السودان: حين يتجاوز الأملُ مكرَ التاريخ
قراءة في المستقبل بين سنن الله ودروس التاريخ
بقلم: صلاح أحمد الحبو
كلما اشتدت الأزمات في السودان، عاد السؤال ذاته في هيئة جديدة: هل نحن أمام تعثر تاريخي عابر، أم أمام بنية عميقة تعيد إنتاج أزماتها باستمرار؟
قد يغري مفهوم “مكر التاريخ” بتفسير المسار السوداني؛ فبلدٌ يمتلك موقعاً استراتيجياً استثنائياً، وموارد طبيعية ضخمة، وتنوعاً بشرياً وثقافياً نادراً، ظل لعقود طويلة عاجزاً عن تحويل هذه المزايا إلى مشروع وطني مستدام. غير أن إرجاع الأزمة إلى مكر التاريخ وحده ينطوي على قدر من التبسيط؛ لأن التاريخ لا يصنع الوقائع منفرداً، بل تتشكل مساراته من تفاعل الإرادة الإنسانية مع البنى السياسية والاقتصادية والثقافية الحاكمة.
المعضلة السودانية، في جوهرها، ليست ندرة موارد ولا غياب فرص، بل خلل مزمن في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الجغرافيا والسياسة، وبين السلطة والتنمية. فقد توسعت خرائط الحكم أكثر مما تطورت مؤسسات الحكم، وتعددت الهويات بوتيرة أسرع من بناء مفهوم جامع للمواطنة، فتشكلت ما يمكن تسميته “فجوة التماسك الوطني”؛ وهي الفجوة التي جعلت وحدة الأرض تتقدم على وحدة المشروع، ووحدة الدولة تتعثر أمام ضعف الفكرة المؤسسة لها.
ومن رحم هذه الفجوة نشأت أزمة أخرى لا تقل خطورة، تمثلت في هيمنة إدارة الأزمات على حساب صناعة المستقبل. فبدلاً من معالجة الأسباب البنيوية للتعثر، انشغلت النخب المتعاقبة بإدارة النتائج. وأصبحت السياسة، في كثير من الأحيان، وسيلة لتأجيل المشكلات لا لحلها، وتحول الزمن الوطني إلى سلسلة من الاستجابات الطارئة بدلاً من أن يكون مساراً تراكمياً للبناء.
كما وقعت قطاعات واسعة من المجال العام فيما يمكن تسميته “متلازمة الانتظار الخلاصي”؛ أي التعويل المستمر على حدث استثنائي أو قائد استثنائي أو ظرف استثنائي ينقل البلاد إلى واقع مختلف، بينما تؤكد تجارب الأمم أن النهضات الكبرى لا تُصنع بالاستثناءات، وإنما بالمؤسسات والمعرفة والتراكم التاريخي الواعي.
ومع ذلك، فإن قراءة السودان من زاوية الإخفاق وحدها ليست أقل خطأ من قراءته بعين التفاؤل المجرد. فخلف مشاهد الحرب والانقسام يوجد ما يمكن وصفه بـ “رأسمال الصمود الحضاري”؛ ذلك المخزون العميق من القدرة المجتمعية على التكيف والاستمرار وإعادة إنتاج الحياة رغم الصدمات المتلاحقة. وهذا الرأسمال ليس مجرد قيمة معنوية، بل أصل استراتيجي يمكن أن يشكل قاعدة الانطلاق نحو مرحلة جديدة.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الأمل بوصفه شعوراً، والأمل بوصفه مشروعاً. فالمستقبل لا يُبنى بالتفاؤل وحده، كما لا يُفهم بالتشاؤم. إنه يُبنى بالقدرة على قراءة الواقع كما هو، لا كما نتمناه، ثم امتلاك الشجاعة الفكرية والمؤسسية لتغييره.
وفي هذا السياق، لا يتعارض اليقين بأن الله يريد بالسودان خيراً مع أكثر أشكال التفكير الاستراتيجي عقلانية؛ بل إن هذا اليقين هو ما يحرر الإنسان من الاستسلام للحاضر ويمنحه القدرة على تجاوزه. فالقرآن يضع قاعدة التغيير الحضاري في صيغة حاسمة: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ {الرعد:11}. وهي قاعدة تجعل التحول التاريخي مشروطاً بإصلاح الأفكار والمؤسسات وأنماط الإدارة، وتربط بين الإيمان والمسؤولية، وبين الرجاء والعمل.
من هنا، فإن مستقبل السودان لن يتحدد بما خلفته الحرب من دمار، بل بما ستنتجه من مراجعات. فالأمم لا تنهض لأن المحن تتوقف، وإنما لأنها تتعلم منها. وكل أزمة لا تتحول إلى معرفة، وكل معرفة لا تتحول إلى سياسة، تبقى مجرد خسارة مؤجلة.
لقد كشفت الحرب هشاشة البنية الوطنية، لكنها كشفت أيضاً نهاية صلاحية كثير من التصورات التي حكمت المجال السياسي لعقود. ولذلك فإن إعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ من الحجر، بل من الفكرة؛ فكرة الدولة التي تتجاوز الغلبة إلى الشراكة، وتتجاوز إدارة التنوع إلى استثماره، وتتجاوز البقاء إلى التنمية المستدامة.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين اليوم ليس: متى تنتهي الأزمة؟ بل: أي سودان سيولد بعدها؟ فالمستقبل ليس امتداداً تلقائياً للماضي، وإنما نتيجة للكيفية التي نفهم بها هذا الماضي ونتجاوز بها أخطاءه.
وعند هذه النقطة تحديداً يتراجع مكر التاريخ، وتبدأ فاعلية الإرادة. فالسودان لا يحتاج إلى معجزة سياسية بقدر حاجته إلى رؤية حضارية تجمع بين سنن الله في التغيير، والعقل الاستراتيجي في التخطيط، والإرادة الوطنية في التنفيذ. وحين يلتقي الإيمان بالمعرفة، والأمل بالفعل، تصبح الأزمات فصولاً في طريق النهضة، لا عناوين لنهاية الحكاية.
الهوامش والمراجع
[1] ابن خلدون، المقدمة.
[2] Paul Collier, The Bottom Billion.
[3] Amartya Sen, Development as Freedom.
[4] Peter Schwartz, The Art of the Long مشاهدة.
[5] مالك بن نبي، شروط النهضة وأعماله في فلسفة النهوض الحضاري.
[6] محمد إقبال، تجديد التفكير الديني في الإسلام.
[7] Jared Diamond, Collapse.
[8] تقارير United Nations Development Programme حول التنمية البشرية وبناء السلام.
[9] تقارير World Bank حول إعادة الإعمار والتعافي بعد النزاعات.
[10] Fred Polak, The Image of the Future.
[11] The Structure of Scientific Revolutions.
[12] The Black Swan.
habobsalah@gmail.com
