بين ديمقراطية التعليم ومجانيته

هناك خلط في السودان بين مفهوم ديمقراطية التعليم من جهة، ومجانية التعليم من جهة أخرى، رغم أن الفرق بينهما كبير. ويعود هذا الخلط – في تقديري – إلى تأثير ثقافة اليسار في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ثم إلى هيمنة خطاب الإسلام السياسي منذ السبعينيات وحتى انقلاب عام 1989م.
مجانية التعليم تعني أن يكون التعليم – خاصة فوق المرحلة الثانوية – متاحًا دون رسوم، وعلى نفقة الدولة، أي دافع الضرائب. أما ديمقراطية التعليم فتعني إتاحة الوصول إلى التعليم العالي لكل من يستوفي شروط القبول، بغض النظر عن وضعه الاقتصادي أو الاجتماعي.
في الدول الغربية، يُعد التعليم العام حتى المرحلة الثانوية حقًا مكفولًا تموله الدولة. أما التعليم ما بعد الثانوي، فقد يكون مجانيًا أو مدفوعًا، بحسب سياسات كل دولة وظروفها الاقتصادية.
في كندا والعديد من الدول، تُقدَّم قروض طلابية ميسّرة تُمكّن الطلاب من تغطية تكاليف التعليم، على أن تُسدَّد لاحقًا بأقساط مريحة بعد التخرج. وتُعد هذه التجربة من أكثر النماذج نجاحًا لعدة أسباب: فهي تضمن إتاحة التعليم للجميع، وتخفف في الوقت نفسه العبء المالي عن الدولة، كما توفر تمويلًا مستدامًا للمؤسسات التعليمية يدعم التدريب والبحث العلمي.
إضافة إلى الرسوم، تحصل الجامعات على دعم من الدولة وتبرعات من القطاع الخاص، ما يساعدها على الحفاظ على جودة التعليم وتطويره. وبما أن الطالب يساهم في تمويل تعليمه، فإنه يكتسب دورًا أكبر في تقييم جودة العملية التعليمية. ومن الممارسات الشائعة أن يقوم الطلاب بتقييم أداء الأساتذة، وقد يؤثر هذا التقييم على استمرار التعاقد معهم.
هنا تتجلى أهمية ديمقراطية التعليم، إذ تسهم في الحد من تحكم السلطة السياسية في المؤسسات الأكاديمية، وتقلل من مظاهر الاستبداد داخلها، سواء من قبل الإدارة أو بعض أعضاء هيئة التدريس.
وأود أن أشير إلى تجربة شخصية عايشتها عام 1983م أثناء دراستي بكلية العلوم البيطرية بجامعة الخرطوم. فقد قررت إدارة الكلية تقديم موعد الامتحانات النهائية بأكثر من شهر، بحجة تعديل التقويم الدراسي، مما حرمنا من فترة كافية للاستعداد. نتيجة لذلك، قررت دفعتنا – التي كانت تضم أكثر من ثمانين طالبًا – مقاطعة الامتحانات بشكل جماعي.
جاء رد الإدارة قاسيًا، حيث تم فصل جميع الطلاب، في قرار اتسم بالتعسف. غير أن تضامن الأسرة الجامعية، إلى جانب الظروف السياسية آنذاك، أدى إلى عودتنا للدراسة بعد نحو عام.
هذه التجربة تعكس كيف يمكن لغياب ديمقراطية التعليم أن يفتح الباب أمام قرارات فردية غير عادلة، ويؤكد أهمية وجود نظام تعليمي يوازن بين الاستقلال المؤسسي وحقوق الطلاب.

طلعت محمد الطيب

talaat1706@gmail.com

عن طلعت محمد الطيب

شاهد أيضاً

الادعاءات الأخلاقية للكيزان

وقف يوماً قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، مخاطباً الجنرال ياسر العطا بـ”ياسر كاسات”، ثم …