دكتور محمد عبدالله
منذ صباح الخامس عشر من أبريل 2023، بدا السودان كمن يسير داخل مبنى مشتعل. في الأيام الأولى، اعتقد كثيرون أن ما يجري ليس أكثر من جولة جديدة في سلسلة الأزمات السودانية المزمنة، لكن الأشهر التي تلت كشفت أن البلاد دخلت مرحلة مختلفة تماماً؛ مرحلة لم يعد السؤال فيها: من ينتصر؟ بل: ماذا تبقى من الدولة نفسها؟
بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، انقسمت الجغرافيا إلى مناطق نفوذ متنازعة بين الجيش والدعم السريع، وتحولت أجزاء واسعة من البلاد إلى ساحات قتال مفتوحة. ومع اتساع رقعة المواجهات، ارتفع عدد الضحايا المدنيين، واتسعت دوائر الخوف والنزوح والخراب.
غير أن المأساة الأكبر لا تكمن فقط في الدمار المادي، بل في تصدع المجتمع نفسه. ملايين السودانيين أُجبروا على مغادرة منازلهم، وبات الجوع يهدد أعداداً هائلة من السكان، فيما تحولت مشاهد الأطفال المنهكين والانتهاكات اليومية إلى صورة مألوفة تختصر حجم الانهيار. والأخطر أن الحرب لم تكتفِ بتدمير المدن، بل أصابت البنية الأخلاقية والاجتماعية أيضاً؛ فالعنف أصبح لغة مألوفة، والقتل خبراً عابراً في حياة الناس.
وفي خضم هذا الفراغ، عاد الإسلاميون إلى مواقع مؤثرة داخل مؤسسات الدولة، لا نتيجة مراجعات فكرية عميقة أو استعادة للثقة الشعبية، بل لأن الفوضى السياسية والاحتماء بالجيش أتاحا لهم الظهور مجدداً .
العالم بدوره ينظر إلى السودان بعين مختلفة. دول الجوار ترى حدوداً رخوة، وسلاحاً متفلتاً، وملايين النازحين. أما القوى الدولية، فترى دولة تتآكل في موقع بالغ الحساسية على البحر الأحمر وفي قلب القارة الأفريقية. ومع استمرار الحرب، بدأ الإرهاق الدولي يظهر بوضوح، حتى المؤسسات الإنسانية باتت تعاني نقصاً حاداً في التمويل، وسط مخاوف متزايدة من تحول السودان إلى أزمة مزمنة يكتفي العالم باحتوائها بدلاً من السعي إلى حلها.
والتاريخ السوداني مليء بإشارات يصعب تجاهلها. فعندما ضعفت سلطنة سنار تحت وطأة الصراعات الداخلية، جاء التدخل من الشمال. وحين استنزفت الدولة المهدية نفسها بالحروب والانغلاق، انتهى الأمر بهزيمة كرري ودخول الاستعمار. لم تكن المشكلة يومها في قوة الخارج وحدها، بل في هشاشة الداخل أيضاً.
وحين تفشل النخب في بناء دولة عادلة، وتتحول السياسة إلى غنيمة، والحرب إلى وسيلة للحكم، يصبح التدخل الخارجي نتيجة تكاد تكون طبيعية، مهما ارتفعت الشعارات الوطنية.
السودان لم يكن يوماً بلداً فقيراً في موارده، ولا محدوداً في طاقاته البشرية. ما افتقده، وربما ما يزال يفتقده، هو الرشد السياسي: الرشد الذي يجعل السياسي يرى أبعد من كرسيه، والعسكري أبعد من بندقيته، والمثقف أبعد من خطابه. الرشد الذي يدرك أن الأوطان لا تُدار بمنطق الثأر، ولا تُبنى بالحروب المفتوحة.
ويبقى السؤال الذي يهرب منه الجميع: ثم ماذا؟
فإذا استمرت الحرب، وتحول السودان إلى خرائط نفوذ ومجاعات وسلاح، فقد يستيقظ السودانيون على واقع جديد لم يختاروه، كما استيقظ أسلافهم من قبل على جيوش جاءت من الخارج بعدما عجز الداخل عن حماية نفسه.
وعندها، قد لا يكون السؤال: من انتصر؟
بل: ماذا بقي من السودان.
muhammedbabiker@aol.co.uk
