووجدت كذلك تصويرات للظباء مما يشير إلى أنها ربما كانت تؤكل . كذلك جرى تدجين البط والأوز والدجاج ، ربما من أجل لحمها وبيضها ، مع أن معطيات المدافن كانت تشير إلى أن الخراف والأغنام كانت أكثر رواجـــــا من الطيور ، ربما بسبب لحومها . كذلك كان لبيض النعام رواجا فقد وجدت أنواعا من بيضها في الكثير من مدافن كرمة . مع أن الخنازير كانت تربى بأعداد محدودة ، إلا أن أكل لحم الخنزير كان محرّما في الثقافة الكوشية مثلما هو الحال في الثقافة المصرية وثقافات الشرق الأدني الأخرى .

كذلك كانت الأسماك متوفرة وقد عثر على بقاياها في مواقع مختلفة . إن صيد الأسماك في السودان ، نشاط يعود إلى ما قبل التاريخ وربما قبل تطور الزراعة وكان بمثابة أحد الأفضال الرئيسية لنهر النيل بالنسبة للسكان الأوائل ، ويظهر الدليل الآتي من كرمه والعائد إلى القرن أو الخامس قبل الميلاد إلى أنّ الكوشيين كانوا يأكلون الأسماك ، لا سيما المرق منه . أما اليوم فإن السمك يجفف ، يملّح ، ثم يغلى مع الماء ليصنع نوعا من الطعام يعرف بالفسيخ . كذلك جرى تدجين الطيور ، البط ، الأوز والدجاج .، فيما كانتّ الأنعام ، الضان والأغنام أكثر شيوعا في أكلها من الطيور . في المقابل كان صدف بيض النعام يستخدم في صناعات متنوعة على نطاق واسع . في المدافن القديمة لكرمه كان بيض النعام شائع الظهور بشكل كبير . أما اليوم فإن بيض النعام يستشهد به في الفكلور السوداني كطعام . أخيرا فإن مائدة طعام مروي تقدم برهانا مثيرا على تنوع الطعام في المملكة الكوشية القديمة . تظهر المائدة فيما تظهر : العنب ، شرائح اللحم (ربما الضأن) ، الأوز المعد ولفات الخبز .

msaidway@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً