السودان الثائر في المخيلة اللاتينية: الثورة المهدية في أدبيات المقاومة بأمريكا الجنوبية .. بقلم: محمد المصطفى موسى

 

بغرائبية اتسمت بالفرادة ، شهد القرن التاسع عشر تقاطعات عدة تلاقت في نقاط المنتصف منها نضالات الشعوب التي كانت ترزح تحت وطأة تكالب القوى الإستعمارية بشتى بقاع الكرة الأرضية . حقائق كتلك ، قد لا تتبدى موضوعيتها بائنة على المستوى العملى دون السعي لتحريرها من مربعات المزاعم بسبر أغوار الأدلة و المصادر الداعمة لصحتها ، ثم التقدم بذلك كله نحو إجلاء الغبار عن ما توارى منها في خبايا التاريخ .
و لا يجد الذهن الذي يتقمص أمزجة الشعوب المقاومة للقوى الكولينالية آنذاك بداً من أن تستدرجه أدبيات خوسيه مارتي الوالغة في الوجدان الثورى لشعوب أمريكا اللاتينية . وهو ذات الوجدان الذي انبنت على أوتاده ملاحم التحرر التي شكلت بذور الوعي الأولى عند تشي جيفارا وفيديل كاسترو إبان فترة كفاح أمريكا اللاتينية للإنعتاق من ربقة الهيمنة الأجنبية .
فلنبدأ إذن بخوسية مارتي ( ١٨٥٣-١٨٩٥) ، المناضل الكوبي الصلد ضد الإستعمار الأسباني في ثمانيات القرن التاسع . بيد أن ذكر مارتي لا يمكن قصره على صفة المقاومة السياسية للهيمنة الأجنبية دون الإشارة لقصائده الجزلة و أدبه الرصين و ما انتثر على خطاه من أثر في الوجدان اللاتيني . و هو ذات الأثر الذي ما زال باقياً إلى اليوم في العاصمة الكوبية “هافانا” و التي يحمل مطارها الدولي إسم خوسيه مارتي تيمناً برمزيته المركزية في ذاكرة النضال الكوبي ضد الاستعمار وما لحق بسيرته من عملية ” أسطرة ” في العقل الجمعي للشعوب اللاتينية .
و يستبين بعض مما سبق ذكره فيما أظهره مارتي من شغف بإنتصارات المهدويين في السودان على القوى الإستعمارية حين إعتورته ويلات المنفى في الولايات المتحدة الأمريكية . متأثراً -على ما يبدو- بما نشرته الصحافة الأمريكية عن مواجهات الثورة المهدية مع القوى الإستعمارية البريطانية في ثمانينات القرن التاسع عشر ، اتجه مارتي للتوثيق لتلك الوقائع من خلال مقالة نثرية تأرجحت طبيعتها السردية بين الصيغة الخبرية و القصة القصيرة . و نعني هنا تحديداً ما كتبه مارتي بالاسبانية في صحيفة ” العصر الذهبي ” أو “La Edad de Oro”والتي شهدت كتاباته الراتبة مما درج هو أن يخاطب به عقول النشء إبان تأهبه للمشاركة في حرب الاستقلال الكوبية . ففي النص المعنون ب ” Cuentos de Elefantes” أو “حكايا الفيل ” ، تعرض مارتي لتفاصيل المتاعب التي سببتها مقاومة الثورة المهدية للبريطانيين في السودان و اتجه في السياق ذاته لتعريف المهدي السوداني بأنه ” أحد الأحرار الموريين الذين اشتهروا بمصادقتهم للفقراء و المسحوقين من بني وطنه ” . تلك الرمزية الثورية ذات اللون الفاقع التي تبدى فيها محمد أحمد المهدي لمارتي ومخياله اللاتيني لأدب المقاومة عند السودانيين، لابد من حملها على وجه تعريف “الموريين” نفسه في اللغة الأسبانية و الذي ارتبط بالمجموعات الأفريقانية المسلمة في شمال القارة السمراء بما في ذلك العرب و الأمازيغ . و هي على الأرجح مستمدة من كلمة moreno و التي تستعمل في الأسبانية للإشارة لأصحاب البشرة السمراء. بيد أن إدراك مارتي لطبيعة صراع الثورة المهدية مع خصومها الاستعماريين بدا سابراً لأعماق التفاصيل المعقدة حين تحدث عن أنماط المغامرين الأوربيين الذين استدرجتهم القارة السمراء لترابها في ذلك الوقت ومنهم بحسب رأيه ” من يأتي إلى هناك على رأس قوات عسكرية مؤتمراً بأمر خديوي مصر لمحو أثر بطل و مقاتل شهير كالمهدي ” . و يفرق مارتي بوضوح بين دوافع التحرر التي انساق وراءها المهدي في مقاومة الإستعمار و بين الأطماع الكولونيالية حين يقول أن المهدي الذي كان مورياً حراً و نصيراً للفقراء و هو بهذه الصفة “يستحق أن يحكم شعبه” كما ذكر مارتي .. لأنه : ” لم يكن أبداً كالخديوي الذي كان وكيلاً و خادماً لقوى الهيمنة الأجنبية المتمثلة في السلطة التركية .. و هو الذي اعتاد على استئجار القادة العسكريين المسيحيين لمحاربة الموريين من أصحاب الأرض في محاولة لإستلاب هذا الوطن ( السودان ) من أهله الأصليين الذين ميزتهم البشرة السمراء ” . و سرد مارتي انتصارات الجنرال البريطاني تشارلز غوردون لمصلحة انجلترا في الصين قبل أن ينقل وقائع انتقاله للسودان و حالة العزلة التي فرضتها عليه رماح السودانيين و هو يتوارى خلف عتبات قصره بالخرطوم . بيد أن مارتي بدا كقلة من الكتاب الذين عاصروه منساقاً وارء فرضية مفادها أن غردون لم يُقتل و لربما وقع أسيراً في أيدي ثوار السودان . و أمتد الشغف بمارتي نحو تتبع الصراع الذي سيدور لاحقاً في إقليم الاستوائية بجنوب السودان بين الأمير المهدوي كرم الله كركساوي و الاداري الاستعماري الالماني أمين باشا و الذي عينه غوردون عاملاً على المنطقة ذاتها . وأشار خوسيه بشكل دقيق لحملة القائد الانجليزي ستانلي و التي اتجهت لإنقاذ أمين من براثن الأنصار الذين أحاطوا به من كل جانب . و ألهمت ملاحم المقاومة السودانية تلك مع ما جايلها من مواجهات أمازيغية لهيمنة الأسبان في شمال المغرب ، ألهمت مارتي ليكتب لاحقاً : ” دعنا نكن موريين.. إن الثورة في الريف ليست حادثة منعزلة، بل اندلاع تحولات وتغيرات عالمية، دعنا نكن موريين (نحن الكوبيين) الذين من المحتمل أن يفنوا على يد إسبانيا”.
إن أهمية ما كتبه مارتي عن الثورة المهدية و ما عاصرها من هبات مقاومة ” مورية ” -كما اسماها هو – تأخذنا للرجوع بشكل دائري لمنتصف الذاكرة النضالية عند خوسيه مارتي ومراحل النضج الذي إتسمت به . و من ذلك أن مارتي إبتدأ مشواره الأدبي بمسرحية شعرية حملت عنوان ” عبدالله ” في ١٨٦٩ . و كان مارتي آنذاك فتى لم تتخط أعوام عمره المحطة السادسة عشر بعد . وعبدالله هذا كان بطلاً نوبياً مسلماً تصدى لمجابهة قوى غازية لبلاده ” نوبيا ” على الرغم من جزع والدته عليه . فكرة القصيدة نفسها و جنوح خيال كاتبها نحو أختيار بقعة جغرافية كبلاد النوبة التي يحتل السودان منها المساحة الأكبر تبدو مدهشة في محتواها . و يرتفع معمار الدهشة بشكل أكبر حين توافق تلك الوقائع ثورة حقيقية تندلع فيما بعد هذه المناسبة بسنوات بواسطة قائد سوداني – كالمهدي – ينتمى بالبنوة الجغرافية لذات المنطقة التي تمركز حولها مخيال مارتي في قصيدته تلك . بيد أن اللافت للنظر هنا كان إسقاط خوسيه لتداعيات هذا الصراع في قوافيه هذه بشكل رمزي على ذاته و بلاده كوبا و معركتها مع القوى الاستعمارية الإسبانية .
و عبر صيت الثورة المهدية في السودان من الجزيرة الكوبية ليجد له موطئ قدم في المكسيك . ومن ذلك أن الثائر المكسيكي خوسيه ماريا كاهايامي قد التصق به لقب “مهدي المكسيك” إبان قيادته للنضال المسلح لقومية ” الياكي” من أجل انتزاع الحكم الذاتي من قبضة المركز في مدينة مكسيكو سيتي بثمانينيات القرن التاسع عشر . و أكتسب كاهايامي شهرته السابقة لثورته تلك من المشاركة الميدانية كقائد مقاتل بالقوات المكسيكية التي تصدت للغزو الفرنسي بقيادة جاستون دي روسيتبلبون . وتمكن كاهايامي و رفاقه من دحر القوى الفرنسية الغازية و اعدام قائدها في ١٨٥٤. و تصدى خوسيه بعدها لقيادة حركة الكفاح المسلح لقومية الياكي سعياً نحو استقلال اقليم سونورا من المكسيك ليحقق ذروة نجاحاته في منتصف ثمانينات القرن التاسع عشر . و كان السودانيون في ذلك الوقت يطاردون فلول القوات البريطانية المنسحبة في صحراء الشمال . و أُثخن قائد فلولهم تلك – الجنرال الانجليزي ولزلي – بجراح غائرات حتى كتب لزوجته في بريطانيا قائلاً :
” لقد إنتصر المهدي .. و ها نحن جميعاً نبدو كالأغبياء ” .
تصدت في ذلك الوقت تحديداً صحيفة نيويورك تايمز للتوثيق لحركة كاهايامي بمقال تحت عنوان : “مهدي المكسيك أو The Mahdi Of Mexico” ضمنته بعددها الصادر في ٩ يوليو ١٨٨٥ . و تصدرت افتتاحية المقال مقاربة بين الثورة المهدية و قائدها في السودان و بين ثورة الياكي في المكسيك تحت قيادة كاهايامي . و ذكرت الصحيفة أن العالم لم يفق من دهشته بعد من جراء الانتصارات التي حققها المهدي في السودان ليصحو على حقيقة مفادها أن المكسيك قد وجدت ” مهديها ” في خوسيه ماريا كاهايامي . و جاء في خاتمة المقال وصف دقيق لكاهايامي أو مهدي المكسيك كما أسمته الصحيفة ذاتها . وبدا جيداً توظيف هذا الوصف لتعضيد المقاربة التي ذكرتها افتتاحية المقال بين القائد المكسيكي و المهدي السوداني . و من ذلك ما جاء فيه :
” ان كاهايامي يتمتع بإمتلاك إرادة لا تقهر و ذهن حاضر لن يخذل صاحبه أبداً. شجاعته الفائقة تقف به في تلك الحدود التي تجتمع فيها الجرأة مع البسالة ” .
ومضت عقود عدة قبل أن تتقدم المؤرخة الأرجنتينية البروفيسور
” Celma Aguero” لإعادة انتاج أثر الثورة المهدية بصيغة عمل بحثي تزينت بعنوانه أرفف البحوث الأكاديمية في كلية مكسيكو للدراسات الاجتماعية و الانسانية والتي يقبع بنيانها العريق بقلب العاصمة المكسيكية – مكسيكو سيتي .
و تطرقت أغويرو للمراحل الأولى من انتصارات الثورة المهدية فيما أعقب تحرير الأُبيض تحديداً فقالت استناداً على ما احتفره هولت من دارسات بسراديب السودان الثائر في أواخر القرن التاسع عشر :
” فتح احكام المهدي لسيطرته على مدينة الأبيض .. مجالاً واسعاً نحو سلسلة من الانتصارات امتدت رقعة طموحاتها نحو قلب العالم الإسلامي . وبدت واضحة هنا نوايا المهدي لتحرير السودان كله و لربما التوسع نحو أراضيه المجاورة . و تجلى ذلك فيما ضمن به المهدي قرارته تلك من رؤى للمضي قدماً في هذا الاتجاه ” .
و بالعودة إلى اهتمام المناضل و الشاعر الكوبي العتيد مارتي بالثورة المهدية ، يبقى من الصعب إستبعاد تأثره بما كانت تنشره صحافة المهاجرين الايرلنديين بأمريكا عن ملاحم المهدويين مع بريطانيا في مواجهات منتصف ثمانينيات القرن التاسع عشر . وهي ذات الملاحم التي جذبت اهتمام مراسل صحفي و سياسي قومي ايرلندي حميس على نحو جي جي أو كيلي للكتابة بإعجاب بيّن عن شجاعة السودانيين الذين حطموا أسطورة المربع الانجليزي في معركة أبوطليح ببدايات ١٨٨٥ . ففي تلك الملحمة نال المهدويون برماحهم من خيرة جنرالات بريطانيا على نحو برينبي و اللورد سانت فينسنت . و ألهمت بسالة السودانيين أوكيلي ليكتب واصفاً اياهم بالرجال الذين يخوضون المعارك من أجل نصرٍ لن يثنيهم عن تحقيقه إلا الموت .. وفي ذلك قال :
” هذا الإفتراض بأن المربع العسكري الانجليزي لا يمكن قهره ما هو إلا مجرد أسطورة أُثبت زيفها حين واجهها مدٌ من الرماح التي حملها رجال لن يثنيهم عن النصر سوى الموت ، حتى بإستعمال أحدث الأسلحة النارية لا يوجد ضمان للإنتصار عليهم ” .
و اشتهر أو كيلي بمساندته للثورة المهدية في السودان حتى بلغ به الشغف إصطحاب اخيه الرسام أوليساس أو كيلي في مغامرة اخترق فيها صحراء السودان الشمالية في ١٨٨٤ سعياً لمقابلة المهدي بالأبيض و من ثم نقل تأييد القوميين الأيرلنديين لحركته. ولم يحل دون اتمام مهمته سوى احتجازه بواسطة السلطات الإستعمارية بدنقلا و من ثم إرجاعه قسراً لجنوب مصر .وبدلاً من أن يصمت بعد ذلك كما أراد له الانجليز، اختار أو كيلي الكتابة عن المهدي بالتوثيق لمعركة شيكان كما تخيلها هو . ومن ذلك ما كتبه بصحيفة وسترن مورنينغ نيوز الانجليزية ببدايات ١٨٨٥ عن تفاصيل مشاركة المهدي مقاتلاً بسيفه في معركة شيكان التي انتصرت فيها الثورة السودانية على قوات الجنرال البريطاني وليام هكس . و زعم أوكيلي بأن محمد أحمد المهدي قد جرُح في المعركة تلك مدللاً بذلك على بسالته كقائد . وجزم اوكيلي بأن قائد الثورة لم يكن ليخبئ نفسه في المعارك بل كان يقاتل وسط جنوده
( He takes part in all battles and does not spare his own person ) . و وسم اوكيلي المهدي بكاريزما القيادة التي تتسم” بقدرات شخصية قيادية خارقة لا يمكن ان يتسرب اليها شك ” . وكان أوكيلي حاضراً في حرب الاستقلال الكوبية الأولى التي سبقت الثورة المهدية بسنوات من خلال دور المراسل الحربي لصحيفة نيويورك هيرالد. ووثق هذا المغامر الايرلندي الشجاع لبسالة الثوار الكوبيين في مواجهاتهم مع الأسبان في مذكرات أعادت طباعتها حكومة كوبا في ١٩٦٨ تخليداً لذكراه المقترنة بذكرى ملاحم الإستقلال الكوبية . كل ما سبق جعل أوكيلي يحتل نقطة المنتصف في الوجدان الإنساني الثائر الذي ترامت أطرافه بين السودان و كوبا في سياق مقاومة الشعوب لقوى الإحتلال الأجنبي سعياً نحو التحرر و الإنعتاق .
زبدة القول أن صيت الثورة المهدية و وقعها في المسرح العالمي كان له أثر موثق في المخيلة اللاتينية المتمردة على إسار الاستعمار . و من ذلك ما كتبه عنها شاعر و مناضل كوبي ذائع الشهرة على نحو خوسيه مارتي . ولابد أن لا نغفل رمزيتها على مستوى حركات التحرر المحلية على نحو حركة الياكي في المكسيك و التي التصق اسم المهدي بقائدها حتى طغى على اسمه الحقيقي عند صحيفة امريكية مهمة كنيو يورك تايمز .

المصادر :
١-” حكايا الفيل ” لخوسيه مارتي:
https://www.poeticous.com/marti/cuentos-de-elefantes
٢- صحيفة نيويورك تايمز ، ٩ يوليو ١٨٨٥ ، ارشيف الصحافة الأمريكية .
٣- ريتشارد غوت: كارل كراوس و الأصول الأيدولوجية للثورة الكوبية ، الناشر : معهد دارسات أمريكا اللاتينية ، جامعة لندن، ٢٠٠٢.
٤-أغويرو :الأبعاد الإجتماعية للحركة الدينية .. المهدية في إفريقيا الحديثة ، إصدارة الدراسات الشرقية لكلية مكسيكو ، المجلد رقم ٦ ، الجزء ٢-١٦ ، العام ١٩٧١ ، ص١٥٢-١٦٢.
٥-محمد المصطفى موسى : الأصداء العالمية للثورة المهدية ، الناشر : دار المصورات للنشر ، الخرطوم ٢٠٢٠ .
٦- عمران عبدالله : قصيدة “عبد الله” الكوبية وتاريخ الاستقلال اللاتيني.. ما سر ولع خوسيه مارتي بالعالم العربي الذي لم يزره؟ ، مقال نشر بالجزيرة نت ، يونيو ٢٠٢١

 

ana_omdurman@hotmail.com

 

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً