السودان.. سؤال الثقافة (2): السياسة تأثير لا هيمنة .. بقلم: غسان علي عثمان
19 يوليو, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
101 زيارة
ghassanworld@gmail.com
مع تكاثر الرؤى حول مسألة الهوية الثقافية للسودان، وتعدد النزعات النقدية لفهم هذه المعنى من وجودنا الحضاري، فإن الوقت قد حان للخروج من نفق الثنائية المغلقة تلك التي تُسمي حضورنا وفق (عربنة/أفرقة) أي أننا مزيج ثنائي لهويتين عربية وإفريقية، نفعل ذلك أو يُفعل بنا، لا فرق دون التحقق من المقصد الأساس من التعريف بالعرب وإفريقيا، فالأمر لا يعدو كونه توفيق مضطرب ومرتبط النطق، وكنا في سابق قد ناقشنا في كتابنا الصادر هذه المشكلات المتعلقة بسؤال الهوية (راجع كتابنا الهوية السودانية – تفكيك المقولات الفاسدة – 2015م)، إذ كان تركيزنا ينصب لفهم جملة المعوقات النظرية في الإجابة عن سؤال الهوية، ولكن نقاشنا هنا يتعلق باقتراح معنى جديد للهوية، معنى يعمل على المزاوجة بين المحلي والعالمي، نفعل ذلك لأجل الخروج من هذه المحلية المؤذية والمعطلة لنا ولمنجزاتنا الإبداعية.
وكنت قد كتبت مقالاً قبل بعنوان (موقعنا الحضاري.. والمصالحة الثقافية بين مصر والسودان) تجاذبت فيه بعض الأطاريح عن موقعنا الحضاري وحتمية اللغة والسوق في حظنا من الأعمال الإبداعية، كل الأعمال، وفي ذلك اقترحت أن نستفيد من الجار المصري على علات علاقتنا به، والعِلة هذه سياسية في المقام الأول، وتتصل كذلك بالنظرة المصرية للثقافة السودانية، ولكن ولنقل بأمانة بأن الحالة المصرية، نعني الحالة الحضارية وما هي عليه من تركيب خاص تنظر إلى كل ما هو غير مصري بشيء من الريبة، ولا يستطيع أي منتج أن يجد حظه من التسويق في مصر إلا إذا خضع لإرادة خفية هي شيء يمكن تسميته بـ(المصرنة) أي جعل الشيء مصرياً، بمعنى منحه شكلاً مصرياً، وهذا الشكل المصري يبدأ من الالتزام بالمصادر المعرفية مصرية المظان، فمن الصعب إيجاد حضور ثقافي غير مصري ولا تجد فيه أثر لمدرسة الديوان مثلاً، أو نقدية طه حسين، أو حتى أقاصيص تيمور، الذي نقصده هنا أن المجال الثقافي الذي تراكمت أشكاله في مصر منذ فترة باكرة بات رصيداً إلزامياً ما من فرصة للتهرب منه على الأقل في حاضرنا، ولا أقصد أنه ملزم من الناحية الفكرية، وهذا ما نطلق عليه في العقل الجمعي العربي بالمركزية الثقافية، لكن المزاوجة المقترحة فيما يخصنا هي أن نعمل على إعادة ربط الحضور الثقافي السوداني في ستينيات القرن الماضي عبر دراسة تحقيبيبة نؤديها لفهم أسباب التراجع في الثقافة السودانية، والتراجع المقصود هو تراجع عبورها للحدود، والرأي أن يقوم بهذه الدراسة نفر يتصدون لصالح هذا العمل، لأنه بات من غير المعقول الحديث عن غيابنا في الساحة العربية مع إصرار عجيب على المحلية في كل شيء، في الإعلام وفي الأدب وفي جملة مظاهر حياتنا، نحن قوم محليون بامتياز، وكما ذكرت من قبل فإن المحلية التي نعني لا تتصل بالمحتوى المُعالج أدبياً، بل في النظر بقصور ناحية الظاهرة ككل، فقد تقع على عمل روائي ممتاز من حيث الجودة والتكنيك لكنك لن تجد فيه قدرة على تسريب هذا الوعي المحلي وربطه بمعنى إنساني أوسع، ولندلل بشكل أوضح فإن أعمال مثل أشغال إبراهيم العوام في التشكيل، وأشعار عالم عباس، وكتابات شباب كثر، فإن المحلي لا يعني هيمنة التكوينية بالصورة التي نفهمها نقدياً، بل الارتفاع بهذا التكوينية ناحية إعادة موضعتها في الكلي من المعنى الإبداعي.
كما أن الهموم التي تحركنا تتعلق بالمستقبل أكثر، إذ هذه القطيعة مع المركزية الثقافية، وهذا مفهوم أيضاً يحتاج إلى مراجعة دقيقة، فالمركزية ذاتها باتت مهددة الآن، بفضل ظهور منابر جديدة، لكن والحق يقال سيظل المنبر المصري حالة متماسكة في فضاءنا الثقافي العربي، والحقيقة أيضاً أننا لا نعمل على الترويج لمصر الثقافية وكأن لنا مصلحة في ذلك، نقصد مصلحة شخصية، بل هو النظر بشيء من الموضوعية ليس إلا. ولنعود ونقول إن القطيعة التي نعيشها ستكون لها آثار مستقبلية نظنها وخيمة، فالغياب المتطاول يجعل من محاولة العودة إلى المنبر العربي محاولة مُكلِفة للغاية، وفي أثناء ذلك تغيب أعمال ممتازة تستحق تسليط الضوء وأن تجد حظها من الانتشار، لأن يقيننا بأن الثقافة السودانية وعلى الأقل منذ التسعينيات شهدت طفرات كبرى في الرواية بالذات، مما يجعل أي زائر لمعرض الكتاب في الخرطوم يصاب بالذهول من الكم الهائل للإنتاج الروائي السوداني المحجوب عن القارئ العربي، ولا أنسى زيارة لمعرض الكتاب بالخرطوم أصابت مرافقي الناقد المغربي الكبير الدكتور عبد العالي بوطيب، إذ دُهش الرجل كل الدهشة وقال لي: كيف لهذا الانفجار الروائي الكبير الذي يحدث في السودان أن يكون غائباً عن قراء المشرق والمغرب بهذه الصورة؟! وكان الرجل محقاً فيما قال.
أما الشيء الآخر الواجب التنبيه، هو أن محاولاتنا العودة إلى المنابر المقترحة، والمصري بالذات، فإن الأمر يتطلب أولاً عمليات داخلية لتطوير هذا الذي نسميه أعمالنا الإبداعية، والمشكلات كثيرة تواجه هذه العمليات، أولها كما أسلفنا يتعلق بهيمنة التصنيف السياسي على المثقفين السودانيين، ولا نقول بمثالية أن هذا الأمر يسير التخلص منه، بل هو جوهر المشكلة، إذ ولفترات طويلة انطبع المجال الثقافي الداخلي في السودان بهيمنة غير مسبوقة للأُطر السياسية، نعم صحيح أنه وفي ستينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي نصفها بالذهبية، لم تكن التيارات الثقافية خلواً من تدابير السياسة، فالجماعات التي نشأت ما كان من الممكن أن يغيب فيها تأثير السياسة، ولا يوجد شيء من الأساس في حصانة من التأثير السياسي، لكن الذي نشير يتعلق بالهيمنة وليس التأثير، الهيمنة المقصود بها أن يكون التكوين السياسي هو بطاقة المثقف، وليس فقط حضور أيديولوجي لما مرجعيته في أعماله، ولذا فإن مقترحنا يقول بتخفيف الجرعة شيئاً فشيئا، أي أن تنشأ جماعة ثقافية سودانية تحت هدف واحد هو، الثقافة للثقافة، أي يعمل المثقف السوداني على تكريس وجوده الإبداعي من منتجات وأعمال يكون سمتها الرئيس إبداعي، وأيضاً لا أريد أن يفهم من حديثي هذا ألا يشتغل المثقفون على معالجة الآثام الاجتماعية في أعمالهم، هذا غير ممكن البتة، الذي نقصده وبدقة شديدة، أن يكون الاختلاف السياسي حاضراً، لكنه لا يُشكل قطيعة بين الجماعة المشتغلة في الحقل الثقافي.
هذا جانب، جانب آخر يتعلق بدور المؤسسات العاملة في الحقل الثقافي، وعلى رأسها وزارة الثقافة، وكذلك المنتديات والجمعيات وغيرها، دورها في الذي نسميه العمليات الداخلية لتطوير الثقافة السودانية، نرى أي دور وزارة الثقافة أولاً ينبغي أن يقتصر على تحسين المناخ الثقافي من ناحية قانونية أي تشريعات حُرة تسمح بالعمل الثقافي تحت أي لافتة طالما أنه يتصل أكثر بالإبداعي من السياسي، نعم هذا حديث فيه قدر من المثالية، لكن من قال بأن المثال وجد لأجل الوصول إليه. أما بقية المؤسسات فهي على قلة حيلتها فإن الدور الذي ينتظرها كبير، ومن المعوقات كذلك هذه الشللية التي تطبع أشغالنا الثقافية، هذه الشللية هي صدى لواقعنا السياسي، فالسياسة باتت تُحتضر الآن، ولعلنا أمام مشهد اجتماعي جديد لا تؤدي فيه السياسة أدوارها الكلاسيكية التي شهدنا فصولها طوال عمر الدولة السودانية، إن التخلص من هذه الشللية يبدأ من مصارحة وضمير جديد للمثقف، وللبداية فإن المطلوب فهم دور الثقافة في المجتمع، دورها الإنساني في أصله، لأنه من غير الممكن أن يكون المثقف داعية كوني وفي الوقت ذاته يتخندق ويبدي التزامه بالمانفستو السياسي للجماعة التي ينتمي إليها، نعم، الحق لأي شخص أن ينتمي لأي تيار يريد، لكنه يحمل ضمانة من الوقوع تحت تأثير سياسة القطيع التي يمارسها القادة السياسيون على منسوبي أحزابهم، هذه الضمانة تحقق له وجود مختلف داخل جماعته، وهذا الوجود غير المستثمر هو ما سيضمن له صوت مؤثر داخل وخارج مؤسسته الحزبية.
إذن الدعوة هي تخليص المثقف من هيمنة السياسة، بل أن يعيد هو ترتيب دورها اجتماعياً.. نواصل..
/////////////////