السودان: الويل للمرضعات والحوامل كنتاج لجهل النخب

 


 

طاهر عمر
11 أغسطس, 2022

 

لأول مرة في السودان قد أدرك المثقفون و المفكرون و القادة بأنهم قد أصبحوا جميعا في موقف المفضوح بسبب إرتفاع وعي الشعب كنتاج لتقدم فيما يتعلق بتكنولجيا الاتصالات و قد فتحت على ميدان تقدم الشعب و سقوط النخب كما يقول الناقد السعودي عبد الله الغذامي. بفضل ثورة ديسمبر و وعي الشعب السوداني قد أدركت النخب السودانية أن من يقوم بالتغيير هو الشعب و ليس القادة و المفكرون و المثقفون و أن مصدر السلطة هو الشعب و ما فشل النخب السودانية في أن تخلق جسم معارض موحد لأفشل إنقلاب إلا تجسيد للرفسة الأخيرة التي يعقبها خراج الروح للمثقف التقليدي و المفكر التقليدي و القائد التقليدي و المؤرخ التقليدي في السودان.
قد تأخرت النخب السودانية في أن تجسر الهوة فيما بينها وما وصل إليه حال العالم من تقدم و إزدهار مادي بسبب نخب سودانية يفصل ما بينها و حال النخب في المجتمعات الحية ما يزيد على القرن من الزمن و لذلك جاءت مقارباتهم فيما يتعلق بالشرط الانساني ضعيفة بشكل يثير الشفقة و بفكر لا يستطيع أن يقدم للنخب السودانية إمكانية فهم أن ما يشغل ضمير الانسان الآن يقع في محيط فكر يسار الرأسمالية بعكس إصرارهم على وهم أحزاب اللجؤ الى الغيب و فكر أتباع الايديولوجيات المتحجرة كما تجسد نسخة الشيوعية السودانية و أتباعها و قد وقف بهم الحال في صعوبة إدراكهم و قبولهم لنمط الانتاج الرأسمالي باصرار يدل على أن هناك ضعف هائل في مناهجهم.
ما زال الشيوعي السوداني غير قادر على إدراك أن مسألة الظواهر الاجتماعية و إفتراض عقلانية و أخلاقية الفرد قد أصبحت بديلا لفكرة الصراع الطبقي بعد أن أصبح علم الاجتماع بعد معرفي في صميم الديالكتيك. و لكن من أين للشيوعي السوداني أن يدرك كل ذلك و قد كسدت الساحة الفكرية في السودان من فكر عالم اجتماع يكون في نفس الوقت مؤرخ و اقتصادي ملم بأدب النظريات الاقتصادية و تاريخ الفكر الاقتصادي؟ و يزداد الحال سؤ في غياب مؤرخ سوداني يقدم مقارباته عن تاريخ الاجتماع و التاريخ الاقتصادي على المدى الطويل و المدى المتوسط و المدى القصير في ظل معرفة بتاريخ الذهنيات و قدرة على رصد التحول في المفاهيم.
نقول كل ذلك و ندلل على صحته بأن الأحزاب الشيوعية في الغرب و قبل قيام الحزب الشيوعي السوداني قبل ستة و سبعين عام قد قبلت بنمط الانتاج الرأسمالي بفضل ما قدمه غرامشي من مقاربات لم يستوعبها الشيوعي السوداني الى اللحظة و لهذا نجد أن الشيوعي السوداني ما زال يصر على نهاية التاريخ و إنتهاء الصراع الطبقي و ليس ذلك و حسب بل أن الشيوعي السوداني قد لوث ساحة الفكر السوداني و قد أصبحت النخب السودانية غير قادرة على امكانية فهم فكرة نمط الانتاج الرأسمالي بل أن أغلب النخب السودانية تعتقد و هي مخطئة أن أقصر الطرق لتحقيق التنمية الاقتصادية ينبغي ان يمر عبر طريق الفكر الاشتراكي و هذه واحدة من المضحكات المبكيات و قد انتبه لها منصور خالد و قد وصفها بأنها كانت من أخطاء النخب المميتة و قد اورثت الساحة كساد فكري هائل نجده اليوم في فشل النخب السودانية في قيادة التحول الاجتماعي المفضي الى التحول الديمقراطي.
هذا بسبب فشل النخب السودانية لفهم فكرة نمط الانتاج الرأسمالي و كله بسبب أتباع نسخة الشيوعية السودانية و تدميرهم لساحة الفكر في السودان مثلا لماذا رضيت الأحزاب الشيوعية و الاشتراكية في الغرب بنمط الانتاج الرأسمالي و نجد أن فرانسوا ميتران قد أدخل أفكار جون ماينرد كينز و قد طبق فكرة الحد الأدنى للدخل من معادلة و فكرة المقطع الرأسي في سبيل تحقيق فكرة الضمان الاجتماعي مع مراعاة معادلة الحرية و العدالة؟ الاجابة أكثر من سهلة لأن ميتران وريث لفكر عقل الأنوار و مدرك لمفاصل التاريخ أي متى و كيف و لماذا انتهت فلسفة التاريخ التقليدية و كيف بدأت الليبرالية الحديثة و هنا ينام سر تخلف نخب اليسار السوداني الرث و إصرارهم على فكرة نهاية التاريخ و انتهاء الصراع الطبقي.
لهذا نقول للنخب السودانية معرفة فلسفة التاريخ الحديثة و معرفة الليبرالية الحديثة هو أول خطاوي الانعتاق من نير تأثير الشيوعي السوداني السالب و لهذا نقول لأصدقاءهم و هم يظنون أن طريق الفكر الاشتراكي هو أقرب الطرق لتحقيق التنمية الاقتصادية أن هناك مدى زماني يقدر بقرن من الزمن يفصل ما بينكم و بين ايمان أحزاب الشيوعية و الاشتراكية في الغرب بنمط الانتاج الرأسمالي و قطعا ردم هذه الهوة سوف يساعد على نقل مستوى الوعي في السودان و بالتالي يساعد على إنزال مفاهيم جديدة في الساحة الفكرية في السودان و هي تؤسس للتفكير النقدي الذي يفتح على فكرة النزعة الانسانية و لا تكون بغير انزال فكرة القطيعة مع التراث القريب منه قبل البعيد و تفتح الطريق الى مجد العقلانية و ابداع العقل البشري وفقا لضمير الوجود و تجربة الانسان و ما أحوجنا لمثل هذا الفكر و قد امتلأت ساحتنا بأتباع المرشد و الامام و مولانا و الاستاذ كما يحلو للشيوعيين وصف عبد الخالق محجوب و قد أصبح صنم ذهني كبير قد قال قائلهم فيه أهدم عبد الخالق تهدم الحزب الشيوعي السوداني و ما درى القائل بأن الحزب الشيوعي السوداني ما هو إلا ركام بسبب تخلفه عن ركب المفكريين في العالم الحر.
وهنا يمكننا أن ننظر للفجوة التي تفصل الشيوعي السودان و بقية مفكري العالم الحر حيث نجد عند مفكري العالم الحر أن الشيوعية و النازية و الفاشية ما هي إلا أحداث قد نتجت بسبب إنتهاء فلسفة تاريخ تقليدية قد أزاحتها فلسفة تاريخ حديثة و ليبرالية تقليدية قد أفسحت المجال لليبرالية حديثة و هذا هو الغائب من مكنون الشيوعي السوداني الذي ما زال يظن بأن الشيوعية أجمل من أن توصف أو تغنى و غاب عن أفقه بأن تطور الفكر الليبرالي و قد أصبح أقرب الطرق و أقصرها لتحقيق الرفاه الاقتصادي.
و سبب جهل الشيوعي السوداني أنه جهل موروث بسبب تفويت الفرص المتواصلة منذ جيل أتباع مؤتمر الخريجين و كانت ثمارهم أنهم قد أنخرطوا في أحزاب لم تكترث لغير ثقافة تقليدية قد عبدت و أبدت خنوع النخب لفكرة الأبوية و لا يمكن أن تتحدث عن تحول ديمقراطي في ظل نخب غائصة في وحل خنوعها لثقافة أسيرة لسلطة الأب و ميراث التسلط بعكس فكر مثقفي المجتمعات الحية حيث ينتصر فكرها دوما لفكرة الفرد و العقل و الحرية و بالتالي نجد أن العلاقة دوما للفرد بالدولة كمفهوم حديث و عن الحريات و ليست الهويات كما رأينا سيطرة الفكر الطائفي و أحزابه و علاقة الفرد بالجهوية و القبيلة و الادارة الاهلية و الطرق الصوفية.
و كلها صفات المجتمعات التقليدية و لا يمكننا أن نبني دولة حديثة و ما زالت هياكل المجتمع و تراكيبه هشة لا تمسكها غير قيم المجتمعات التقليدية مثل إزدهار مبادرة رجال الطرق الصوفية و هترشة رجال الادارة الأهلية. و بقى أن نبحث عن منبع مبادرة أم ضوبان و كيف تجمع الكيزان و الفلول خلف خليفة ود بدر فما هي إلا نتاج بحوث مؤرخين سودانيين قد كانت بحوثهم و مقارباتهم تبحث في الطرق الصوفية بشكلها التقليدي و تجد لها مبرر بل تطلق عليها بأنها قد أسست لصحيح الدين كما نجد بحوث علي صالح كرار كمؤرخ سوداني قد قدم مقاربات فيما يتعلق بالطرق الصوفية في السودان و هو لا يختلف عن محمد ابراهيم ابوسليم و هو يبحث فيما يتعلق بموروث المهدية و قد أسس لفكرة أن يقبل الصادق المهدي كرجل دين كمفكر سياسي و شتان ما بين المفكر السياسي و منطلقات الصادق المهدي الدينية.
لهذا قد ذكرنا بأن المؤرخ التقليدي أمثال علي صالح كرار و محمد ابراهيم ابوسليم يكمن في أعماق بحوثهم تكلس الفكر إذا ما قارنا فكرهم بفكر هشام شرابي في تنبيهه بأن الفكر الديني و ما يعرف بالثورات كالمهدية و السنوسية و الوهابية لم تكن يوما في صالح تطور الفكر بل قد قطعت الطريق امام إمكانية تحقيق فكرة القطيعة مع التراث و للأسف ما زلنا في ظل نخب سودانية فاشلة تحتفي ببحوث مؤرخ تقليدي كعلي صالح كرار و محمد ابراهيم ابوسليم و من عمق بحوثهم قد جاءت مبادرة ام ضوبان و خلفها الفلول و الكيزان و الغريب أن الكل يتسأل من جاء خليفة و د بدر بمبادرته و خلفه الكيزان و الفلول؟ قد جاء من عمق بحوث محمد ابراهيم ابوسليم و علي صالح كرار و حديثهم عن صحيح الديني و كله من فكر المؤرخ التقليدي.
على العموم الطريق طويل و ينتظر النخب السودانية الكثير الكثير و لا يبدأ طريق الأمة السودانية بغير التخلص من فكر الشيوعي السوداني الذي قد ذهب الى الحزب قبل الذهاب للكتب و كذلك لا يكون طريق الخلاص بغير التخلص من فكر مؤرخ تقليدي يتحدث عن صحيح الدين و لا يبدأ طريق الخلاص بغير ترسيخ فكر ليبرالي يؤسس الى قبول النخب السودانية بفكرة نمط الانتاج الرأسمالي و التخلص من فكر ما زال يؤمن أتباعه بالمطلق كما رأينا محاولة الكيزان في تقديم فكر يزعم تقديم حلول نهائية و كما فكر الشيوعي السوداني في ايمانه بالمطلق و محاولة تقديم حلول نهائية و لذلك لا يختلف الشيوعي السوداني عن الكوز السوداني في مسألة الايمان بالمطلق في زمن النسبي و العقلاني و توهمهم بتقديم حلول نهائية و هيهات.
على كل حال في ظل ضعف النخب و هي تواجه لحظة موات فكرها لا تتوقعوا غير ركوب الرأس من الكل سيظل الحزب الشيوعي في مشكساته و تكسير مجاديف الثورة و دس المحافير و المكاجرة ظانا بان الفوضى عندما تعم سيؤول لهم حكم السودان و هذا دليل قاطع على تدني مستوى وعي الشيوعي السوداني و هو يحاول أن يرجع عقارب الساعة للوراء و يعشم بأن يحكم السودان و يعود بنموذج فنزويلا و كوريا الشمالية و لا يشبه مستوى وعيهم المتدني غير عشم الكيزان في الرجوع الى الحكم من جديد و في غياب شخصية تاريخية تنقذ السودان و الشعب السوداني فالويل للمرضعات و الحوامل و ما ينتظر السودانيين بسبب جهل نخبهم.

taheromer86@yahoo.com

 

آراء