عبد المنعم عجب الفَيا
تكتنز نصوص الطيب الطيب صالح الابداعية بمعارف ورؤى كونية قادرة على مخاطبة الإنسان في كل زمان ومكان. ومن هذه المعارف، معرفة الذات والآخر، أو جدلية الأنا والآخر.
واذا كانت السودانوية هي الإقرار بكل المكونات والأصول والاعراق دونما تمييز، فإن قصص الطيب صالح ورواياته، بخلاف ما يظن البعض تقدم نموذجا ممتازا على الإقرار بالتعددية الإثنية والثقافية التي تموج بها بنية المجتمع السوداني.
فالمعروف أن الطيب صالح يتخذ من قرية سودانية متخيلة تسمى (ود حامد) مسرحاً لأحداث قصصه ورواياته، وتمثّل هذه القرية صورة مصغرة إثنيًّا وثقافيًّا للسودان الكبير. فمن هو ود حامد الذي سميت عليه هذه البلدة؟
في قصة (دومة ود حامد) قال الشيخ العجوز لمحدثه الذي جاءهم زائرًا من البندر: “.. هل أقص عليك يا بني قصة ود حامد؟”
“حدثني أبي عن جدي: كان ود حامد في الزمان السالف مملوكًا لرجلٍ فاسق، وكان من أولياء الله الصالحين يتكتم إيمانه ولا يجرؤ على الصلاة جهارًا حتى لا يفتك به سيده الفاسق. ولما ضاق ذرعًا بحياته مع ذلك الكافر دعا الله أن ينقذه منه. فهتف به هاتف أن أفرش مصلاتك على الماء، فإذا وقفت بك على الشاطئ فانزل. وقفت به المصلاة عند موضع الدومة الآن، وكان مكانًا خرابًا.”
إذن إن الجد الذي أسس قرية (ود حامد) مسرح أدب الطيب صالح، إفريقي أسود. والكاتب يصوِّر ود حامد وكأنها تمثِّل بدايةً أولى أو أصلا أول. كأنها انشقت عنها الأرض، فلا أحد يذكر أصل نشأتها. وفي ذلك تماس مع أحدث النظريات التي تذهب إلى أن إفريقيا الموطن الأول للجنس البشري. وكون أن ود حامد إفريقيًّا أسود، ووليّ صالح استدعاء لذلك الأصل الأول ممثلا في آدم الذي اشتق اسمه من الأدمة، وهي السمرة والسواد، ومنها الأديم، وجه الأرض، أي التراب.
وأما الأم الإفريقية، نجدها ممثلة في أشهر شخصية روائية في الأدب العربي الحديث، وهي شخصية مصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة إلى الشمال. فقد “كان أبوه من العبابدة، القبيلة التي تعيش بين مصر والسودان. ويُقال إن أمه رقيق من الجنوب. من قبائل الزاندى أو الباريا”.
وحين سألت إيزابيلا سيمور، مصطفى سعيد: “ما جنسك؟ هل أنت أفريقي أم آسيوي؟” أجابها: “أنا مثل عطيل. عربي أفريقي”.
وعطيل الذي يشبِّه به مصطفى سعيد نفسه، هو بطل مسرحية (عطيل) الشهيرة لوليم شكسبير وهي مأخوذة من قصة القائد الأسود الأفريقي والذي نشأ في إيطاليا في القرون الوسطى، وتبوّأ أرفع المناصب العسكرية، وتزوج من أجمل بناتها، ومن أنبل الأسر. ووجه الشبه بين الاثنين أن كلاهما أسود من إفريقيا، وكلاهما جاء إلى أوروبا وحظي بقبول من المجتمع الأوروبي!!
وقد كان الطيب صالح، وهو يكتب رواية موسم الهجرة إلى الشمال، على إدراكٍ كافٍ بضرورة الوعي بهذه التعددية الإثنية والثقافية، إذ أنه يقول في سياق حديثٍ عن فانون: “وبهذه المناسبة أنا قرأت فرانز فانون بعد موسم الهجرة، فوجدتُ أنني متفق معه تمام الاتفاق”.
وتتجسد التعددية الإثنية في أبهى صورها في شخصية الطاهر ود الرواسي وهو من أحب الشخصيات إلى قلب الراوي (يمكنك أن تقرأ الكاتب) وأحد شلة محجوب، أهل الحل والعقد في ود حامد، قبل أن ينفرط عقد المجتمع التقليدي إثر ظهور الأجيال الجديدة بفضل انتشار التعليم الحديث. فقد كان والد ود الرواسي عبدًا رقيقًا يدعى بلال وأمه حواء بيت العريبي من ديار الكبابيش بكردفان. وقد تزوج الطاهر ود الرواس بفاطمة بت جبر الدار شقيقة محجوب.
يخصِّص الطيب صالح فصلا كاملا من فصول رواية (مريود) الأربعة للطاهر ود الرواسي، حيث يبدأ بمونولوج يتحول إلى ديالوج حميم بين الراوي محيميد والطاهر يعبر عن علاقة خاصة ربطت بين الاثنين. يقول الطاهر في ذلك الديالوج: “الإنسان يا محيميد.. الحياة يا محيميد ما فيها غير حاجتين اثنين.. الصداقة والمحبة. ما تقول لي لا حسب ولا نسب، لا جاه ولا مال.. ابن آدم إذا كان ترك الدنيا وعنده ثقة إنسان واحد يكون كسبان. وأنا المولى عز وجل أكرمني بلحيل. أنعم علي بدل النعمة نعمتين.. أداني صداقة محجوب وحب فاطمة بت جبر الدار”.
هنا يحس محيميد بحزن لكونه كان يظن صداقته للطاهر لا تدانيها صداقة “فقد كنت طول حياتي، اعتبر صداقته شرفًا لي. لذلك قلت له برفق: وعبدالحفيظ.. وسعيد.. و..” قال: “عبدالحفيظ أخوي وسعيد أخوي.. لكين الإنسان.. الأخ.. الصديق.. الراجل اليوزن ألف راجل.. الكلام على القلوب، جوه، جوه، الحكاية مو الطاهر ود الرواسي.. الحكاية الجد حكاية الطاهر ود بلال.. ولد حواء.. العبد.”
نشأ بلال، كما يروى ابنه الطاهر، عبدًا هَمَلا، بلا سيد. كل الرقيق لهم أسياد إلا بلال. ويقال إنه ربما كان من ذرية رقيق كان لملكٍ حكم ذلك الإقليم في الزمن القديم يدعى بندر شاه. ولكن إبراهيم ود طه يؤكد أن بلالا هو الابن الثاني عشر لعيسى ود ضو البيت من جارية له سوداء جميلة ذكية كان يحبها ويؤثرها. ولكنه لم يلحقه بنسبه. ولما مات خجل إخوته أن يسترقوه. لذلك نشأ بلال لا هو حر يقال له ابن فلان ولا هو عبد يقال له عبد فلان. وكان هو في خاصة نفسه إنسانًا عجيبًا، جميل الهيئة، جميل الطباع، متعفّفًا ورعًا، أخلاقه أخلاق سادة أماجد. ومن عجبٍ أنه شب كأنه نزل فجأة من السماء، أو انشقت عنه الأرض، أو إنه طلع من النيل، شخصًا كامل الهيئة والتكوين. فلا إنسان من أهل البلد يذكره طفلا، ولا أحد يعلم من ربّاه ولا أحد يقول لك رأيت بلالا، أو سمعت بلالا، إلى أن ظهر فجأة وهو فتى يافع، يلازم الشيخ نصرالله ود حبيب ويقوم على خدمته”.
“انتبه أهل البلد فجأة إلى هذا الإنسان البديع الذي يخلب جماله القلب ويفتت صوته الصخر ويلين الحديد. كان حين ينادي بصوته الأعجم: “أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن مهمدًا رسول الله” تحس كأن ود حامد كلها بإنسها وحيوانها وشجرها وحجارتها، ورملها وطينها، من أسفلها إلى أعلاها، من برِّها إلى بحرها، قد اهتزت وارتجت وأصابتها قشعريرة. لم يكن دعاؤه دعاء إلى الصلاة، وإنما كان دعاء الحياة منذ عهد آدم، ودعاء الموت منذ كان جبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل”.
وود الرواسي لقبٌ ورثه الطاهر عن أبيه. كان الكاشف ود رحمة الله يقول إن بلال رواسي، ويسألونه رواسي ماذا، فيجيب “رواسي مراكب القدرة”. ويقسم أنه رآه عدة مرات بين العشاء والفجر وهو قائم وحده في مركب ينقل قومًا غريبي الهيئة إلى الشاطئ الآخر”.
أما والدة الطاهر ود الرواسي فهي حواء بت العريبي. فقد كانت امرأة صاعقة الحسن. هبطت من ديار الكبابيش بكردفان مع أبويها في سنوات قحط وجدب. فماتا عنها، وبقيت وحدها تمشّط وتغزل وتعمل في دور الميسورين في البلد. وصفوا أن وجهها كان كفلق الصباح، وشعرها أسود كالليل مسدل فوق ظهرها إلى عجيزتها، وأنها كانت فرعاء لفّاء طويلة رموش العينيين أسيلة الخدين كأن في فمها مشتار عسل، وأنها كانت مع ذلك شديدة الذكاء، قوية العين، مهذارًا، حلوة الحديث. فأرادها الكثيرون، فتمنعت واعتصمت ولم تقبل منهم طالب حلال أو حرام. ولكن لم يعلق قلب حواء هذه دون الناس جميعًا إلا بلالاً. فكانت تعرض له وهو في صلاته وعبادته فلا يرد عليها ولا يجاوبها. ولما أعيتها الحيلة ذهبت إلى الشيخ نصرالله ود حبيب وشكت له وتذللت وتضرعت فأشار على بلال أن يتزوجها”.
صدع بلالٌ لأمر شيخه وتزوج حواء. ولكن لم يجتمع بها إلا ليلة واحدة بعدها استأذن شيخه أن يسمح له بان يبرئ ذمته منها فأذن له وكانت أن حبلت منه بابنه الذي يسمي الطاهر ود الرواسي. وبعد أن سرحها بلال أبت أن تدخل على رجل آخر وانصرفت لتربية ابنها فكان شأنها في ذلك شأن المتصوفة العاكفين”.
وتظهر عبقرية الطيب صالح في نسج قماشة التعددية الثقافية والإثنية لأهل السودان في معرض تقصيه لأصل “بندر شاه” وذلك في رواية (مريود). حيث : “يزعم بعض رواة الأخبار في ود حامد أن بندرشاه كان ملكًا نصرانيًّا من ملوك النوبة بسط سلطانه قبلي إلى غاية ديار المناصير، وبحري إلى حدود الريف وكانت عاصمة ملكه حيث تقوم ود حامد اليوم”.
“وفي روايةٍ أن ذلك الملك لم يكن نصرانيًّا ولكنه كان ملكًا وثنيًّا غزا ذلك الإقليم بجيش عظيم من الجنود السود من أعالي النيل، وأنهم أقاموا في نواحي ود حامد وما جاورها مملكة سوداء قوية لم تزل تأمر وتنهي حتى حطمها عبدالله جماع إبان صعود نجم ملكة سنّار. وقالوا إن اسمه لم يكن بندرشاه بل بانقي أو جانقي”.
“ويرجح بعض المؤرخين أن بندرشاه أميرٌ حبشي يدعى مندرس هرب بسبب صراعات على الملك أيام الملك راس تقري الأكبر، ومعه نساؤه وعياله وعدد من جنده وعبيده. وأنهم عبروا النيل إلى المتمة ثم قطعوا صحراء بيوضة إلى أن وصلوا منعطف النهر حيث تقوم ود حامد الآن. فأقاموا هنالك وبنوا بلدًا أسموها دابوراس أي الربوة بلغتهم. وفي رواية أن بندرشاه لم يكن هذا ولا ذاك بل كان رجلاً أبيض اللون وفد على ود حامد حيث لا يعلم أحد أيام الغارات والهيجات أواخر ملوك سنّار فأقام في ود حامد وأخذ يعمل في تجارة الرقيق”.
“أما إبراهيم ود طه، وهو راوية ثقة في تاريخ ود حامد، فيؤكد أن بندرشاه هو عيسى ود ضو البيت. وكان ضو البيت رجلا من الأشراف وفد على ود حامد من الحجاز وتوطن فيها وتزوج فاطمة بت جبر الدار الأولى من قبيلة الحوامدة أصحاب الأصل والفصل. وأن بندرشاه كان لقبه عرف به في صباه”.
هكذا بأسلوب الروايات التاريخية عن أصل الأجناس ودون تغليب لرواية على أخرى يعرض الطيب صالح لأصل بندرشاه وكأنه يريد أن يقول إن أصول السودانيين تتعدد بتعدد هذه الروايات.
ومن عجبٍ أن هذه الرؤية التعددية الثقافية والإثنية المتسامحة والمنفتحة على كل تنويعات الواقع المتشابكة والتي جاءت في صيغ رمزية إيحائية بليغة بعيدًا عن الشوفينية والهتافية والشعارات التقريرية، تعرضت وتتعرض لكثير من سوء الفهم وسوء التخريج من أصحاب النظرة الأحادية “الذين يرون الأشياء إما سوداء وإما بيضاء”. أما هذا أو ذاك.
وغني عن الذكر الأديب القاص يشتغل على واقعٍ خام معطى سلفًا، لا يد له في خلقه. ولا بد أن يعبّر فنه القصصي بالضرورة، عن هذا الواقع بكلِّ أبعاده الثقافية والإثنية واللغوية، دون التماهي بالطبع مع النزعات العنصرية.
وهذا ما فعله الطيب صالح برؤيته التعددية المتصالحة مع الواقع بكل تجلياته. فالقرية في أدب الطيب صالح كما يقول عثمان حسن احمد: “هي السودان بقبائله المتنافرة، الراحلة، والمقيمة، بحلبه وزنجه، وعربه المختلفين، بطبقاته المصطرعة المتقاتلة، بثقافاته الوافدة والموروثة، صوفية كانت أو علمانية، بمدنه وفجورها، و.. و.. ولا يلزم الكاتب أن يمثّل لكل المؤسسات والطبقات والفئات، ولكن يكفيه أن يشير ويومئ ويترك للقاري أن يفهم”.
أم تُرى أن المطلوب من الطيب صالح، أن يكتب لنا قصصه بلغة وثقافة الدينكا أو الهدندوة أو الفور أو النوبة حتى نرضى عن انتمائه كسوداني إفريقي؟ إن القبول بالآخر لا يلزم التنازل عن الخصوصية الثقافية والإثنية لإرضاء ذلك الآخر. فالعربي أو الآفروعربي المسلم، غيرُ مطالب بأن يتخلى عن لسانه العربي وعن ثقافته الإسلامية لكي يتعايش مع الإفريقي في دولة واحدة. كذلك الإفريقي غير مطالب أن يتنازل عن لغته وثقافته وديانته الإفريقية حتى يقبل به العربي أو الآفروعربي المسلم في وطنٍ واحد. فالمظلة التي تأوي الجميع دون تمييز هي دولة المواطنة والقانون والمؤسسات الدستورية المفترضة.
وهنا علينا أن نتذكر اننا لسنا وحدنا من ينعم في هذا العالم بهذا التنوع الثقافي والاثني. ولكن بعضنا يابى الا ان يتخذ من هذه النعمة خميرة عكننة لزرع الزعازع والحروب والانقسامات.
عبد المنعم عجب الفَيا
٢٠ مايو ٢٠٢٦
abusara21@gmail.com
