السودان بين الشقاق والوفاق (1) .. بقلم: محمد التجاني عمر قش

 

نَحنُ في الشِدَّةِ بأسٌ يَتجلّى
وعلى الوُدِّ نَضمُ الشَملَ أهلاً
ليسَ في شِرعَتِنا عبدٌ ومَولى
قَسماً سَنرُدُ اليومَ كَيدَ الكائدين
” مرسي صالح سراج”
ما من وطن تغنى به شعراؤه مثل السودان. فهذا وطن جميل يستحق كل ما قيل فيه من شعر قديماً وحديثاً؛ فهو وطن عزة ومهيرة ومقرن النيلين، والتاكا، وفاشر أبو زكريا، وحلفا القديمة وأبو قبة فحل الديوم، وسنار والعباسية، وسواكن، وهو الغابة والصحراء، وهو دار يابا وحاتي، وهو رمز لكل ما هو جميل. السودان قبلة الأنظار وقلب إفريقيا النابض، وهو ترهاقا والمهدي والأزهري، والبرعي، وعبد الله الطيب والطيب صالح، ومنى الخير والطقطاقة، وأمين زكي، وكل ذلك وأكثر. هو كما قال عنه يوسف البنا:
ﻛﺘﺎﺭ خيراتو ﻣﺎ لها حدود ﻭﻣﺎ لها مثيل
أولها ثروة حيوانية دايرة دليل
قصدي ﺍﻟﻀﺎﻥ ﻣﻊ ﺍﻟنوق والبقر ﻭﺍﻟﺨﻴﻞ
ﻭﻛﻤﺎﻥ ريش ﺍﻟﻨﻌﺎﻡ والصيد وسن الفيل

أﻳﻀﺎ أﺭﺽ زراعية ﻫﻮﺍﻫﺎ عليل
ينسّم ينعش ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻝ ويغذي ﻧﺤﻴﻞ
فيها عيوش ﻭﻓﻴﻬﺎ أقطﺎﻥ ﻭﻓﻴﻬﺎ ﻧﺨﻴﻞ
ﻭﻓﻴﻬﺎ ﺯﺭﺍﻋﺔ بالأمطار ﻭﻓﻴﻬﺎ النيل

ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻌﺰة ﻭﺍﻟﺘﻘدير ﻭﺭﺍﺣﺔ ﺍﻟﺒﺎﻝ
ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺴﻤتة ﻭﺍﻟﺠوﺩ ﻭﺳﺘﺮة ﺍﻟﺤﺎﻝ
ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺠد، ﻓﻴﻬﺎ العم ﻭﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺨﺎﻝ
ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺰﺭﻉ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻀﺮﻉ ﻭﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻤﺎﻝ

ﻏﺮﺑﻬﺎ فيهو ﺑﺘﺮﻭﻟﻨﺎ ﺍﻟﻤﺮﻕ ﻓﻲ أبو ﺟﺎﺑﺮﻩ
ﺷﺮﻗﻬﺎ فيهو ﺑﺎﺩﻳﺘﻨﺎ أﻡ ﺣﻔﺎﻳﺮﻥ ﺗﺎﺑﺮﻩ
جنوب وشمال مشكّلة بالزروع مي هابره
ﻓﻴﻬﺎ ﺭﺟﺎﻝ ﻋﻠﻲ ﺍلأﺫﻱ والمصائب ﺻﺎﺑﺮﻩ
أما الشعب السوداني فقد أثبت أنه فعلاً شعب معلم، تنظر إليه الشعوب بالفخر والإعزاز، لتتعلم منه الدروس والتجارب. وتحضرني في هذا المقام عبارة قالها أحد مراسلي الصحف الأمريكية في منتصف ثمانينات القرن الماضي عندما أدلهم الخطب بهذا الشعب، إبان فترة الرئيس الراحل جعفر نميري، رحمه الله، وبدأت نذر التمرد تلوح في الأفق، وضاق الناس ذرعاً بالوضع المعيشي والاختناق السياسي، وعجت السجون بكبار السياسيين من مختلف التيارات والأيدولوجيات، وباتت الثورة ضد النظام القائم آنذاك وشيكة، وأشفق كثيرون من انفلات الوضع وانفراط حبل الأمن، ولكن قيض الله للسودان سعادة المشير سوار الدهب، عليه الرحمة، فأنقذ به البلاد من مغبة الانهيار والتدهور نحو الهاوية، وعندها قال ذلك الصحفي قولته المشهورة:“The Sudanese people have their own way of muddling through crisis.”
وهو يقصد أن الشعب السوداني لديه طريقته الخاصة للخروج من الأزمات، وقد صدق؛ فقد أثبتت الأيام أن هذه الديار محفوظة بفضل الله، وببركة مشايخها وحكمة رجالها وعزم شبابها وثبات نسائها! لكن مع هذا ابتلي السودان بفترات من الشقاق والحروب العبثية، والفترات الديمقراطية الهشة التي غالباً ما يطيح بها انقلاب عسكري، ونتمنى أن يكون ما يحدث في السودان مؤخراً هو آخر حلقة في هذا المسلسل.
ونحمد الله أن توصل طرفا التفاوض لاتفاق، وذلك الفضل من الله، والصلح خير، وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم. وبهذه المناسبة يجب أن تكون الحصة وطن؛ ولذلك فإن من أوجب واجبات الحكومة الانتقالية أن تبدأ بتهدئة الأوضاع حتى تبني الثقة وتخفض درجة حرارة الموقف على حد قول زميلنا الأستاذ عبد العظيم الحسن؛ فكثيراً ما يردد قوله: (لا يمكن للطبيب أن يعطي المريض مضاداً حيوياً إلا بعد خفض حرارة الجسم بالمسكنات المناسبة)! ولذلك لابد من إزالة الاحتقان السياسي الذي أدى إلى رفع درجات الحرارة سياسياً واجتماعياً! وهذا المسعى يتطلب جهوداً حثيثة من شأنها تبصير الناس بضرورة تقديم تنازلات وطرح حلول معقولة، مع وضع مصلحة الوطن العليا في الحسبان، وإتاحة الفرصة لوجوه جديدة لممارسة السلطة؛ خاصة من الفئات العمرية الشابة. ويمكن أن يشارك في هذا التوجه منظمات المجتمع المدني الحديثة؛ مثل الروابط والهيئات العلمية التي يمكن أن تكون بمثابة بيوت خبرة، حتى يقدموا طرحاً موضوعياً، يستفاد منه. ومن بين تلك الهيئات التي يمكن إشراكها في هذا الحراك، الهيئة الطوعية لدعم التعليم العالي التي تضم نخبة من العلماء وأساتذة الجامعات والخبراء في مختلف المجالات والتخصصات، من العاملين في المؤسسات الأكاديمية والاقتصادية والإدارية والإعلامية والقانونية بالمملكة العربية السعودية، وبهذه الصفة فإن الهيئة المذكورة مؤهلة للقيام بدور وطني رائد في هذا المنعطف التاريخي الحرج.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الهيئة يمكنها أن تمثل وجهة نظر شريحة المغتربين الذين أعتقد أنّ لهم قدراً من القبول لدى الأطراف المعنية وعامة الناس. فيا ليت أن المجلس العسكري، وبالتنسيق مع جهاز شؤون العالمين بالخارج، ينظم ورشة عمل تطرح فيها آراء مبدئية ومن بعد ذلك يمكن تكوين لجان متخصصة من علمائنا وخبرائنا المنتشرين في دول المهجر للعمل مع نظرائهم بالداخل لوضع خطط استراتيجية طويلة المدى تمهد لنقل خبرات وتجارب علمائنا لكي يستفاد منها في الوطن. ولعمري فإن هذا ليس بالأمر الصعب، بل هو أيسر مما نتخيل، لكنه يحتاج فقط لإرادة وتنسيق، واضعين في الاعتبار أن الحصة وطن، ونريد لهذا الشعار الجميل أن يتحول إلى واقع ملموس؛ لأن بلادنا الحبيبة تستأهل كل خير.

tijani@hejailanlaw.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً