د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يشير المقال إلى أن نسبة السودانيين غير المنظمين حزبياً تمثل قضية مركزية لفهم طبيعة السياسة السودانية وأزمة الديمقراطية، لكنها في الوقت نفسه قضية لا تتوافر بشأنها نسبة وطنية دقيقة وحديثة يمكن التعامل معها بوصفها حقيقة إحصائية نهائية. فالسودان يفتقر إلى مسوح سياسية وطنية منتظمة تقيس بصورة مباشرة الانتماء الحزبي والتنظيم العضوي والمشاركة السياسية على مستوى السكان، كما أن الحرب منذ أبريل 2023 أدت إلى النزوح الواسع وتعطيل المؤسسات وتفكك قواعد البيانات والقدرة على إجراء المسوح. ولذلك يميز المقال بين «عدم العضوية الحزبية» بالمعنى التنظيمي الدقيق، و«عدم الانتماء الحزبي» بالمعنى السياسي الأوسع، و«الاستقلال عن الأحزاب» في الممارسة الانتخابية، و«العزوف السياسي» أو عدم المشاركة. وهذه الفروق ضرورية لأن السوداني الذي لا يحمل عضوية رسمية في حزب قد يكون ناشطاً سياسياً أو عضواً في لجان مقاومة أو نقابة أو مبادرة مدنية أو إدارة أهلية أو منظمة مجتمع مدني، بينما قد يكون شخص آخر غير منظم حزبياً وغير مشارك سياسياً على الإطلاق. ومن ثم فإن تقدير حجم غير المنظمين حزبياً يجب ألا يتحول إلى رقم مصطنع أو إلى استنتاج غير مدعوم بالبيانات.
ويضع المقال هذه الظاهرة في سياق تاريخي طويل؛ فالحياة السياسية السودانية منذ الاستقلال لم تُبنَ على أحزاب جماهيرية حديثة مستقرة بالمعنى الذي عرفته بعض الديمقراطيات، بل تشكلت بدرجة كبيرة حول الطائفية الدينية والولاءات الاجتماعية والمناطقية والقبلية والشخصيات والروابط المهنية والحركات المسلحة والقيادات التاريخية. وقد أدى ذلك إلى وجود فجوة بين اتساع المجال السياسي وبين عمق التنظيم الحزبي المؤسسي. وعلى الرغم من وجود أحزاب ذات تاريخ طويل مثل حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي وغيرها، فإن قوة الحضور الانتخابي أو التاريخي للحزب لا تعني بالضرورة أن غالبية المواطنين أعضاء منظمون داخله. كما أن الأنظمة العسكرية المتعاقبة منذ عام 1958 ثم 1969 ثم 1989 عطلت الحياة الحزبية أو قيدتها بدرجات مختلفة، وأضعفت فرص تراكم الخبرة التنظيمية الديمقراطية، وأعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع والحزب على أساس مختلف عن التنافس الديمقراطي الطبيعي.
ويبين المقال أن نظام الإنقاذ الذي بدأ عام 1989 أضاف طبقة أخرى من التعقيد؛ إذ لم يقتصر أثره على حظر أو تقييد المنافسة السياسية، بل أعاد بناء الدولة والاقتصاد والأجهزة الأمنية والمؤسسات الاجتماعية حول شبكات سياسية وأمنية وتنظيمية مرتبطة بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني. وقد أدى ذلك إلى توسيع الفجوة بين الحزب باعتباره مؤسسة سياسية تنافسية وبين الحزب باعتباره أداة للسيطرة على الدولة. وفي المقابل، أدى القمع السياسي الممتد إلى انتشار أشكال من المعارضة الاجتماعية والسياسية غير الحزبية، بما في ذلك النقابات المهنية، والروابط الطلابية، ومنظمات المجتمع المدني، والمبادرات المحلية، ثم لجان المقاومة التي أصبحت بعد ثورة ديسمبر 2018–2019 من أهم أشكال التنظيم السياسي والاجتماعي خارج البنية الحزبية التقليدية.
ويؤكد المقال أن ثورة ديسمبر كشفت بصورة واضحة عن وجود كتلة اجتماعية وسياسية واسعة لا تتطابق مع الأحزاب التقليدية. فقد لعبت تجمعات المهنيين ولجان المقاومة والمبادرات الشبابية والنسوية ومجموعات الأحياء والتنظيمات المدنية أدواراً مهمة في التعبئة والاحتجاج وتنسيق المقاومة المدنية. وكان شعار الثورة وممارساتها السياسية يعكسان رغبة في تجاوز كثير من الأشكال الحزبية التقليدية، وليس بالضرورة رفض السياسة أو الديمقراطية. ولذلك فإن ارتفاع نسبة غير المنظمين حزبياً لا ينبغي تفسيره تلقائياً باعتباره لامبالاة سياسية، بل يمكن أن يكون مؤشراً على تحول في شكل المشاركة السياسية من العضوية الحزبية الهرمية إلى أشكال أكثر مرونة وأفقية ومحلية ورقمية.
ويحلل المقال العلاقة بين الشباب وهذه الظاهرة بصورة خاصة، لأن التركيبة السكانية للسودان تجعل الأجيال الشابة مكوناً ضخماً من المجتمع، ولأن الشباب كانوا في قلب الاحتجاجات والحركات المدنية منذ سنوات طويلة. ويشير التحليل إلى أن ضعف الجاذبية الحزبية لدى قطاعات من الشباب يرتبط بعوامل متعددة، منها شيخوخة القيادات، ضعف التجديد الداخلي، محدودية مشاركة الشباب في صنع القرار الحزبي، استمرار الخطاب السياسي التقليدي، ضعف البرامج التفصيلية، والانقسامات المتكررة، إضافة إلى التجربة التاريخية للانقلابات والحروب والقمع. وفي المقابل، فإن الشباب لم يبتعدوا عن المجال العام؛ بل انتقل جزء كبير منهم إلى أشكال تنظيمية أخرى أكثر مرونة وأقل اعتماداً على العضوية الرسمية.
ويؤكد المقال أن أحد أهم مصادر الالتباس يتمثل في الخلط بين «غير المنتمي حزبياً» و«المستقل سياسياً». فالشخص قد لا يكون عضواً في حزب ولكنه يحمل تفضيلاً سياسياً واضحاً، وقد يصوت لحزب معين دون أن ينضم إليه، وقد يغير تفضيله من انتخابات إلى أخرى. كما يمكن أن يشارك في مظاهرة أو حملة أو مبادرة دون أن ينتمي إلى حزب. لذلك فإن قياس العضوية الحزبية وحده لا يكفي لقياس الحياة السياسية الفعلية في السودان. ويحتاج التحليل إلى مؤشرات متعددة تشمل العضوية، والتصويت، والثقة، والمشاركة الانتخابية، والمشاركة الاحتجاجية، والتطوع، والانخراط في المنظمات المدنية، والمشاركة الرقمية، والاستعداد للانضمام إلى الأحزاب.
ويعرض المقال مجموعة من الأساطير والمعلومات المضللة المرتبطة بالموضوع. ومن أبرزها الادعاء بأن «غالبية السودانيين أعضاء في الأحزاب التقليدية»، وهو استنتاج لا تدعمه بيانات وطنية موثوقة متاحة بصورة كافية. ومن الأساطير المقابلة القول إن «السودانيين لا يهتمون بالسياسة»، لأن التاريخ الحديث للبلاد يظهر مستويات مرتفعة من التعبئة والاحتجاج والمشاركة السياسية خارج المؤسسات الحزبية. كما أن القول إن «غير الحزبيين كتلة سياسية واحدة» مضلل، لأن هذه الفئة تضم أشخاصاً ذوي اتجاهات ومصالح ومواقف متباينة للغاية. ومن المعلومات المضللة كذلك تحويل نتائج استطلاع محدود أو منطقة جغرافية محددة إلى تقدير وطني شامل، أو استخدام نسبة من الناخبين الذين لا يذكرون حزباً معيناً باعتبارها نسبة غير المنظمين حزبياً، أو الخلط بين الناخب المستقل والناخب غير المسجل أو غير المشارك في الانتخابات.
ويشدد المقال على أن غياب الرقم الوطني الدقيق لا يعني غياب الأدلة، بل يعني ضرورة بناء تقدير علمي متعدد المصادر. وتساعد نتائج الاستطلاعات المتاحة والدراسات المتعلقة بالمشاركة السياسية والثقة في المؤسسات وتجارب الانتخابات والاحتجاجات على إثبات وجود فجوة كبيرة بين المجتمع السوداني وبين التنظيم الحزبي الرسمي، لكنها لا تسمح وحدها بإنتاج نسبة وطنية دقيقة وثابتة. كما أن الحرب الحالية تجعل أي تقدير حديث أكثر صعوبة بسبب النزوح الداخلي والخارجي، وانهيار المؤسسات، واختلاف ظروف السكان بين المناطق الواقعة تحت سيطرة أطراف مختلفة، وتراجع إمكانية الوصول إلى قطاعات كبيرة من السكان.
ويحلل المقال كذلك العلاقة بين عدم التنظيم الحزبي وضعف الثقة في الأحزاب. فالأحزاب السودانية تواجه مشكلات متراكمة تتعلق بالانقسام الداخلي، والشخصنة، وضعف الديمقراطية الداخلية، وعدم انتظام المؤتمرات، وغياب آليات فعالة لتجديد القيادات، وضعف التمويل الشفاف، وغياب البرامج التفصيلية في بعض الحالات، والتداخل بين الحزب والطائفة أو المنطقة أو الأسرة أو الحركة المسلحة. وقد جعلت هذه العوامل جزءاً من الجمهور ينظر إلى الأحزاب بوصفها كيانات نخبوية أو تاريخية أكثر من كونها مؤسسات حديثة قادرة على تمثيل المصالح الاجتماعية المتغيرة.
ويضيف المقال أن الحرب منذ 15 أبريل 2023 عمقت هذه المشكلة بصورة كبيرة. فقد أصبحت الأولوية بالنسبة إلى قطاعات واسعة من السكان هي البقاء والأمن والغذاء والنزوح والوصول إلى الخدمات ولمّ شمل الأسر، بينما تراجعت القدرة العملية على الانخراط في التنظيم الحزبي التقليدي. كما أن الحرب أعادت تشكيل المجال السياسي حول الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة والقوى المدنية والمبادرات الإنسانية والمجتمعات المحلية. وأصبح جزء كبير من النشاط العام يتم خارج الأحزاب، سواء عبر غرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية وشبكات المساعدة المحلية أو عبر الهياكل السياسية المدنية الجديدة.
ويبين المقال أن هذه التحولات تحمل آثاراً متناقضة على الديمقراطية. فمن ناحية، يمكن أن يمثل ارتفاع عدد غير المنظمين حزبياً فرصة تاريخية لبناء ديمقراطية أكثر انفتاحاً وأقل اعتماداً على الأحزاب التقليدية، لأن المواطنين يستطيعون إنشاء حركات جديدة والمشاركة في المجتمع المدني والضغط على الأحزاب وتغييرها. ومن ناحية أخرى، فإن ضعف التنظيم الحزبي قد يؤدي إلى برلمان مجزأ، وحملات انتخابية شخصية، وضعف القدرة على بناء برامج حكومية متماسكة، وصعوبة تكوين حكومات مستقرة، وزيادة نفوذ المال والإعلام والشخصيات المحلية، وفتح المجال أمام الجهات المسلحة أو الشبكات غير المنتخبة لملء الفراغ السياسي.
ويحلل المقال أيضاً خطر أن تتحول الكتلة غير الحزبية إلى مجال للاستقطاب الشعبوي أو التضليل الرقمي. فالمواطن غير المرتبط بمؤسسة سياسية قد يحصل على معلوماته من شبكات التواصل الاجتماعي أو مجموعات المحادثة، حيث تنتشر الشائعات والمعلومات الكاذبة بسرعة، خصوصاً في ظروف الحرب. وقد أدى ذلك إلى انتشار روايات متنافسة حول المسؤولية عن الحرب، والدعم الخارجي، والانتصارات العسكرية، والخسائر، والاتفاقات السياسية، والمواقف الدولية. ولا يعني ذلك أن غير الحزبيين أكثر عرضة للتضليل بالضرورة، وإنما يعني أن ضعف المؤسسات الوسيطة التي تتحقق من المعلومات وتقدم التفسير السياسي يزيد أهمية الإعلام المستقل والتعليم الإعلامي والشفافية.
ويشير المقال إلى أن الأحزاب نفسها تتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية اتساع هذه الفجوة. فبدلاً من التعامل مع غير المنظمين حزبياً باعتبارهم جمهوراً خاملاً أو كتلة انتخابية ينبغي استقطابها فقط أثناء الانتخابات، تحتاج الأحزاب إلى التعامل معهم بوصفهم مواطنين مستقلين لهم حقوق وتوقعات ومصالح متنوعة. ويتطلب ذلك الانتقال من الحزب الذي يعتمد على الزعامة إلى الحزب البرنامجي، ومن التعبئة الموسمية إلى التنظيم المستمر، ومن الخطاب العام إلى السياسات التفصيلية، ومن العضوية الشكلية إلى المشاركة الفعلية في صنع القرار.
ويقدم المقال مجموعة من الدروس المقارنة من الديمقراطيات التي تتميز بانخفاض العضوية الحزبية التقليدية، موضحاً أن تراجع العضوية لا يعني بالضرورة انهيار الديمقراطية، لكنه يصبح خطيراً عندما لا توجد مؤسسات بديلة للتمثيل والمساءلة. ففي بعض الديمقراطيات الحديثة انتقل جزء من المشاركة من العضوية الحزبية الدائمة إلى الحملات المؤقتة والحركات الاجتماعية والمنظمات المدنية والمنصات الرقمية. لكن نجاح هذا التحول يعتمد على وجود مؤسسات انتخابية وقضائية وإعلامية قوية، وتمويل سياسي شفاف، وانتخابات نزيهة، وقواعد واضحة للمساءلة، وقدرة الأحزاب على التكيف مع التغير الاجتماعي.
ومن أهم النتائج التي يصل إليها المقال أن المشكلة السودانية ليست ببساطة «كثرة غير الحزبيين»، بل عدم وجود علاقة مؤسسية مستقرة بين المواطنين والأحزاب والدولة. فالديمقراطية تحتاج إلى مواطنين مستقلين، لكنها تحتاج كذلك إلى مؤسسات قادرة على تجميع المصالح وتحويلها إلى برامج وسياسات. وبالتالي فإن الهدف ليس تحويل جميع المواطنين إلى أعضاء حزبيين، وإنما بناء نظام يستطيع فيه المواطن غير المنظم حزبياً أن يشارك بصورة فعالة، وأن يختار بحرية، وأن يراقب الحكومة، وأن ينضم إلى حزب إذا أراد، وأن يتركه إذا تغيرت قناعته، دون أن يفقد حقوقه السياسية.
ويقترح المقال أن الخطوة الأولى بعد الحرب يجب أن تكون إنشاء قاعدة بيانات وطنية علمية للمشاركة السياسية، من خلال مسح اجتماعي وسياسي دوري ومستقل يقيس العضوية الحزبية والانتماء السياسي والتصويت والثقة والمشاركة المدنية والاحتجاجية والرقمية، مع تفكيك النتائج حسب العمر والجنس والتعليم والمنطقة والحضر والريف والنزوح والدخل. ويجب ألا تقتصر عملية القياس على سؤال واحد عن العضوية الحزبية، بل تتضمن سلسلة من الأسئلة التي تميز بين العضوية الرسمية والتفضيل السياسي والتصويت والمشاركة المدنية.
كما يقترح المقال إصلاح قوانين الأحزاب والانتخابات بحيث تشجع الديمقراطية الداخلية والشفافية المالية وتجديد القيادات والمشاركة الشبابية والنسائية، وتفرض نشر المعلومات المالية والتنظيمية الأساسية، وتضع قواعد واضحة للتمويل الانتخابي والإعلام السياسي، وتضمن المساواة في المنافسة. ويؤكد أن الإصلاح القانوني وحده لن يكون كافياً إذا لم يصاحبه إصلاح مؤسسي وثقافي داخل الأحزاب نفسها.
ويرى المقال أن النظام الانتخابي ينبغي أن يأخذ في الاعتبار اتساع الفئة غير الحزبية، وأن يوازن بين التمثيل الجغرافي والتمثيل النسبي، بما يسمح للمستقلين والقوى الجديدة بالظهور دون أن يؤدي ذلك إلى تفكك مفرط للبرلمان. كما أن وجود عتبة انتخابية معقولة وآليات واضحة للتمثيل النسبي يمكن أن يساعد في تحويل التنوع السياسي إلى تمثيل مؤسسي بدلاً من تحويله إلى عشرات الكيانات الصغيرة غير القادرة على تشكيل سياسات عامة.
ويخلص المقال إلى أن غير المنظمين حزبياً في السودان ليسوا هامشاً في النظام السياسي، بل يمثلون إحدى أهم الحقائق الاجتماعية والسياسية التي ينبغي أن تبدأ منها عملية إعادة بناء الديمقراطية. ولا يمكن التعامل معهم باعتبارهم فراغاً سياسياً ينتظر أن تملأه الأحزاب، لأن جزءاً منهم يمثل اتجاهاً مقصوداً نحو الاستقلال عن التنظيمات التقليدية، وجزءاً آخر نتج عن فقدان الثقة، وجزءاً ثالثاً بسبب ضعف المؤسسات، وجزءاً رابعاً بسبب ظروف الحرب والنزوح والفقر وانهيار الدولة. ولذلك فإن النسبة الدقيقة ليست وحدها السؤال الأهم؛ الأهم هو فهم أسباب عدم التنظيم، وأشكاله، ومستوياته، وما إذا كان يمثل عزوفاً عن السياسة أم تحولاً في طريقة ممارستها.
وتتمثل الخلاصة النقدية في أن الديمقراطية السودانية المقبلة لن تنجح بمجرد إعادة الأحزاب القديمة إلى الساحة، كما أنها لن تنجح بمجرد تجاوز الأحزاب لصالح حركات مدنية غير مؤسسية. المطلوب هو بناء منظومة سياسية تسمح بتعايش الحزب والحركة والمبادرة والمستقل والمجتمع المدني والنقابة واللجان المحلية ضمن قواعد ديمقراطية واحدة. ويعني ذلك أن قوة الديمقراطية لا تقاس بعدد أعضاء الأحزاب فقط، وإنما بقدرة النظام السياسي على تحويل المواطنين، سواء كانوا منظمين حزبياً أم مستقلين، إلى فاعلين سياسيين يتمتعون بالمعلومات والحقوق والقدرة على التنظيم والمساءلة والتغيير السلمي. وفي السودان، يصبح هذا الأمر أكثر إلحاحاً بعد الحرب، لأن إعادة بناء الشرعية السياسية ستتطلب توسيع قاعدة المشاركة وإعادة الثقة في المؤسسات، لا مجرد إعادة إنتاج البنى الحزبية التي سبقت الحرب.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: ليست المشكلة أن السودانيين ابتعدوا عن السياسة، بل أن السياسة السودانية فقدت رابطها الحزبي الجماهيري
تُعد نسبة المواطنين غير المنظمين حزبياً أو غير المرتبطين وجدانياً بأي حزب من أهم المؤشرات لفهم طبيعة الديمقراطية السودانية ومستقبل الأحزاب السياسية، إلا أن هذا المؤشر ظل أقل حضوراً في النقاش العام السوداني من مؤشرات أخرى مثل عدد الأحزاب المسجلة، ونتائج الانتخابات، وحجم المظاهرات، أو عدد أعضاء الأحزاب كما تعلنه التنظيمات نفسها. والمشكلة المنهجية الأساسية هي أن هذه المؤشرات لا تقيس الشيء نفسه. فوجود عشرات الأحزاب لا يعني أن المجتمع متعدد الانتماءات الحزبية، كما أن المشاركة في مظاهرة أو لجنة مقاومة أو نقابة لا تعني العضوية في حزب سياسي، كما أن التصويت لحزب في انتخابات لا يعني بالضرورة العضوية فيه أو الالتزام الدائم به. وتؤكد الأدبيات الحديثة حول تنظيم الأحزاب أن الحزب ينبغي أن يُفهم باعتباره مؤسسة وسيطة بين المجتمع والدولة، وأن قوة هذه الوساطة لا تقاس بعدد الأحزاب فقط، وإنما بقدرتها على تنظيم المشاركة، واختيار المرشحين، وتجميع المصالح، وصياغة السياسات، وربط المواطنين بالمؤسسات العامة (Poguntke, 2024). كما أن الأدبيات المقارنة حول نظم الأحزاب تحذر من الخلط بين عدد التنظيمات وبين درجة مؤسسية النظام الحزبي أو عمق علاقته بالمجتمع (Mair, 1998).
وتقدم أفضل الأدلة الوطنية المتاحة صورة شديدة الدلالة. ففي آخر مسح وطني تمثيلي واسع أجري قبل اندلاع الحرب الحالية، خلال نوفمبر–ديسمبر 2022، قال 11% فقط من السودانيين البالغين إنهم يشعرون بالقرب من حزب سياسي معين، مقابل 41% في 2013؛ أي إن نسبة القرب الحزبي انخفضت بنحو ثلاثة أرباع خلال تسع سنوات (Mustun, 2025). وتؤكد نتائج أفروباروميتر المنشورة أن هذه النسبة انخفضت بصورة متدرجة من 41% في 2013 إلى 39% في 2015، ثم إلى 23% في 2018، و17% في 2021، وأخيراً 11% في 2022، وهو اتجاه زمني طويل لا يمكن تفسيره باعتباره نتيجة ظرفية لمسح واحد أو حادثة سياسية منفردة (Mustun, 2025).
وفي البيانات الخام المنشورة للمسح نفسه، أجاب 81.3% بأنهم لا يشعرون بالقرب من أي حزب، بينما أجاب 10.8% بأنهم يشعرون بالقرب من حزب، وامتنع 6.1% عن الإجابة، ولم يعرف 1.8% الإجابة. وهذه الأرقام مهمة لأنها تسمح بالتمييز بين النسبة المنشورة بالتقريب، وهي 11%، وبين التوزيع التفصيلي للاستجابات. ومن ثم فإن الرقم الأدق الذي يمكن استخراجه من السؤال هو أن نحو أربعة أخماس المستجيبين صرحوا صراحة بأنهم لا يشعرون بالقرب من أي حزب، وأن نحو عُشرهم فقط صرحوا بقربهم من حزب، مع بقاء نسبة صغيرة لم تقدم إجابة محددة. ولا يجوز تحويل هذا المؤشر مباشرة إلى نسبة العضوية القانونية في الأحزاب، لأن السؤال يقيس «القرب من حزب» وليس «العضوية الرسمية» (Afrobarometer, 2024).
وهذا يجعل التقدير الأكثر تحفظاً هو أن نحو 88% من الذين قدموا إجابة صريحة بنعم أو لا لم يشعروا بالقرب من أي حزب، بينما شعر نحو 12% منهم بالقرب من حزب؛ وإذا استخدمت النسبة المنشورة في نتائج أفروباروميتر تصبح النتيجة 11% مقابل نحو 89% من إجمالي العينة التي لم تعلن قرباً حزبياً، مع ملاحظة أن جزءاً صغيراً من هذه النسبة يتكون من الرافضين للإجابة ومن لا يعرفون. ولذلك لا يصح تحويل الرقم 89% آلياً إلى «89% غير أعضاء في الأحزاب». العبارة العلمية الأدق هي أن نحو أربعة أخماس البالغين السودانيين لا يشعرون بالقرب من أي حزب، وأن نسبة من لديهم ارتباط حزبي معلن في أحدث قياس وطني قبل الحرب لا تتجاوز نحو 11%. وهذا التمييز ليس شكلياً، بل يمثل شرطاً أساسياً لمنع إنتاج أرقام مضللة في النقاش العام.
ولا تقل أهمية عن ذلك حقيقة أن هذا الابتعاد الحزبي لا يعني بالضرورة نفوراً شاملاً من الديمقراطية. ففي المسح نفسه رأى 77% من السودانيين أن الانتخابات هي أفضل وسيلة لاختيار القادة، ورفض 70% حكم الحزب الواحد، بينما رفض 57% الدكتاتورية، ونحو نصف المواطنين رفضوا الحكم العسكري. وفي الوقت نفسه انخفض تأييد فكرة الحاجة إلى تعددية حزبية إلى 38%، مقابل 55% رأوا أن كثرة الأحزاب تخلق الانقسام والارتباك، وقال 82% إن المنافسة بين الأحزاب تؤدي غالباً أو دائماً إلى العنف (Mustun, 2025).
وهنا تكمن المفارقة المركزية: السودانيون ليسوا بالضرورة أقل اهتماماً بالسياسة؛ بل أصبح عدد كبير منهم أقل ارتباطاً بالأحزاب بوصفها مؤسسات سياسية دائمة. وهذه ظاهرة تختلف جذرياً عن اللامبالاة السياسية، وقد تكون أكثر تعقيداً منها؛ فهي تعني انتقالاً من السياسة الحزبية التقليدية إلى أشكال أخرى من المشاركة، مثل لجان المقاومة، والنقابات والروابط المهنية، والحركات الاحتجاجية، والشبكات الرقمية، والعمل الإنساني المحلي، والتحالفات المؤقتة، وغرف الطوارئ، والمنظمات النسوية والشبابية، والمبادرات المجتمعية المحلية.
وتزداد أهمية النتيجة لأنها لا تعكس تراجعاً مفاجئاً بعد حرب 15 أبريل 2023 فقط؛ بل كان الاتجاه واضحاً قبل الحرب بسنوات. وفي المقابل، جعلت الحرب الحالية قياس الاتجاه بعد 2023 أكثر صعوبة، لأن النزوح الواسع، وانقطاع الاتصالات في مناطق كثيرة، وتدمير البنية الإحصائية، وصعوبة الوصول إلى السكان، وتحول ملايين المواطنين إلى نازحين ولاجئين، كلها عوامل تجعل إجراء مسح وطني احتمالي ممثل للسكان أكثر تعقيداً. ولذلك فإن أي رقم حديث يزعم أن «90%» أو «95%» أو «70%» من السودانيين غير حزبيين يحتاج إلى دليل مسحي وطني واضح، ولا يجوز استنتاجه من الانطباعات الإعلامية أو من عينة نشطة في وسائل التواصل الاجتماعي أو من عضوية مجموعة سياسية معينة.
والمنهجية التي يتم بها بناء هذا المقال تنطلق من ترتيب تحليلي يبدأ أولاً بتحديد ما يمكن قياسه وما لا يمكن قياسه، ثم يتتبع الاتجاه التاريخي للارتباط الحزبي، ثم يفسر أسبابه المؤسسية والتاريخية، ثم يميز بين الانتماء الحزبي والسياسة غير الحزبية، ثم يفكك الأساطير والمعلومات المضللة، ثم ينتقل إلى تأثير الظاهرة على الأحزاب والانتخابات والتمثيل والديمقراطية، وينتهي باقتراح نظام قياس وإصلاح مؤسسي. ويهدف هذا الترتيب إلى الانتقال من الرقم إلى تفسيره، ومن التفسير إلى نتائجه السياسية، ومن النتائج إلى الحلول القابلة للاختبار، بدلاً من الانتقال مباشرة من رقم واحد إلى استنتاج سياسي واسع.
أولاً: ماذا نعرف فعلاً عن حجم غير المرتبطين حزبياً؟ الرقم قوي، لكن ما يقيسه أضيق مما توحي به العبارة المتداولة
المؤشر الأقوى المتاح هو سلسلة أفروباروميتر التي تسمح بمقارنة الوضع عبر الزمن. فقد تراجعت نسبة السودانيين الذين قالوا إنهم يشعرون بالقرب من حزب سياسي من 41% في 2013 إلى 39% في 2015، ثم 23% في 2018، و17% في 2021، وصولاً إلى 11% في 2022 (Mustun, 2025). وهذه ليست مجرد نقطة قياس منفردة، بل اتجاه زمني متماسك ومتدرج في الابتعاد عن الأحزاب. وقد أجري مسح 2013 على عينة وطنية احتمالية طبقية من 1200 بالغ، مع مقابلات وجهاً لوجه باللغة العربية، بينما أجري مسح 2015 على عينة وطنية مماثلة من 1200 بالغ بهامش خطأ يقارب ±3 نقاط مئوية عند مستوى ثقة 95%، وأجري مسح 2018 على 1200 بالغ، ثم مسح 2021 على 1800 بالغ، بينما استند قياس 2022 إلى مسح أفروباروميتر الوطني التاسع (Afrobarometer, 2015; Afrobarometer, 2016; Afrobarometer, 2018; Afrobarometer, 2021; Mustun, 2025).
وتعني هذه السلسلة أن الانخفاض لم يكن انتقالاً صغيراً من «أغلبية» إلى «أقلية»، وإنما تغيراً جوهرياً في البنية السياسية المدركة. فإذا كان 41% من البالغين يشعرون بالقرب من حزب في 2013، فإن 11% فقط فعلوا ذلك في 2022. وبعبارة أخرى، انخفضت نسبة القرب الحزبي المعلن بنحو 30 نقطة مئوية، أي بما يقارب ثلاثة أرباع مستواها الأول. ولا يمكن اعتبار ذلك مجرد تبدل في تفضيل حزب معين، لأن السؤال يتعلق بالقرب من أي حزب، وبالتالي فإن التحول يعكس ابتعاداً عن الفئة الحزبية ككل أكثر مما يعكس انتقالاً جماعياً من حزب إلى حزب آخر.
لكن يجب التعامل مع هذه السلسلة باعتبارها قياساً لـ«الانتماء أو القرب الحزبي» وليس قياساً مباشراً لعضوية الحزب. ففي عام 2022، ومن أصل 1200 مقابلة، أجاب 975 شخصاً، أي 81.3%، بأنهم لا يشعرون بالقرب من أي حزب، مقابل 130 شخصاً، أي 10.8%، قالوا إنهم يشعرون بالقرب من حزب. أما البقية فكانت بين رفض الإجابة وعدم المعرفة. ولذلك فإن عبارة «نحو 89% غير حزبيين» ليست مساوية علمياً لعبارة «89% لا يملكون عضوية حزبية»، وإن كانت الأولى قد تكون تقريباً مفيدة لوصف عدم القرب الحزبي عند التعامل مع التوزيع الإجمالي.
وهناك سبب آخر للحذر: قد يكون المواطن عضواً في حزب لكنه لا يجيب بأنه «يشعر بالقرب» من الحزب، وقد يكون غير عضو لكنه يشعر بقرب سياسي شديد منه. وقد يصوت مواطن لحزب في انتخابات ولا يكون عضواً فيه، وقد يكون عضواً في حزب لأسباب اجتماعية أو عائلية دون أن يكون ناشطاً. ولذلك فإن المؤشر لا يقيس «قوة الحزب التنظيمية» وحدها، وإنما يقيس هوية سياسية ذاتية أكثر مرونة.
وتتوافق النتيجة كذلك مع انخفاض الثقة في الأحزاب. ففي مسح الباروميتر العربي الذي أجري في السودان في 2018، قال 15% فقط إن لديهم قدراً كبيراً أو كبيراً جداً من الثقة في الأحزاب السياسية، وكانت الأحزاب أقل المؤسسات السياسية ثقة في المسح، مقابل 64% للجيش، و52% للمحاكم والنظام القانوني، و49% للشرطة، و33% للحكومة والرئيس، و28% للبرلمان (Arab Barometer, 2019).
وتكشف المقارنة بين «القرب» و«الثقة» عن مشكلتين متصلتين ولكن غير متطابقتين. الأولى أن المواطن لا يرى نفسه قريباً من حزب، والثانية أنه لا يثق بالأحزاب. لكن انخفاض الثقة لا يعني بالضرورة غياب الطلب على الديمقراطية؛ فقد كان 42% في مسح الباروميتر العربي نفسه يرون أن الديمقراطية أفضل من أي نظام سياسي آخر، رغم أن هذه النسبة كانت منخفضة مقارنة بالدول الأخرى التي شملها المسح (Arab Barometer, 2019). ولذلك ينبغي ألا تفسر أزمة الأحزاب تلقائياً باعتبارها أزمة ديمقراطية شاملة.
وتظهر البيانات أيضاً أن المشكلة ليست مجرد رفض لحزب بعينه. ففي عام 2022 كان 55% يميلون إلى القول إن تعدد الأحزاب يؤدي إلى الانقسام والارتباك، مقابل 38% رأوا أن كثرة الأحزاب ضرورية لكي تكون أمام السودانيين خيارات حقيقية في الحكم. وكان الفرق أكثر دلالة في سؤال العنف السياسي، إذ قال 82% إن المنافسة بين الأحزاب تؤدي غالباً أو دائماً إلى صراع عنيف (Mustun, 2025).
وهذه النتيجة يجب قراءتها بعناية. فهي لا تثبت أن الأحزاب هي التي «تسبب» العنف في السودان، وإنما تثبت أن غالبية كبيرة من المواطنين الذين شملهم المسح كانت تنظر إلى المنافسة الحزبية باعتبارها مرتبطة بالعنف. والفرق بين السببية والإدراك الشعبي بالغ الأهمية. فقد يكون المواطن قد كوّن هذا الانطباع بسبب تاريخ الانقلابات، أو الحرب الأهلية، أو الصراع بين القوى السياسية، أو التجارب الشخصية، أو الخطاب الإعلامي، أو ضعف المؤسسات التي تنظم المنافسة.
كما أن البيانات التاريخية الخاصة بالانتخابات تؤكد أن السودان عرف فترات كانت فيها المنافسة الحزبية ذات أهمية حقيقية. ويعرض الدليل الانتخابي الأفريقي بيانات الانتخابات السودانية منذ 1953، ويبين أن الانتخابات والائتلافات الحزبية كانت جزءاً متكرراً من الحياة السياسية السودانية، رغم الانقطاعات العسكرية المتكررة (Fleischhacker, Doebbler, 1999). ولذلك فإن القول إن السودان «لم يعرف ثقافة حزبية» يتعارض مع التاريخ، بينما القول إن الثقافة الحزبية الحالية قوية جماهيرياً يتعارض مع أحدث بيانات المسوح.
ثانياً: العضوية ليست القرب، والتصويت ليس العضوية، والنشاط السياسي لا يساوي الانتماء الحزبي
أحد أكثر مصادر التضليل شيوعاً في النقاش السوداني هو استخدام كلمة «عضو» للإشارة إلى أربع ظواهر مختلفة: العضوية الرسمية، والانتماء أو القرب النفسي من حزب، والتصويت الانتخابي، والمشاركة السياسية.
فالعضو الرسمي هو شخص مسجل في تنظيم حزبي وفق قواعده الداخلية، وقد يدفع اشتراكاً أو يشارك في اجتماعاته أو انتخاباته الداخلية. أما «القرب الحزبي» فهو هوية سياسية أكثر مرونة؛ فقد يشعر الفرد بأنه قريب من حزب دون أن يكون عضواً فيه. أما التصويت فهو سلوك انتخابي في لحظة محددة ولا يثبت العضوية. وقد يصوت الشخص للحزب نفسه في انتخابات متعددة دون أن يصبح عضواً فيه، أو يصوت لحزب مختلف في كل انتخابات. أما النشاط السياسي فهو أوسع بكثير؛ فقد يكون المواطن شديد النشاط السياسي لكنه يرفض الانضمام إلى أي حزب.
وهذا التمييز ضروري في السودان بصورة خاصة لأن كثيراً من التنظيمات السياسية لا تنشر قواعد عضويتها بصورة مستقلة قابلة للتدقيق. وقد تعلن بعض الأحزاب أعداداً كبيرة من الأعضاء، بينما لا توجد في المقابل قاعدة بيانات وطنية موحدة تسمح بالتحقق من هذه الأرقام أو إزالة التكرار أو معرفة عدد الأعضاء النشطين مقارنة بالأعضاء المسجلين تاريخياً. ولذلك فإن استخدام الأرقام التنظيمية الداخلية بوصفها قياساً للسكان لا يستوفي شروط القياس العلمي.
كما أن الانتخابات السودانية نفسها كانت متقطعة زمنياً. فقد أعاقت الانقلابات والحكم العسكري والحروب وعدم الاستقرار إمكانية بناء نمط مستمر من التصويت الحزبي، لأن المواطن لم تتح له فرص متكررة لاختبار الأحزاب في انتخابات تنافسية مستقرة. ويؤدي غياب الانتخابات الدورية إلى إضعاف وظيفة «التغذية الراجعة» التي تسمح للناخبين بمعاقبة الحزب أو مكافأته، وتسمح للحزب بتعلم ما يريده المجتمع.
ولهذا فإن البيانات التي تظهر أن 11% يشعرون بالقرب من حزب لا تسمح باستنتاج أن العضوية الرسمية 11%. وبالمثل، لا يمكن القول إن كل الـ81.3% الذين نفوا القرب الحزبي لا يصوتون للأحزاب أو لا يمارسون السياسة. كما أن بيانات سؤال «لأي حزب ستصوت؟» في مسح أفروباروميتر 2022 لا تصلح بديلاً عن قياس العضوية الحزبية؛ لأنها سؤال انتخابي افتراضي، وقد تضمنت نسباً كبيرة من «لن أصوت» و«لا أعرف» و«أرفض الإجابة» (Afrobarometer, 2024).
وتكشف نتائج 2018 مثالاً مهماً على الفرق بين القرب والتصويت. ففي سؤال افتراضي عن التصويت في انتخابات رئاسية، ظهرت نسب مختلفة لأحزاب متعددة، منها المؤتمر الوطني وحزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل والمؤتمر الشعبي والحزب الشيوعي وحزب المؤتمر السوداني، مع اختلافات بين الحضر والريف والرجال والنساء (Afrobarometer, 2018). ولا يعني ذلك أن كل شخص اختار اسماً حزبياً كان عضواً في الحزب؛ فالسؤال يقيس نية التصويت وليس العضوية.
والنتيجة المنهجية هي أن السودان يحتاج إلى قياس أربعة متغيرات منفصلة على الأقل: «هل أنت عضو رسمي؟»، و«هل تشعر بالقرب من حزب؟»، و«لمن صوتت في آخر انتخابات؟»، و«ما أشكال المشاركة السياسية التي تمارسها؟». وإضافة سؤال خامس عن «الثقة في الأحزاب» ستسمح بفهم ما إذا كان المواطن غير الحزبي رافضاً للأحزاب، أو غير مبال بها، أو راغباً في الانضمام إلى حزب جديد، أو ببساطة لا يرى الحاجة إلى عضوية رسمية رغم مشاركته السياسية.
ثالثاً: من تاريخ الأحزاب الوطنية إلى ثلاثة عقود من القطيعة المؤسسية — لماذا فقدت الأحزاب قدرتها على إنتاج ولاء جماهيري مستقر؟
لا يمكن تفسير الابتعاد عن الأحزاب باعتباره دليلاً على «ثقافة سودانية معادية للأحزاب». فالتاريخ السياسي السوداني يوضح أن الأحزاب لعبت دوراً أساسياً في بناء الحركة الوطنية والاستقلال وفي الانتخابات الديمقراطية السابقة، كما أن الحياة السياسية السودانية نشأت أصلاً من تفاعل التيارات الوطنية والطائفية والأيديولوجية والاجتماعية المختلفة (Cudsi, 1978; Warburg, 1978).
وتعود الجذور الحديثة للتنظيم السياسي إلى النصف الأول من القرن العشرين، عندما بدأت الجمعيات والروابط والخلايا السياسية في التحول تدريجياً إلى تنظيمات أكثر وضوحاً. كما ارتبطت الأحزاب التقليدية بصورة وثيقة بالبنى الدينية والاجتماعية، وخاصة الأنصار والختمية، بينما ظهرت لاحقاً تنظيمات ذات أساس أيديولوجي مثل الحزب الشيوعي والحركة الإسلامية. وتوضح الدراسات التاريخية أن الحزب الشيوعي السوداني، الذي تأسس في أربعينيات القرن العشرين، استطاع في بعض المراحل بناء قواعد بين العمال والطلاب والمزارعين، وهو مثال على أن التنظيم الحزبي الجماهيري لم يكن غريباً عن السودان (Kurita, 2019).
لكن هذه الحياة الحزبية تعرضت لتقطعات مؤسسية عميقة. فقد شهد السودان انقلابات عسكرية متكررة، وحظر الأحزاب، وحكماً شمولياً امتد ثلاثة عقود في عهد عمر البشير، وسيطرة طويلة للمؤتمر الوطني على الدولة، إلى جانب استخدام أجهزة الدولة والأمن والموارد العامة في إدارة المجال السياسي. وتوضح تقارير حقوق الإنسان أن النظام السابق كان يراقب اجتماعات الأحزاب المعارضة ويقيد نشاطاتها ويعتقل أعضاءها، كما كان الإطار المؤسسي لتسجيل الأحزاب خاضعاً لتأثير السلطة الحاكمة (US Department of State, 2019).
ولا ينبغي الاستهانة بالأثر المتراكم لهذه التجربة. فالحزب الذي يُمنع من العمل لمدة طويلة يفقد القدرة على تجنيد أجيال جديدة. والجيل الذي يبلغ سن الرشد في ظل نظام شمولي لا يتعلم السياسة من خلال مؤتمرات حزبية أو انتخابات داخلية، وإنما قد يتعلمها من الأسرة أو الجامعة أو الشارع أو وسائل الإعلام أو شبكات التواصل. وبمرور الزمن، تصبح الثقافة التنظيمية للحزب أقل رسوخاً، بينما تصبح القيادة التاريخية أكثر مركزية.
وفي ظل هذا السياق، لم تتحول الأحزاب على مدى عقود إلى مؤسسات تنافسية مستقرة قادرة على تجديد العضوية بصورة منتظمة، وتطوير برامج عامة، وتداول القيادة، وتكوين كوادر محلية، وبناء ثقة عابرة للأجيال. وقد أدى ذلك إلى انفصال متزايد بين «الحزب» بوصفه تنظيماً نخبوياً وبين «المجتمع» بوصفه فضاءً اجتماعياً واسعاً.
ويضيف مفهوم «السوق السياسي» في الحالة السودانية بعداً آخر. فقد وصف دي وال الدولة السودانية باعتبارها نظاماً سياسياً أبوياً-زبائنياً تُدار فيه الولاءات بصورة مرتبطة بالموارد والمنافع والمواقع السياسية، بما يجعل الولاء السياسي قابلاً لإعادة التفاوض بدلاً من أن يكون انتماءً مؤسسياً مستقراً (de Waal, 2016). وهذا السياق يضعف الحافز للانتماء الحزبي طويل الأمد عندما يصبح الوصول إلى الدولة والموارد أكثر أهمية من بناء تنظيم سياسي جماهيري قائم على البرنامج.
كما أن علاقة بعض الأحزاب بالبنى الطائفية والاجتماعية التقليدية أسهمت في إنتاج شكل من أشكال الانتماء السياسي المختلف عن العضوية الحزبية الحديثة. فالشخص قد يكون مرتبطاً اجتماعياً بزعيم أو طائفة أو أسرة سياسية دون أن يكون مشاركاً في حزب باعتباره مؤسسة قائمة على البرنامج. وقد سمحت هذه الروابط في بعض الفترات بتعبئة واسعة، لكنها جعلت تجديد الأحزاب أكثر صعوبة عندما تغير المجتمع وتوسعت المدن والتعليم والهجرة والطبقة الوسطى والشباب.
وتكشف الأدبيات التاريخية أن المجتمع المدني نفسه كان في مراحل طويلة متشابكاً مع القوى الطائفية والحزبية. وقد أشارت دراسة حديثة إلى أن نشأة المجتمع المدني السوداني منذ أربعينيات القرن العشرين كانت مرتبطة بدرجات متفاوتة بالطوائف السياسية الكبرى، وهو ما جعل الحدود بين الحزب والمجتمع المدني أقل وضوحاً مما هي عليه في بعض الديمقراطيات الأخرى (Carnegie, 2023).
ومن هنا يمكن فهم لماذا لا تكفي زيادة عدد الأحزاب. فالمشكلة ليست «قلة التنظيمات» بل ضعف العلاقة بين التنظيمات والمواطنين. وإذا كان المواطن يرى الحزب باعتباره مؤسسة انتخابية موسمية، أو منصة تفاوضية للنخب، أو امتداداً لشخصية تاريخية، فإن الحافز للانضمام المستمر سيكون أقل من الحافز للمشاركة في قضية محددة عبر حركة اجتماعية أو مبادرة محلية.
رابعاً: من الحزب الجماهيري إلى المواطن المستقل — ماذا تقول النظرية السياسية الحديثة، وأين تختلف الحالة السودانية؟
تتفق التجربة السودانية جزئياً مع اتجاه عالمي أوسع في الديمقراطيات المعاصرة، وإن كانت أسباب السودان مختلفة في جوانب مهمة. فقد وثقت الأدبيات المقارنة تراجع الانتماء الحزبي التقليدي وظهور ما يسمى «الابتعاد الحزبي» أو «الانفصال الحزبي»، أي انخفاض نسبة المواطنين الذين يرون أنفسهم مرتبطين بصورة مستقرة بحزب سياسي (Dalton, 2002). وتفسر بعض الأدبيات ذلك بارتفاع التعليم، وتوسع وسائل الحصول على المعلومات، وزيادة قدرة المواطنين على تكوين مواقف سياسية مستقلة عن التنظيمات الحزبية التقليدية.
كما بينت دراسات مقارنة أن عضوية الأحزاب انخفضت بصورة ملموسة في عدد كبير من الديمقراطيات، وأن الأحزاب انتقلت تدريجياً من نموذج «الحزب الجماهيري» الذي يعتمد على أعضاء كثيفي التنظيم إلى نماذج أكثر احترافية تعتمد بدرجة أكبر على القيادات والاتصال الجماهيري والانتخابات ووسائل الإعلام (van Biezen, Mair, Poguntke, 2012). وتوضح الأدبيات الحديثة أن الاختلافات التنظيمية بين الأحزاب تؤثر في اختيار المرشحين، وإدماج الأفكار الجديدة في البرامج، ووحدة الكتل البرلمانية، وقدرة الأعضاء على التأثير في القرار (Scarrow, Webb, Poguntke, 2017).
وتذهب نظرية «الحزب الكارتلي» إلى أن الأحزاب يمكن أن تصبح أكثر اعتماداً على موارد الدولة وأقل اعتماداً على العضوية المجتمعية، وهو ما يضعف العلاقة العضوية بين المجتمع والحزب (Katz, Mair, 1995). وقد أدى هذا الاتجاه في بعض الدول إلى نمو أحزاب مهنية شديدة الاحتراف لكنها أقل اعتماداً على قواعد عضوية كثيفة.
كما يرى فان بيزن وبوغونتكي أن تراجع السياسة القائمة على العضوية يطرح مشكلة ديمقراطية لأن الأحزاب كانت تاريخياً إحدى أهم الآليات التي تربط المواطنين بالمؤسسات التمثيلية (van Biezen, Poguntke, 2014). غير أن الدراسات الأحدث تؤكد أن تراجع العضوية لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء الأحزاب، بل قد يدفعها إلى إعادة بناء أدوات المشاركة والاتصال والتمثيل (Poguntke, 2024).
لكن إسقاط هذه النظرية مباشرة على السودان سيكون خطأ. ففي أوروبا، ارتبط تراجع العضوية بتغيرات اجتماعية واقتصادية وتعليمية طويلة الأجل داخل ديمقراطيات مستقرة نسبياً. أما السودان، فإن الابتعاد عن الأحزاب ارتبط كذلك بالانقلابات، والقمع، والحرب، وضعف المؤسسات، وتفكك الدولة، وانعدام الانتخابات المنتظمة، وعدم الاستقرار الحزبي، وتجارب التحالفات والانشقاقات. ولذلك فإن «الانفصال الحزبي السوداني» يجمع بين تغير اجتماعي حديث وفشل مؤسسي تاريخي.
وهناك فارق آخر مهم. في الديمقراطية المستقرة، قد يكون المواطن «مستقلاً» لأنه يمتلك ثقة في المؤسسات وقدرة على اختيار حزب جديد. أما في الدولة الهشة، فقد يكون المواطن غير حزبي لأنه فقد الثقة في جميع الأحزاب ولم يعد يعتقد أن عضويته ستؤثر في السياسة. النتيجة الرقمية قد تبدو واحدة، لكن معناها السياسي مختلف تماماً.
ومن ثم فإن انخفاض العضوية أو القرب الحزبي في السودان لا ينبغي أن يفسر بوصفه بالضرورة علامة على «حداثة سياسية» أو «استقلال الناخب». قد يكون جزء منه كذلك، لكن جزءاً آخر يمكن أن يكون نتيجة فشل مؤسسي وتاريخ طويل من الانقطاعات السياسية.
خامساً: المفارقة السودانية الكبرى — انخفاض الانتماء الحزبي مع ارتفاع أشكال التنظيم السياسي غير الحزبي
إذا اعتبرنا الانتماء الحزبي المعيار الوحيد للمشاركة السياسية فسوف نصل إلى صورة مضللة عن المجتمع السوداني. فقد أظهرت ثورة ديسمبر 2018–2019 أن القدرة على التعبئة السياسية يمكن أن تكون ضخمة حتى عندما يكون الارتباط الحزبي المباشر محدوداً.
لعبت لجان المقاومة على مستوى الأحياء دوراً مركزياً في تنظيم الاحتجاجات، ثم أصبحت بعد سقوط البشير فاعلاً سياسياً واجتماعياً مهماً. وتشير الدراسات إلى أنها كانت ذات طبيعة محلية ولا مركزية، وضمّت أفراداً من خلفيات سياسية واجتماعية مختلفة، كما مارست أشكالاً من التنظيم الذاتي والتنسيق الأفقي (Bishai, 2023; Serekberhan, 2025).
وفي مارس 2021 استطاع مركز كارتر، باستخدام أسلوب التتبع الشبكي، تحديد 7238 منظمة شبابية ولجنة مقاومة في المجتمعات المحلية السودانية، منها 5289 لجنة مقاومة، أي 73%، و1949 منظمة شبابية أخرى، أي 27%. ثم شارك 1023 ممثلاً عن هذه المجموعات في مسح أوسع، كما أجرى المركز أكثر من 120 مجموعة نقاش ومقابلة فردية إضافية (Carter Center, 2021).
ولا يعني ذلك أن ملايين السودانيين كانوا أعضاء في لجان المقاومة؛ فعدد التنظيمات لا يساوي عدد الأعضاء، كما أن المسح لم يكن مسحاً سكانياً لعضوية لجان المقاومة. لكنه يثبت شيئاً أكثر أهمية: كان هناك مجال واسع من التنظيم السياسي والاجتماعي خارج البنية الحزبية التقليدية.
كما أن هذا التنظيم لم يكن محصوراً في الخرطوم. فقد أظهرت بيانات مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها أن الاحتجاجات بعد سقوط البشير حدثت في أكثر من 90 موقعاً في السودان، وأن المتظاهرين طوروا أشكالاً من التنظيم شملت الخيام الطبية، والخدمات، والتفاوض بشأن طبيعة السلطة الانتقالية (ACLED, 2019).
وفي الفترة من 25 أكتوبر 2021 إلى نهاية 2022، نظمت لجان المقاومة احتجاجات في ما لا يقل عن 90 موقعاً ضد الانقلاب العسكري، وسجل مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها تدخل قوات الدولة في قرابة 30% من تلك المظاهرات، مع 114 حالة وفاة على الأقل مرتبطة بها وفق الأحداث المسجلة في قاعدة البيانات (Ali, Kazemi, 2023). وفي الفترة من 11 مارس إلى 7 أبريل 2023 وحدها سجلت القاعدة أكثر من 100 مظاهرة، وكانت لجان المقاومة قد نظمت أكثر من 60% من جميع المظاهرات المسجلة خلال الفترة محل الدراسة (Ali, Kazemi, 2023).
ولا ينبغي تفسير هذه الأرقام باعتبارها دليلاً على أن لجان المقاومة كانت تمثل كل المجتمع أو أنها كانت تنظيماً سياسياً موحداً. على العكس، كان أحد مصادر قوتها تنوعها وعدم مركزيتها، وكان أحد مصادر ضعفها صعوبة تحويل هذا التنوع إلى برنامج وطني موحد. لكن هذه التجربة تظل دليلاً قوياً على أن المواطن السوداني يستطيع ممارسة السياسة بكثافة من خارج الحزب.
وقد وصف مركز الدراسات التنموية في النرويج لجان المقاومة المحلية بأنها تعتمد على قاعدة عضوية من الشباب، مع تنوع اجتماعي وسياسي، وأنها سعت إلى تجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية وبناء مسار سياسي جديد (CMI, 2020). كما أوضحت تقارير ومناقشات دولية أن المتظاهرين في القواعد الشعبية رفضوا عمداً في مراحل مختلفة إنشاء بنية حزبية رسمية لأنهم رأوا أن ذلك قد يجعل الحركة عرضة للاختطاف الداخلي، ولأنهم لم يثقوا بالأحزاب القائمة (ECFR, 2020).
وهذا يفسر جزئياً لماذا يمكن أن يجتمع رقمان يبدو أنهما متناقضان ظاهرياً: انخفاض القرب من الأحزاب إلى 11%، وفي الوقت نفسه ظهور تعبئة شعبية هائلة في الشارع. فالسياسة لم تختفِ؛ بل تغيرت قنواتها التنظيمية.
وأصبح هذا التحول أكثر وضوحاً بعد اندلاع الحرب في 2023. فقد تحولت أجزاء من لجان المقاومة وشبكات المجتمع المحلي إلى غرف طوارئ للاستجابة الإنسانية، بينما انضمت إليها أعداد كبيرة من الأطباء والمعلمين والمنظمين المحليين الذين لم يكن لديهم بالضرورة تاريخ سياسي سابق. وتشير تقديرات حديثة إلى وجود أكثر من 700 غرفة طوارئ تعمل في الولايات الثماني عشرة، مع أكثر من 26 ألف متطوع، وهو مثال بالغ الدلالة على أن القدرة التنظيمية المجتمعية لم تختف أثناء الحرب وإنما تغيرت وظيفتها (Chatham House, 2026).
وتشير تقديرات أخرى إلى أن غرف الطوارئ والشبكات المحلية كانت تصل إلى ملايين الأشخاص عبر المطابخ المجتمعية والعيادات والإجلاء والمساعدة المحلية، وهو ما جعلها جزءاً من البنية الاجتماعية التي عوضت جزئياً غياب الدولة أو عجز المؤسسات الدولية عن الوصول إلى بعض المناطق (Chatham House, 2024).
ومن ثم فإن المقارنة بين «11% قريبون من حزب» وبين «ملايين المشاركين في شبكات مجتمعية» تكشف أن الوحدة الأساسية للسياسة السودانية لم تعد بالضرورة الحزب، وإنما قد تكون الشبكة المحلية أو القضية أو المهنة أو الحي أو المبادرة المجتمعية.
سادساً: الأساطير والشائعات والمعلومات المضللة — ماذا تقول البيانات فعلاً وماذا لا تقول؟
الأسطورة الأولى: «89% من السودانيين لا ينتمون إلى الأحزاب»
هذه العبارة منتشرة ومغرية لأنها تبدو دقيقة إحصائياً، لكنها تتجاوز ما تسمح به البيانات.
البيانات تقول إن 81.3% أجابوا بأنهم لا يشعرون بالقرب من أي حزب، بينما 10.8% قالوا إنهم يشعرون بالقرب من حزب. أما البقية فرفضوا الإجابة أو لم يعرفوا. ولذلك فإن تحويل الرقم إلى «89% غير أعضاء» هو استنتاج غير صحيح منهجياً.
والأدق هو القول: نحو أربعة أخماس البالغين السودانيين لا يشعرون بالقرب من أي حزب، ونحو 11% فقط يشعرون بالقرب من حزب سياسي في آخر مسح وطني تمثيلي قبل الحرب. أما العضوية القانونية فلا توجد لها نسبة وطنية حديثة موثوقة قابلة للمقارنة.
وتنبع أهمية هذا التصحيح من أن الرقم الخاطئ يمكن استخدامه بطريقتين متناقضتين: قد تستخدمه الأحزاب لإثبات أن «الشعب كله مستقل» بما يوحي بعدم الحاجة إلى التنظيم الحزبي، أو يستخدمه خصوم الأحزاب لإعلان أن «89% من السودانيين يرفضون الأحزاب». كلا الاستنتاجين يتجاوز البيانات.
الأسطورة الثانية: «غير الحزبيين هم غير سياسيين»
الأدلة السودانية تنقض هذه الفرضية بقوة. فالعديد من المواطنين الذين لا يشعرون بالقرب من حزب شاركوا في الاحتجاجات، أو في لجان المقاومة، أو النقابات، أو المبادرات المجتمعية، أو غرف الطوارئ، أو العمل الإنساني المحلي.
وقد أظهرت دراسة حديثة عن انتفاضة 2018–2019 أن التنظيم الذاتي غير الهرمي لمجموعات مستقلة، بما فيها لجان المقاومة وتنظيمات العمال والباعة والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي، كان عنصراً مهماً في القدرة على التعبئة السياسية (Serekberhan, 2025). كما أظهرت دراسات عن لجان المقاومة أنها وفرت مساحة للتنظيم السياسي خارج الهياكل الحزبية الرسمية (Bishai, 2023).
وهذا يعني أن «غير حزبي» ليس مرادفاً لـ«غير سياسي». ويمكن أن يكون المواطن غير حزبي لكنه أكثر نشاطاً سياسياً من عضو حزبي لا يحضر اجتماعات حزبه ولا يشارك في نشاطاته.
الأسطورة الثالثة: «كثرة الأحزاب تعني أن السودان مجتمع متعدد حزبياً»
وجود عدد كبير من الأحزاب لا يساوي تعددية اجتماعية حقيقية. فقد ذكرت تقارير حقوقية أن مجلس شؤون الأحزاب السياسية كان يسجل عشرات الأحزاب في عهد البشير، بينما كانت بعض الأحزاب التاريخية الرئيسية غير مسجلة رسمياً في فترات معينة، وهو ما يوضح أن عدد الأحزاب المسجلة كان مؤشراً قانونياً أكثر منه مؤشراً على قوة التنظيم الحزبي المجتمعي (US Department of State, 2016).
والأكثر دلالة أن 38% فقط من السودانيين في 2022 أيدوا فكرة الحاجة إلى أحزاب متعددة، بينما رأى 55% أن تعدد الأحزاب يخلق الانقسام والارتباك (Mustun, 2025). ولذلك فإن «التعددية العددية» قد تتعايش مع «الابتعاد الجماهيري عن الأحزاب».
والفكرة الأساسية هنا أن الديمقراطية لا تقاس بعدد أسماء الأحزاب في السجل الرسمي. فقد يوجد بلد فيه 100 حزب لكن معظمها بلا أعضاء حقيقيين، أو بلا فروع محلية، أو بلا موارد، أو بلا انتخابات داخلية، أو بلا تمثيل انتخابي. وفي المقابل يمكن أن توجد ديمقراطية فيها أربعة أو خمسة أحزاب قوية ذات قواعد اجتماعية واضحة.
الأسطورة الرابعة: «رفض الأحزاب يعني رفض الديمقراطية»
هذه أيضاً لا تدعمها البيانات. ففي 2022 رأى 77% من السودانيين أن الانتخابات هي أفضل طريقة لاختيار القادة، ورفض 70% حكم الحزب الواحد، ورفض 57% الدكتاتورية، في حين كان 50% ضد الحكم العسكري (Mustun, 2025).
وفي مسح أفروباروميتر السابق، كان هناك أيضاً دعم مهم للانتخابات والمساءلة والقيود على السلطات الرئاسية، رغم أن التأييد لم يكن مطلقاً ولم يكن متجانساً بين جميع الفئات (Isbell, Elawad, 2019).
إذن، يمكن للسوداني أن يكون ديمقراطياً، مؤيداً للانتخابات، رافضاً للحكم الفردي، لكنه في الوقت نفسه لا يريد الانضمام إلى حزب بعينه. وهذا يختلف جذرياً عن رفض الديمقراطية.
الأسطورة الخامسة: «الأحزاب تمثل المجتمع لأنها كانت جزءاً من الثورة»
كانت الأحزاب جزءاً من الثورة، وهذا صحيح، لكنها لم تكن وحدها الثورة. فقد تشكلت الحركة الثورية من تفاعل الأحزاب والنقابات المهنية ولجان المقاومة والنساء والشباب والمبادرات المحلية وغيرها. وتشير الدراسات إلى أن لجان المقاومة والتنظيمات الذاتية كانت ذات استقلال نسبي عن الأحزاب، وأن هذه الاستقلالية ساعدت في منع احتكار قيادة الثورة من جانب تنظيم واحد (Bishai, 2023; Serekberhan, 2025).
وبالتالي فإن تحويل الثورة إلى «ثورة أحزاب» يختزل الواقع الاجتماعي والتنظيمي، كما أن تصويرها باعتبارها «ثورة بلا أحزاب» يتجاهل الدور الذي لعبته الأحزاب والتحالفات السياسية في التنسيق الوطني.
الأدق أنها كانت ثورة متعددة التنظيمات، كان فيها الحزب واحداً من عدة أشكال للتنظيم السياسي.
الأسطورة السادسة: «الابتعاد عن الأحزاب سببه وسائل التواصل الاجتماعي فقط»
وسائل التواصل الاجتماعي غيرت طرق الاتصال السياسي بلا شك، لكنها لا تستطيع تفسير الاتجاه الذي بدأ قبل الانتشار الحالي للمنصات الرقمية. فالانخفاض من 41% في 2013 إلى 39% في 2015 ثم 23% في 2018 و17% في 2021 و11% في 2022 حدث عبر فترة شهدت تغيرات تكنولوجية كبيرة، لكنه تزامن أيضاً مع عوامل سياسية ومؤسسية أعمق.
كما أن وسائل التواصل قد تكون سبباً في تقليل اعتماد المواطن على الحزب كمصدر للمعلومات، لكنها لا تفسر لماذا يثق المواطن بحزب أو لا يثق به. فالثقة تتأثر كذلك بتاريخ الحزب، وقياداته، وأدائه، وشفافيته، وعلاقته بالدولة، وموقفه من الجيش والحرب والسلام والاقتصاد.
الأسطورة السابعة: «إذا كان الناس غير حزبيين، فالأفضل إلغاء الأحزاب»
هذا الاستنتاج غير صحيح أيضاً. انخفاض القرب الحزبي يجعل إصلاح الأحزاب أكثر إلحاحاً، لا يجعل وجودها غير ضروري. فالأحزاب تؤدي وظائف لا تستطيع الشبكات الاجتماعية وحدها القيام بها، مثل تقديم قوائم انتخابية، وتجميع المصالح، وصياغة برامج تشريعية، وتشكيل حكومات ائتلافية، وتحمل المسؤولية أمام الناخبين، وتنظيم العمل البرلماني.
المشكلة ليست وجود الأحزاب، وإنما نوع الأحزاب وعلاقتها بالمواطنين.
سابعاً: الثورة كشفت أزمة الأحزاب — التحالفات المدنية نجحت في التعبئة لكنها فشلت في تحويل التنوع إلى مؤسسة سياسية مستقرة
تكشف تجربة 2018–2021 بوضوح العلاقة المعقدة بين الأحزاب والقوى غير الحزبية. فقد استطاع تحالف قوى الحرية والتغيير جمع أحزاب سياسية، ونقابات، ومنظمات مجتمع مدني، ولجان مقاومة، وقوى اجتماعية أخرى في إطار واحد، وكان لهذا التحالف دور حاسم في الانتقال بعد سقوط البشير.
لكن اتساع التحالف كان في الوقت نفسه مصدر قوته ومصدر هشاشته. فمشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها أشار إلى أن تحالف قوى الحرية والتغيير جمع طيفاً واسعاً من لجان المقاومة والنقابات والأحزاب والمجتمع المدني، لكنه واجه صعوبات كبيرة في الحفاظ على التماسك نتيجة اختلاف المصالح والأولويات والهياكل التنظيمية (ACLED, 2020).
وتشير دراسات وتحليلات أخرى إلى أن القوة التي اكتسبتها الأحزاب داخل مؤسسات الانتقال لم تكن دائماً انعكاساً لحجم قواعدها الاجتماعية. فالأحزاب استطاعت الوصول إلى طاولة التفاوض، بينما كانت لجان المقاومة تمتلك قوة الشارع لكنها لم تمتلك بالضرورة قناة مؤسسية مكافئة داخل الدولة. هذه الفجوة خلقت مشكلة تمثيل عميقة: من يمثل المواطن الذي شارك في الثورة لكنه لا ينتمي إلى حزب؟
كما أن الاتفاق الدستوري لعام 2019 خلق ترتيبات لتقاسم السلطة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، لكنه لم يحل بصورة نهائية مسألة تمثيل بقية القوى الاجتماعية والسياسية. وقد وصف المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية الإطار الدستوري الانتقالي بأنه أصبح بمرور الوقت شبكة معقدة من الوثائق والترتيبات، شملت الوثيقة الدستورية لعام 2019 واتفاق جوبا للسلام وإطار 2021، مع وجود خلافات حول علاقتها القانونية والسياسية (International IDEA, 2022).
وفي هذا السياق، لا يمكن تحميل «غير الحزبيين» وحدهم مسؤولية ضعف الانتقال، كما لا يمكن تحميل الأحزاب وحدها المسؤولية. كانت هناك مشكلة بنيوية: قوى تملك الشرعية في الشارع، وقوى تملك القدرة على التفاوض، وقوى تملك السلاح، وقوى تملك الموارد الاقتصادية، وقوى تملك الخبرة البيروقراطية، وقوى تملك شبكات اجتماعية محلية؛ ولم تكن هناك مؤسسة واحدة تستطيع جمع هذه الشرعيات في نظام ديمقراطي مستقر.
وقد كان هذا أحد أسباب استمرار التوتر بين لجان المقاومة وقوى الحرية والتغيير بعد 2021. فبعض لجان المقاومة رفضت الاتفاقات السياسية التي رأت أنها تعيد إنتاج الشراكة مع العسكريين، بينما قبلت أحزاب مدنية أخرى بالتفاوض باعتباره وسيلة عملية للخروج من الأزمة. وأصبح الانقسام بين «سياسة الشارع» و«سياسة التفاوض» أحد أبرز مظاهر الأزمة السياسية (Soliman, 2021; ISS, 2022).
وتوضح تحليلات المعهد الأفريقي للدراسات الأمنية أن القوى المدنية، رغم اتفاقها على رفض الحكم العسكري، كانت منقسمة حول شكل الانتقال؛ وانقسمت قوى الحرية والتغيير إلى مكونات متعددة، بينما تبنت لجان المقاومة مواقف أكثر تشدداً تجاه التفاوض مع العسكريين (ISS, 2022).
وتكشف هذه التجربة عن درس مهم: لا يكفي أن يكون المجتمع نشطاً سياسياً؛ بل يجب أن توجد آليات لتحويل النشاط الاجتماعي إلى تمثيل مؤسسي دون تدمير استقلال المجتمع المدني.
ثامناً: الحرب الحالية عمقت مشكلة التمثيل، لكنها لا توفر بعد بيانات وطنية لقياس حجمها
اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 أحدث تحولاً جذرياً في المجال السياسي. فأصبح نشاط معظم الأحزاب المدنية داخل السودان شديد الصعوبة، وتعرض أعضاء أحزاب وقادة سياسيون وناشطون للاعتقال أو التهديد، كما أدى الاستقطاب العسكري إلى انقسام واسع داخل القوى المدنية. وتصف وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء الأحزاب السودانية بأنها فقدت كثيراً من قدرتها على العمل والوساطة، وأنها تعاني من ضعف الجاذبية الشعبية والانقسام، بينما أدت الحرب إلى مزيد من تقييد المجال السياسي (EUAA, 2025).
كما تشير تقارير الحرية السياسية إلى أن الأحزاب المدنية أصبحت غير قادرة فعلياً على العمل بصورة طبيعية منذ اندلاع الحرب، مع استمرار الانقسامات وتدخل القوى العسكرية وتراجع قدرة الأحزاب على التنسيق (Freedom House, 2025).
لكن يجب عدم ارتكاب خطأ منهجي جديد: لا يمكن استخدام هذه الظروف لإنتاج نسبة حالية دقيقة لغير المنظمين حزبياً في 2026. فآخر مسح وطني تمثيلي واسع ذي سؤال واضح عن القرب من الأحزاب أُجري في أواخر 2022، قبل الحرب. أما بعد الحرب، فقد أصبح إجراء مسح وطني احتمالي شامل أكثر صعوبة بسبب النزوح وانعدام الأمن وانقطاع الاتصالات وتغير التوزيع الجغرافي للسكان.
وقد كان حجم التحول السكاني نفسه هائلاً، ما يعني أن العينة التي كانت تمثل سكان السودان في 2022 لا يمكن افتراض أنها تمثل البنية السكانية في 2026. كما أن ملايين المواطنين أصبحوا نازحين أو لاجئين، وتغيرت أماكن الإقامة، وتعرضت مناطق كاملة لانقطاع الخدمات، وأصبح الوصول إلى بعض السكان غير ممكن. لذلك فإن أي محاولة لإسقاط نسبة 11% أو 89% على السكان الحاليين دون مسح جديد ستكون افتراضاً لا دليلاً.
وعليه، فإن أي رقم محدد مثل «90% من السودانيين اليوم غير حزبيين» أو «95%» أو «70%» سيكون تقديراً غير موثق ما لم يستند إلى مسح وطني حديث مصمم لهذا الغرض.
وفي المقابل، هناك أدلة نوعية مهمة على أن الحرب وسعت أدوار الفاعلين غير الحزبيين. فقد أصبحت غرف الطوارئ، والمطابخ المجتمعية، والشبكات الطبية، ومبادرات الإجلاء، والمنظمات المحلية، جزءاً أساسياً من قدرة المجتمع على البقاء في مناطق النزاع. وتؤكد التقارير الحديثة أن كثيراً من المتطوعين في هذه الشبكات ليس لديهم تاريخ سياسي سابق، وأن الثقة المحلية هي أحد أهم أسباب قدرتهم على الوصول إلى المجتمعات (Chatham House, 2026).
وهذا يعني أن الحرب قد تكون عمقت ظاهرة «السياسة خارج الحزب»، ولكن ليس بالضرورة بالطريقة التي كان عليها الأمر قبل الحرب. قبل 2023 كان التنظيم غير الحزبي مرتبطاً أساساً بالاحتجاج والديمقراطية؛ وبعد 2023 أصبح مرتبطاً أيضاً بالبقاء والخدمات والإغاثة. ولذلك ينبغي عدم افتراض أن كل التنظيم المجتمعي الحالي يحمل برنامجاً حزبياً أو سياسياً متكاملاً.
تاسعاً: ماذا يعني الانفصال الحزبي للأحزاب السودانية وللديمقراطية والانتخابات؟
أول أثر هو أزمة التجنيد. فالحزب الذي لا يستطيع تحويل التأييد السياسي العام إلى عضوية مستقرة يظل معتمداً على عدد محدود من القيادات والكوادر. وهذا يجعله أكثر عرضة للانقسام عند وفاة الزعيم أو استقالته أو نشوء خلاف حول القيادة.
وثاني الأثر هو ضعف التجدد بين الأجيال. فالمواطنون الأصغر سناً قد لا يرون الأحزاب التاريخية باعتبارها مؤسسات تمثلهم، خصوصاً إذا كانت قياداتها مرتبطة بأجيال سياسية أقدم أو بصراعات تاريخية لا تعكس أولويات الشباب الحالية.
وثالث الأثر هو اتساع الفجوة بين النخب السياسية والمجتمع. عندما لا تكون للأحزاب قواعد عضوية واسعة، يصبح السياسيون أكثر اعتماداً على وسائل الإعلام، والتمويل الخاص، والتحالفات المؤقتة، والشخصيات العامة، وشبكات النفوذ، بدلاً من الاعتماد على تنظيم محلي مستقر.
ورابع الأثر هو ضعف الديمقراطية الداخلية. فكلما قل وزن العضوية، زادت إمكانية أن تتحول الأحزاب إلى تنظيمات تتركز فيها السلطة لدى القيادة العليا. وتصبح المؤتمرات الحزبية والانتخابات الداخلية أقل أهمية، بينما تصبح الولاءات الشخصية والانقسامات القيادية أكثر تأثيراً.
وخامس الأثر هو ضعف القدرة على تقديم برامج سياسية طويلة المدى. الحزب الجماهيري يحتاج إلى أعضاء ومؤسسات محلية وأبحاث وسياسات عامة وتدريب سياسي مستمر. أما الحزب الذي يعمل أساساً في مواسم التفاوض والانتخابات، فقد يتحول إلى «آلة انتخابية» أو منصة تفاوضية بدلاً من مؤسسة مجتمعية.
وسادس الأثر يتعلق بالتمثيل. فإذا كان 89% تقريباً من المواطنين لا يشعرون بالقرب من حزب، فإن أي حزب يزعم أنه «يمثل الشعب السوداني» يحتاج إلى إثبات هذا الادعاء بالأدلة. لا يكفي أن يكون للحزب تاريخ طويل، أو أن يمتلك مقاعد سابقة، أو أن يكون معروفاً إعلامياً. التمثيل الديمقراطي يحتاج إلى قياس حديث للتأييد، والانتشار الجغرافي، والعضوية، والمشاركة، والقدرة على جذب فئات مختلفة.
وسابع الأثر يتعلق بالاستقطاب. إذا كانت غالبية المواطنين لا تمتلك ولاء حزبياً ثابتاً، فقد يكون المجال مفتوحاً أمام أحزاب جديدة وبرامج جديدة، لكنه قد يكون أيضاً مفتوحاً أمام الشخصنة السياسية والخطاب الشعبوي والاستقطاب الهوياتي. فالناخب المستقل يمكن أن يكون أكثر مرونة في تغيير اختياره، لكن هذه المرونة نفسها قد تجعله أكثر تعرضاً للحملات التضليلية إذا كانت المؤسسات الإعلامية ضعيفة.
وثامن الأثر يتعلق بالمساءلة. المواطن الذي يملك علاقة مؤسسية طويلة مع حزب يمكن أن يحاسب الحزب على أدائه؛ أما المواطن الذي يختار قائداً فردياً أو قائمة مؤقتة فقد تكون آلية محاسبته أضعف. وهذا يجعل تصميم النظام الانتخابي والقوانين المنظمة للأحزاب والتمويل السياسي أكثر أهمية.
لكن انخفاض العضوية الحزبية يمكن أن يحمل أيضاً جانباً ديمقراطياً إيجابياً. فليس كل انخفاض في العضوية الحزبية بالضرورة تدهوراً ديمقراطياً. هناك فرق بين التحرر من الولاء الحزبي القسري وبين انهيار التمثيل السياسي.
المواطن غير الحزبي يمكن أن يكون أكثر قدرة على تقييم البرامج بصورة مستقلة، ويمكن أن يصوت لأحزاب مختلفة، ويشارك في حركات اجتماعية أو محلية، ويضغط على الحكومات دون أن يصبح تابعاً لتنظيم سياسي. وهذه المرونة يمكن أن تكون صحية للديمقراطية إذا كانت المؤسسات الانتخابية والقانونية قادرة على استيعابها.
وتقدم لجان المقاومة مثالاً سودانياً مهماً على إمكانية ممارسة السياسة خارج الحزب. فقد أظهرت الأدبيات أن بعض هذه اللجان طورت أشكالاً من النقاش المحلي، والتمثيل، والمساءلة، والتنظيم الأفقي (Bishai, 2023; Mustafa, Albahi, 2024).
لكن المشكلة تظهر عندما لا توجد آلية لتحويل هذه الطاقة الاجتماعية إلى تمثيل مؤسسي. عندها يمكن أن تبقى الحركة الشعبية قوية في الشارع لكنها ضعيفة داخل البرلمان والدولة، بينما تبقى الأحزاب ضعيفة اجتماعياً لكنها أقوى مؤسسياً. وهذا الانفصال كان أحد التحديات المهمة في الفترة الانتقالية بعد 2019.
عاشراً: أزمة الأحزاب في جوهرها أزمة وساطة سياسية — والإصلاح يجب أن يعيد بناء العلاقة بين المواطن والتنظيم والدولة
المشكلة الأعمق ليست أن السودانيين لا يريدون الأحزاب، بل أن هناك خللاً في وظيفة الوساطة السياسية. الأحزاب الديمقراطية تؤدي عادة أربع وظائف مترابطة: تجميع المصالح، وصياغة البرامج، واختيار المرشحين، وربط المواطنين بالدولة والمؤسسات المنتخبة.
إذا لم تقم الأحزاب بهذه الوظائف، تظهر مؤسسات بديلة. قد تكون لجان المقاومة، أو النقابات، أو الإدارات الأهلية، أو الحركات المسلحة، أو الشخصيات المستقلة، أو المنصات الرقمية، أو التحالفات المدنية المؤقتة.
وهذا ما حدث بدرجات مختلفة في السودان. فالمواطن لم يختفِ من السياسة؛ وإنما أصبحت العلاقة بينه وبين الدولة تمر في كثير من الأحيان خارج الحزب.
ومن هنا ينبغي إعادة صياغة السؤال من «لماذا لا ينضم السودانيون إلى الأحزاب؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: لماذا لا يرى غالبية السودانيين أن العضوية الحزبية هي أفضل وسيلة لترجمة مصالحهم السياسية إلى نفوذ مؤسسي؟
وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن الأحزاب تؤدي وظيفة الربط بين الحكام والمحكومين، وتوفر قنوات لاختيار المرشحين وصياغة السياسات وتنظيم الحملات والمشاركة الداخلية (Poguntke, 2024). فإذا تعطلت هذه الوظائف، يصبح المواطن أكثر ميلاً للبحث عن قناة بديلة.
وهنا ينبغي التمييز بين «ضعف الحزب» و«ضعف الطلب على الحزب». قد يكون الحزب ضعيفاً لأنه لا يستطيع تنظيم نفسه، وقد يكون المواطن غير مهتم به لأنه لا يراه مفيداً. وفي الحالة السودانية توجد دلائل على وجود السببين معاً.
فإذا كانت الأحزاب لا تنشر برامج مفصلة، ولا تنتخب قياداتها بصورة منتظمة، ولا تعلن تمويلها، ولا تملك فروعاً حقيقية، ولا توفر للمواطن دوراً يتجاوز التصويت أو دفع الاشتراك، فإن ضعف العضوية سيكون نتيجة منطقية. أما إذا كان المواطن يرفض الانضمام إلى أي حزب رغم وجود أحزاب شفافة وديمقراطية وبرامجية، فهنا يمكن الحديث عن تحول اجتماعي أوسع في طبيعة المشاركة السياسية.
ومن هنا تأتي أهمية «إعادة اختراع العضوية الحزبية». العضوية في القرن الحادي والعشرين لا ينبغي أن تكون بالضرورة اجتماعاً أسبوعياً في مكتب الحزب. يمكن أن تكون عضوية رقمية موثقة، أو مشاركة في صياغة البرنامج، أو تصويتاً داخلياً على المرشحين، أو مساهمة صغيرة معلنة في التمويل، أو مشاركة في فرع محلي، أو عمل تطوعي في حملة انتخابية.
لكن الرقمنة نفسها تحتاج إلى ضوابط. فالحزب الذي يستبدل التنظيم المحلي بصفحات التواصل الاجتماعي قد يحصل على آلاف المتابعين لكنه لا يمتلك آلاف الأعضاء. المتابع ليس عضواً، والإعجاب ليس تصويتاً، والمشاركة في مجموعة رقمية لا تعني الالتزام التنظيمي.
كما أن الديمقراطية الداخلية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد تصويت إلكتروني. فالديمقراطية الحزبية تحتاج إلى شفافية في قواعد العضوية، وحماية للخصوصية، وحق في الاعتراض، وآليات لحل النزاعات، ومراجعة مالية، وإمكانية حقيقية لتغيير القيادة.
وتقدم الأدبيات المقارنة حول تنظيم الأحزاب دليلاً على أن طريقة تنظيم الحزب تؤثر مباشرة في نوعية التمثيل، وفي قدرة الأعضاء على التأثير في القرارات، وفي اختيار المرشحين وفي إدماج أفكار جديدة في البرامج (Scarrow, Webb, Poguntke, 2017). ولذلك فإن إصلاح العضوية ليس مسألة تقنية، بل جزء من الإصلاح الديمقراطي نفسه.
الحادي عشر: ما الذي ينبغي أن تفعله الأحزاب السودانية، وما النظام الانتخابي والمؤسسي الذي يمكنه استيعاب أغلبية غير المنظمين حزبياً؟
الخطوة الأولى هي الانتقال من «حزب القيادة» إلى «حزب العضوية». يجب ألا تكون العضوية مجرد قائمة أسماء تستخدم في المؤتمرات، بل علاقة سياسية مستمرة تشمل المشاركة في صياغة البرنامج وانتخاب القيادة والمساءلة المالية والسياسية.
والخطوة الثانية هي بناء تنظيم محلي حقيقي. فالحزب الذي لا يوجد إلا في الخرطوم أو في وسائل التواصل الاجتماعي لا يستطيع أن يدعي تمثيل السودان كله. ينبغي أن يمتلك فروعاً محلية حقيقية في المدن والريف ومناطق النزوح، وأن تكون هذه الفروع قادرة على إنتاج قيادات محلية.
والخطوة الثالثة هي تجديد القيادة. فالأحزاب تحتاج إلى مسارات واضحة لصعود الشباب والنساء والكوادر الجديدة، وليس مجرد تمثيل رمزي لهم في المؤتمرات أو القوائم الانتخابية.
والخطوة الرابعة هي التحول من السياسة القائمة على الشخصيات إلى السياسة القائمة على البرامج. ينبغي أن يستطيع المواطن معرفة موقف الحزب من الاقتصاد، والجيش، والفيدرالية، والصحة، والتعليم، والعدالة الانتقالية، والإدارة المحلية، والزراعة، والضرائب، والسياسة الخارجية، بدلاً من اختزال الحزب في اسم زعيم أو تاريخ عائلي أو هوية أيديولوجية.
والخطوة الخامسة هي الشفافية. ينبغي أن تنشر الأحزاب عضويتها الفعلية وفق معايير حماية الخصوصية، ومصادر تمويلها، وموازناتها، ونتائج مؤتمراتها الداخلية، وآليات اختيار المرشحين.
والخطوة السادسة هي عدم محاولة استيعاب كل التنظيمات الاجتماعية داخل الأحزاب. فالديمقراطية الحديثة تحتاج إلى أحزاب قوية ومجتمع مدني قوي في الوقت نفسه. لجان المقاومة والنقابات والمنظمات المهنية والمبادرات المجتمعية ليست بالضرورة «أحزاباً فاشلة»، كما أن تحويلها قسراً إلى أحزاب قد يفقدها بعض خصائصها التي جعلتها قادرة على التعبئة والمساءلة.
والخطوة السابعة هي بناء قواعد بيانات حزبية قابلة للتدقيق. ينبغي أن يعرف الحزب عدد أعضائه النشطين، وتوزيعهم الجغرافي، وأعمارهم، ونسب النساء والشباب، وأن يفرق بين العضو الذي جدد عضويته والاسم الموجود في السجل منذ عشرين عاماً.
والخطوة الثامنة هي اعتماد انتخابات داخلية دورية. فالعضو الذي لا يستطيع انتخاب قيادة حزبه لا يملك تجربة ديمقراطية حقيقية داخل الحزب. وقد تؤدي الديمقراطية الداخلية إلى صراعات مؤقتة، لكنها أفضل من الجمود التنظيمي الذي يجعل الانشقاق هو الوسيلة الوحيدة لتغيير القيادة.
أما النظام الانتخابي، فينبغي ألا يُصمم فقط لتسهيل انتخاب الحكومات، وإنما أيضاً لاستيعاب كتلة المواطنين غير المنظمين حزبياً. فالأنظمة التي تعتمد حصراً على دوائر فردية قد تشجع الشخصنة السياسية، بينما تسمح القوائم النسبية بترجمة نسبة أكبر من التعدد الاجتماعي إلى تمثيل برلماني. ويمكن أن تساعد القوائم التعويضية، والعتبات الانتخابية المعقولة، والشفافية في تمويل الحملات، والانتخابات التمهيدية أو الداخلية، على بناء علاقة أكثر مباشرة بين المواطن والتنظيم السياسي.
لكن الإصلاح الانتخابي وحده لن يحل المشكلة. فإذا بقيت الأحزاب نفسها مغلقة، وهرمية، ضعيفة العضوية، غير شفافة مالياً، غير ديمقراطية داخلياً، فلن يؤدي تغيير قانون الانتخابات إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة في صورة جديدة.
وفي السودان، ينبغي أن يأخذ النظام الانتخابي في الاعتبار الانقسام الجغرافي والاجتماعي العميق، وأثر الحرب والنزوح، وضعف البنية الحزبية في المناطق الطرفية، وخطر هيمنة المدن الكبرى. ولذلك ينبغي الجمع بين التمثيل الجغرافي والتمثيل النسبي بطريقة تمنع احتكار البرلمان من جانب شبكات محلية أو حزبية ضيقة.
كما ينبغي أن تكون الهيئة الانتخابية مستقلة فعلياً، لأن ضعف الثقة في الإدارة الانتخابية يمكن أن يضخم أزمة الأحزاب. وفي مسح 2022 قال 26% فقط إنهم يثقون بلجنة الانتخابات الوطنية «إلى حد ما» أو «كثيراً» (Mustun, 2025). وهذا يعني أن إعادة بناء الثقة الانتخابية يجب أن تسير بالتوازي مع إعادة بناء الأحزاب.
الثاني عشر: من «أزمة الأحزاب» إلى مشروع لإعادة بناء الديمقراطية — قياس دوري، مجتمع مدني مستقل، أحزاب قوية، وخاتمة نقدية
إذا استمر الانفصال الحزبي، فقد تظهر ثلاثة مسارات مؤسسية رئيسية. الأول هو أن تتحول الأحزاب إلى تنظيمات انتخابية احترافية صغيرة نسبياً تعتمد على البرامج والمرشحين والاتصال الجماهيري، وهو تحول يمكن أن يكون قابلاً للتكيف مع المجتمع الحديث.
والثاني هو أن تتحول السياسة إلى شخصنة شديدة، حيث يحل المرشح أو الزعيم محل الحزب، وتصبح الحملات الانتخابية قصيرة الأجل، ويتراجع التنظيم البرنامجي.
والثالث هو أن تنتقل القوة السياسية بصورة أكبر إلى شبكات اجتماعية ومدنية ومحلية، بينما تظل الأحزاب هي بوابة التمثيل الرسمي. وقد ينتج عن ذلك توتر بين «الشرعية الاجتماعية» و«الشرعية الانتخابية» إذا لم توجد آليات لربط الاثنين.
ولا يوجد في البيانات ما يسمح بالجزم بأن أحد هذه المسارات سيحدث حتماً. لكن المؤكد أن انخفاض القرب الحزبي إلى 11% قبل الحرب يجعل من الصعب تصور ديمقراطية سودانية مستقرة تعتمد على الأحزاب التاريخية وحدها.
ومن أكبر الثغرات في البيانات السودانية عدم وجود نظام وطني دوري لقياس العضوية والانتماء السياسي. وينبغي إنشاء «مسح اجتماعي-سياسي سوداني» مستقل ودوري، يكرر سنوياً أو كل عامين مجموعة ثابتة من الأسئلة.
وينبغي أن يميز المسح بين: العضوية الرسمية في حزب؛ القرب من حزب؛ التصويت السابق؛ نية التصويت؛ المشاركة في الحملات؛ المشاركة في الاحتجاجات؛ العضوية في النقابات؛ المشاركة في لجان المقاومة أو المنظمات المدنية؛ المشاركة الرقمية؛ والثقة في الأحزاب.
كما ينبغي نشر النتائج حسب العمر والجنس والتعليم والإقليم والحضر والريف، مع أخذ النزوح والهجرة في الاعتبار. وينبغي استخدام عينات احتمالية متعددة المراحل، مع زيادة حجم العينات في المناطق المهمشة، ونشر تصميم العينة والأوزان وفترات الثقة.
وتوفر تجربة أفروباروميتر نموذجاً مهماً في هذا المجال؛ فمسوح السودان السابقة اعتمدت عينات وطنية احتمالية عشوائية طبقية، وكان مسح 2015 مكوناً من 1200 بالغ بهامش خطأ ±3% تقريباً، ومسح 2018 من 1200 بالغ، ومسح 2021 من 1800 بالغ، بينما وفر مسح 2013 خط أساس وطنياً مهماً (Afrobarometer, 2015; Afrobarometer, 2016; Afrobarometer, 2018; Afrobarometer, 2021).
لكن السودان يحتاج إلى مسح أكثر تخصصاً في مرحلة ما بعد الحرب، لأن «القرب من الحزب» لم يعد كافياً لفهم المجال السياسي المتعدد التنظيمات.
وينبغي أن يتضمن المسح الجديد وحدة خاصة بالثقة، وأخرى بالتمثيل، وأخرى بالمشاركة غير الحزبية، وأخرى بالتعرض للمعلومات المضللة. كما ينبغي أن يسأل المواطن: هل سبق أن انضممت إلى حزب؟ لماذا غادرته؟ هل حاولت الانضمام إلى حزب ولم تجد فرصة؟ هل ترى أن الأحزاب تستمع إلى المواطنين؟ هل تستطيع تسمية برنامج حزب واحد؟ هل ترى أن الأحزاب تعكس المناطق الطرفية؟ هل ترى أن الأحزاب تمثل النساء والشباب؟ وهل تعتقد أن الانضمام إلى حزب يمكن أن يغير شيئاً؟
وهذه الأسئلة ستسمح بالانتقال من مجرد قياس «غياب القرب» إلى قياس أسباب الغياب.
كما ينبغي بناء مؤشر وطني جديد يمكن تسميته «مؤشر الوساطة السياسية»، يجمع بين القرب الحزبي، والثقة، والمشاركة، والعضوية، والمعرفة بالبرامج، والتمثيل الجغرافي، والديمقراطية الداخلية. ولا ينبغي استخدام هذا المؤشر لتصنيف المواطنين أو تقييم الأحزاب بصورة مبسطة، وإنما لفهم أين تنقطع العلاقة بين المجتمع والمؤسسات.
وهناك بعد آخر شديد الأهمية يتعلق بالنساء والشباب. فقد أظهر مسح مركز كارتر أن الشباب السوداني كانوا متفائلين نسبياً بشأن المستقبل في 2021؛ إذ قال 74% من الشباب المشاركين إنهم متفائلون بالمستقبل، لكن أكثر من 40% قالوا إن تأثيرهم في مسار الانتقال كان قليلاً أو معدوماً، ولم يرَ سوى 4% أن أهداف الثورة تحققت بدرجة كبيرة (Carter Center, 2021).
وهذه الأرقام مهمة لأنها تكشف أن المشكلة ليست غياب الرغبة في المشاركة، وإنما ضعف قنوات المشاركة. فإذا كان الشباب يريدون التأثير لكنهم لا يجدون طريقاً مؤسسياً، فإنهم سيبحثون عن قنوات بديلة. وهذا ما حدث فعلاً مع لجان المقاومة والحركات الاجتماعية.
كما ينبغي ألا تختزل الديمقراطية في الأحزاب وحدها. فالمجتمع المدني، والنقابات، والمنظمات المهنية، والمبادرات النسوية، والشبكات الشبابية، وغرف الطوارئ، والروابط المحلية، والإدارات الأهلية، كلها يمكن أن تؤدي أدواراً مهمة في بناء رأس المال الاجتماعي والثقة والمساءلة. وقد أكدت الأمم المتحدة الإنمائية أن بناء مؤسسات شرعية وخاضعة للمساءلة يحتاج إلى توسيع المشاركة المدنية وتعزيز المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في الوقت نفسه (UNDP, 2020).
لكن استقلال المجتمع المدني يجب أن يكون مبدأً أساسياً. فإذا حاولت الأحزاب استيعاب كل لجنة مقاومة أو منظمة مجتمع مدني أو غرفة طوارئ داخلها، فقد تفقد هذه المؤسسات استقلالها. وإذا حاول المجتمع المدني إلغاء الأحزاب، فقد يترك المجال المؤسسي للدولة دون قوى قادرة على تشكيل حكومة وبرلمان.
ومن هنا فإن النموذج الأفضل ليس «حزباً يبتلع المجتمع»، ولا «مجتمعاً يلغي الأحزاب»، وإنما تعددية مؤسسية متكاملة: أحزاب تتنافس على السلطة، ومجتمع مدني يراقبها، ونقابات تدافع عن مصالح أعضائها، وحركات اجتماعية تضغط لتغيير السياسات، وإعلام مستقل يراقب الجميع، وانتخابات حرة تحسم التنافس، وقضاء مستقل يفصل في النزاعات.
والديمقراطية السودانية المستقرة تحتاج أيضاً إلى معالجة السبب الأمني والسياسي الذي يجعل الانضمام الحزبي مكلفاً. فطالما كان الناشط الحزبي معرضاً للاعتقال أو التهديد أو الفصل من العمل، فإن انخفاض العضوية قد لا يعكس اختياراً حراً، بل استراتيجية بقاء. وهذا يختلف جذرياً عن المواطن الذي يختار عدم الانضمام إلى حزب في بيئة آمنة.
وتوضح تجربة انقلاب أكتوبر 2021 أن قادة الأحزاب والناشطين ولجان المقاومة تعرضوا للاعتقالات، بينما واصلت لجان المقاومة الاحتجاجات رغم القمع (Soliman, 2021). ومن ثم لا يمكن دراسة العضوية الحزبية في السودان بمعزل عن حرية التنظيم وحرية التعبير وسيادة القانون.
كما أن الحرب الحالية تجعل قضية العضوية أكثر تعقيداً. ففي المناطق التي تسيطر عليها قوى مسلحة مختلفة، قد لا يكون المواطن قادراً على الإعلان عن انتمائه السياسي حتى لو كان لديه انتماء. ولذلك فإن المسح المقبل يجب أن يتضمن بروتوكولات صارمة للسرية وحماية المستجيبين، وأن يتجنب طرح أسئلة يمكن أن تعرضهم للخطر.
والخلاصة النقدية التي تفرضها الأدلة هي أن السودان لا يعاني من غياب المواطنين عن السياسة بقدر ما يعاني من انفصال متزايد بين السياسة والمجتمع الحزبي التقليدي. ففي نهاية 2022 كان نحو أربعة أخماس المواطنين لا يشعرون بالقرب من أي حزب، بينما ظلت الرغبة في الانتخابات والمشاركة السياسية موجودة بدرجات مهمة. وهذا يعني أن التحدي أمام الديمقراطية السودانية المقبلة لن يكون فقط تنظيم انتخابات، وإنما بناء مؤسسات قادرة على تحويل كتلة المواطنين غير المنظمين حزبياً إلى مواطنين ممثلين سياسياً من دون إجبارهم على الولاء الحزبي.
ولا يجوز كذلك أن يتحول الرقم 11% إلى أسطورة مضادة. فهو ليس نسبة العضوية الحزبية، وليس نسبة التصويت للأحزاب، وليس نسبة الديمقراطيين، وليس نسبة المواطنين الذين يرفضون الأحزاب، وليس نسبة المواطنين غير السياسيين. إنه قياس محدد للقرب من حزب سياسي في مسح وطني سابق للحرب. قوته العلمية تكمن تحديداً في هذا التحديد، وليس في توسيعه إلى ما لا يقيسه.
كما لا ينبغي أن تتحول نسبة 89% التقريبية إلى ذريعة لتهميش الأحزاب. فالنتيجة الأكثر منطقية ليست أن الأحزاب أصبحت غير ضرورية، وإنما أن نموذج الحزب القديم لم يعد كافياً. الأحزاب تحتاج إلى إعادة بناء العلاقة مع المواطن، لا إلى افتراض أن التاريخ أو الاسم أو الزعامة يوفران تلقائياً قاعدة اجتماعية.
إن الديمقراطية السودانية المستقرة تحتاج إلى أحزاب قوية، لكنها لا تحتاج إلى مجتمع «حزبياً بالكامل». المطلوب هو العكس: أحزاب قوية بما يكفي لتمثيل المواطنين، ومجتمع مدني مستقل بما يكفي لمراقبتها، وانتخابات حرة بما يكفي لمحاسبتها، ومواطنون مستقلون بما يكفي لتغيير أحزابهم أو عدم الانضمام إليها أصلاً.
ومن هذه الزاوية، فإن رقم 11% لا ينبغي قراءته فقط باعتباره دليلاً على ضعف الأحزاب؛ بل باعتباره إشارة إنذار إلى أن العلاقة بين المواطن السوداني والتنظيم السياسي تحتاج إلى إعادة بناء كاملة على أساس الثقة والبرنامج والمشاركة والمساءلة، لا على أساس التاريخ الحزبي أو الولاء الشخصي أو التحالفات النخبوية المؤقتة.
والدرس الأكثر أهمية للديمقراطية السودانية المقبلة هو أن الهدف لا ينبغي أن يكون رفع نسبة العضوية الحزبية لذاتها. الهدف هو أن تصبح الأحزاب مؤسسات تستحق العضوية عندما يريد المواطن الانضمام إليها، وأن تصبح الانتخابات آلية فعالة لمحاسبتها، وأن يستطيع المواطن غير الحزبي أن يمارس السياسة ويؤثر في الدولة دون أن يضطر إلى التخلي عن استقلاله.
وبذلك يتحول السؤال من «كم سودانياً ينتمي إلى حزب؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: كم سودانياً يشعر أن لديه طريقاً حقيقياً ومؤثراً وآمناً لتحويل رأيه ومصلحته ومشاركته إلى قرار عام؟ فإذا كانت الإجابة منخفضة، فالأزمة أوسع من الأحزاب؛ وإذا كانت الإجابة مرتفعة رغم انخفاض العضوية، فقد يكون السودان أمام نموذج جديد للمشاركة السياسية. ولذلك فإن قياس القرب الحزبي يجب أن يكون نقطة بداية لإعادة بناء المعرفة السياسية، لا نقطة نهاية لإصدار حكم على المجتمع.
المراجع
- علي، علي محمود؛ كاظمي، إلهام. السودان: عملية تشكيل حكومة مدنية انتقالية واتجاهات الاضطراب المتغيرة. أديس أبابا: مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها؛ 2023.
- الباروميتر العربي. التقرير القطري للسودان: الموجة الخامسة. برينستون: الباروميتر العربي؛ 2019.
- مركز كارتر. شباب السودان والمرحلة الانتقالية: الأولويات والتصورات والاتجاهات. أتلانتا: مركز كارتر؛ 2021.
- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. السودان: نحو الديمقراطية والتحول الاجتماعي والاقتصادي والازدهار. الخرطوم: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ 2020.
- مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها. الخطوة الأولى على طريق طويل: المظاهرات العامة والإصلاح السياسي في السودان. لندن: مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها؛ 2019.
- مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها. رقصة الموت: الثورة والثورة المضادة في السودان بعد النفط. لندن: مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها؛ 2020.
- المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية. الإعلان الدستوري السوداني لعام 2019: أثره على المرحلة الانتقالية. ستوكهولم: المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية؛ 2022.
- المعهد الأفريقي للدراسات الأمنية. هل تستطيع الوساطة الدولية كسر الجمود السياسي في السودان؟ بريتوريا: المعهد الأفريقي للدراسات الأمنية؛ 2022.
- وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء. السودان: إرشادات الدول، أعضاء الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني. مالطا: وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء؛ 2025.
- أفروباروميتر. ملخص نتائج السودان، الجولة الخامسة، 2013. أكرا: أفروباروميتر؛ 2015.
- أفروباروميتر. ملخص نتائج السودان، الجولة السادسة، 2015. أكرا: أفروباروميتر؛ 2016.
- أفروباروميتر. ملخص نتائج السودان، الجولة السابعة، 2018. أكرا: أفروباروميتر؛ 2018.
- أفروباروميتر. ملخص نتائج السودان، الجولة الثامنة، 2021. أكرا: أفروباروميتر؛ 2021.
- أفروباروميتر. بيانات السودان، الجولة الثامنة، 2021. أكرا: أفروباروميتر؛ 2022.
- أفروباروميتر. نتائج السودان قبل الحرب: آراء المواطنين حول الحكم والانتخابات والجيش. أكرا: أفروباروميتر؛ 2025.
- فروم هوس. الحرية في العالم 2025: السودان. واشنطن العاصمة: فريدوم هاوس؛ 2025.
- مركز الدراسات التنموية. دور لجان المقاومة المحلية في الفترة الانتقالية في السودان. بيرغن: مركز الدراسات التنموية؛ 2020.
- مركز كارنيغي للشرق الأوسط. هل تستطيع صفقة الإطار بين الحكام العسكريين والمعارضة المدنية في السودان استعادة الحكم المدني؟ واشنطن العاصمة: مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي؛ 2023.
- مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. هل حقق المجتمع المدني السوداني النصر؟ واشنطن العاصمة: مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي؛ 2023.
- معهد الدراسات الأمنية. هل تستطيع الوساطة الخارجية كسر الجمود السياسي في السودان؟ بريتوريا: معهد الدراسات الأمنية؛ 2022.
- تحالف النساء السودانيات في المجموعات المدنية والسياسية. الحركة النسوية والمشاركة السياسية والمدنية في السودان. الخرطوم؛ 2021.
- وزارة الخارجية الأمريكية. تقارير الدول حول ممارسات حقوق الإنسان لعام 2018: السودان. واشنطن العاصمة: وزارة الخارجية الأمريكية؛ 2019.
- Arab Barometer. Arab Barometer Wave V: Sudan Country Report. Princeton: Arab Barometer; 2019.
- Afrobarometer. Sudan Round 5 summary of results. Accra: Afrobarometer; 2015.
- Afrobarometer. Sudan Round 6 summary of results. Accra: Afrobarometer; 2016.
- Afrobarometer. Sudan Round 7 summary of results. Accra: Afrobarometer; 2018.
- Afrobarometer. Sudan Round 8 summary of results. Accra: Afrobarometer; 2021.
- Afrobarometer. Sudan Round 8 data, 2021. Accra: Afrobarometer; 2022.
- Bishai LS. Resistance is life: how Sudan’s resistance committees perform democratic power. J North African Stud. 2023;28(6):1473-1491.
- Carter Center. Sudan’s Youth and the Transition: Priorities, Perception, and Attitudes. Atlanta: The Carter Center; 2021.
- CMI. The role of local resistance committees in Sudan’s transitional period. Bergen: Chr. Michelsen Institute; 2020.
- Cudsi AS. The rise of political parties in the Sudan, 1936-1946. London: School of Oriental and African Studies; 1978.
- Dalton RJ. The decline of party identifications. In: Dalton RJ, Wattenberg MP, editors. Parties Without Partisans: Political Change in Advanced Industrial Democracies. Oxford: Oxford University Press; 2002. p.19-36.
- de Waal A. Sudan: A Turbulent Political Marketplace. In: Fragile Politics: Weak States in the Greater Middle East. Oxford: Oxford University Press; 2016. p.171-196.
- European Council on Foreign Relations. Sudan peace agreement: what it really means for the country’s transition. Berlin: European Council on Foreign Relations; 2020.
- European Union Agency for Asylum. Country Guidance: Sudan — Members of political parties, unions and civil society organisations. Valletta: EUAA; 2025.
- Fleischhacker H, Doebbler CF. Sudan. In: Nohlen D, Krennerich M, Thibaut B, editors. Elections in Africa: A Data Handbook. Oxford: Oxford University Press; 1999. p.843-862.
- Freedom House. Freedom in the World 2025: Sudan. Washington, DC: Freedom House; 2025.
- International IDEA. Sudan’s 2019 Constitutional Declaration: Its Impact on the Transition. Stockholm: International IDEA; 2022.
- Isbell T, Elawad E. AD326: Sudanese voice support for elections, accountability, limits on presidential powers. Afrobarometer Dispatch. Accra: Afrobarometer; 2019.
- Katz RS, Mair P. Changing models of party organization and party democracy: the emergence of the cartel party. Party Polit. 1995;1(1):5-28.
- Kurita Y. The Sudanese Communist Movement. Oxford Research Encyclopedia of African History. Oxford: Oxford University Press; 2019.
- Mair P. Party System Change: Approaches and Interpretations. Oxford: Clarendon Press; 1998.
- Mustun Z. AD1088: Findings shed light on Sudanese citizens’ pre-war views on governance, elections, military. Afrobarometer Dispatch. Accra: Afrobarometer; 2025.
- Mustafa S, Albahi M. The dynamics of the Resistance Committees movement amid the current challenges of democratic transition in Sudan. J Soc Encounters. 2024;8(2):35-68.
- Poguntke T. Analysing Political Parties and Democracy: Themes, Questions, Problems. In: Poguntke T, Hofmeister W, editors. Political Parties and the Crisis of Democracy: Organization, Resilience, and Reform. Oxford: Oxford University Press; 2024. p.7-30.
- Scarrow SE, Webb PD, Poguntke T, editors. Organizing Political Parties: Representation, Participation, and Power. Oxford: Oxford University Press; 2017.
- Serekberhan M. Working peoples for political change: the 2018/2019 Sudanese uprising. Afr Stud Rev. 2025.
- Soliman A. Reversing the military coup in Sudan. London: Chatham House; 2021.
- United Nations Development Programme. Sudan: Towards Democracy, Socioeconomic Transformation and Prosperity. Khartoum: UNDP; 2020.
- United States Department of State. Sudan 2018 Country Reports on Human Rights Practices. Washington, DC: US Department of State; 2019.
- van Biezen I, Mair P, Poguntke T. Going, going, gone? The decline of party membership in contemporary Europe. Eur J Polit Res. 2012;51(1):24-56.
- van Biezen I, Poguntke T. The decline of membership-based politics. Party Polit. 2014;20(2):205-216.
- Warburg G. Islam, Nationalism and Communism in a Traditional Society: The Case of Sudan. London: Routledge; 1978.
