بقلم: مجدى رشيد
منذ لحظة الاستقلال، لم يعرف السودان استقرارًا سياسيًا دائمًا. على امتداد أكثر من ستة عقود، ظلّ الوطن يدور في حلقة مفرغة من الأزمات والانقلابات وتجارب الحكم الفاشلة. هذه الحالة العبثية يمكن تلخيصها ببساطة في عبارة الفنان السوداني الراحل حمد الريح:
“الساقية لِسَّه مدوّرة” — عبارة غنائية تحوّلت إلى توصيف عميق لحال أمة تتقدّم خطوتين إلى الأمام، لتعود ثلاثًا إلى الوراء.
تاريخ السودان السياسي هو سلسلة متصلة من الانقلابات العسكرية التي اغتالت حلم الدولة المدنية، وأجهضت مرارًا طموحات الشعب في تأسيس وطن ديمقراطي عادل، يقوم على حكم القانون والمواطنة. هذه الانقلابات لم تكن عفوية، بل كانت انعكاسًا لبنية نخبوية لم تتصالح مع مفهوم الدولة الحديثة، واستمرّت في إعادة إنتاج نفسها تحت شعارات مختلفة.
وفي فترات ما يُسمّى “التحول الديمقراطي”، لم تكن التجارب أفضل حالًا. إذ هيمنت على المشهد نخب تقليدية لم تتحرر من الطائفية الدينية والقبلية، وظلّت تدير الحكم بعقلية الغنيمة، لا عقلية الدولة.
نخبٌ فشلت في بناء المؤسسات، وتعامت عن تطلعات الشارع، وسرعان ما انزلقت نحو الصراع على السلطة، مكرّسةً ذات النمط الذي ثار عليه الناس مرارًا.
وقد عبّر المفكر والوزير الراحل د. منصور خالد عن هذا الواقع المزمن بدقّة حين وصف الطبقة السياسية السودانية بأنها:
“نخبة مدمنة للفشل” — نخبة تُعيد أخطاءها كل مرة، وتُقصي كل من يحاول كسر الحلقة، وترفض التنازل عن سلطة لم تحسن إدارتها أصلًا.
اليوم، وبعد كل ما مرّ به السودان من انتكاسات، تبدو الحاجة إلى قطيعة حاسمة مع الماضي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. قطيعة مع الانقلابات، مع الطائفية، مع عقلية الزعامة الوراثية والمركزية السياسية التي أهملت الهامش وعمّقت الانقسام.
لن تتوقف “الساقية” وحدها. إنها بحاجة إلى من يفكك دوّارها.
وإما أن نفعل ذلك بإرادتنا، عبر مشروع وطني جامع، بقيادة جيل جديد واعٍ ومؤهل،
وإما أن نظل ندور في ذات الدوامة، جيلاً بعد جيل، نستهلك الأمل، ونبدّد ما تبقى من الوطن.
مجدى رشيد
اكاديمى ومهنى
المانيا فى ٢٤يونيو ٢٠٢٥
magdi.rashied@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم