السودان صناعة السياسات واستثمار الفرص: دروس وعبر من قراءة في حوارات ابراهيم منعم منصور  .. بقلم: شريف محمد شريف علي 

في خمسينات القرن الماضي كانت ميانمار  و كوريا الجنوبية تعانيان من الفقر والفاقة وضعف التعليم وفشل النظام الصحي وفي خلال عقد من الزمان استطاعت كوريا ان تحقق نجاحات تنموية كبيرة بحسب مؤشرات التنمية العالمية في  مجالات دخل الفرد والتعليم والصحة بينما تدهورت ميانمار  بحسب مؤشرات التنمية العالمية.
وكذلك كان السودان في الخمسينات في وضع جيد من حيث الاداء الاقتصادي والصحة والتعليم ودخل الفرد. وفي خلال عقود خمس تدهور السودان الي حال سيئة من ناحية التعليم والصحة والاقتصاد وتدني دخل الفرد.
نجاح جنوب كوريا سببه توفر البيئة اللازمة لصناعة سياسات رشيدة واضحة ومحددة قابلة للقياس وتنفيذها وتقويمها باستمرار في وجود مؤسسات تنفيذية تعمل بكفاءة تطور نفسها باستمرار نحو الافضل.
وفشل ميانمار  والسودان سببه  صنع سياسات وتطبيقها  بدون دراسة كافية وبلا اهداف واضحة ومحددة يمكن قياسها في ظل انقسام سياسي حولها  بالاضافة لضعف الجهاز التنفيذي بسبب ضعف اداء الموارد البشرية وعدم كفاءة القيادة في المؤسسات.
لذلك من الضرورة  الملحة ان يتجه تفكير  ونظر  قادة الدولة والمؤسسات السودانية الي  اهمية  خلق المناخ الملائم لصناعة السياسات الناجحة و بناء المؤسسات القوية  ولن يستقيم الحال بالطبع الا في وجود نظام حوكمة رشيد مستقر وثابت يسمح بالتقدم والتنمية وكذلك يسمح للافكار العظيمة والقيادات الممتازة الجديدة ان تظهر ويتاح للشعب اختبارها في ادارة العمل العام.
 مهنة وعلم صناعة السياسات العامة  عملية  معقدة وعادة تواجه جملة من التحديات في مقدمتها:
 (١) التحدي السياسي.
وينقسم التحدي السياسي الي قسمين اساسيين وهما اولا : توفر البيئة اللازمة لضمان نجاح السياسات من استقرار وامن وسيادة حكم القانون. وثانيا: توفر الدعم السياسي اللازم لاجازة السياسات وتبنيها وتنفيذها.
فمثلا  السياسات الاقتصادية عادة تواجه تحدي التوافق عليها من جميع الاطراف السياسية.
التشرذم  والتحزب وعدم وجود رؤية مشتركة لاطراف العملية السياسية يجعل من الصعب التوافق علي حزمة سياسات محددة. تجاوز التحدي السياسي يتطلب  اولا تحديد الفاعلين الرئيسين وتحديد مصالحهم وافكارهم وعلاقاتهم وتحديد مصادر قوتهم وضعفهم وقدراتهم. وثانيا ادارة حوار  معهم وتفاوض للوصول الي اتفاق يسمح بتصميم افضل للسياسات مع حشد الارادة السياسية.  صناعة السياسات فن وعلم وهي مهارة تكتسب بالتجربة والخبرة وتتطلب مهارات التفاوض والمساومة وهذا احيانا  يتطلب تقديم  بعض التنازلات من اجل الوصول لاتفاقات مع الاطراف المختلفة.
من المهم الاقتناع بحقيقة ان الوطن يسع الجميع باختلاف مجموعاتهم و مصالحهم.
فمثلا سياسة رفع الدعم عن المحروقات في السودان عادة يصاحبها  سياسات للتخفيف من اثار رفع الدعم عن الفئات الضعيفة.
وسياسة دعم البنية التحتية في الولايات المتحدة عادة ما يصحبها حزمة  سياسات دعم مشاريع الطاقة المتجددة  وغيرها من السياسات التي تهدف لارضاء وكسب دعم عدد من القطاعات والمصالح وذلك جزء من عملية حشد الدعم السياسي من اصحاب المصالح المختلفة.
الجدير بالذكر ان في مقدمة اسباب فشل السياسات عموما هو عدم استصحاب مصلحة الفاعلين والمؤثرين في السياسة المحددة. من امثلة الفاعلين المؤثرين  الوزارات الاخري او اقسام الوزارة نفسها او اتحادات اصحاب العمل والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني المهتمة. من المهم استصحاب هؤلاء في مركبة صناعة السياسات. فمثلا سياسة رفع الدعم التي يصاحبها سياسات تخفيف الضرر عن الشرائح الفقيرة تتطلب حسن التنسيق بين وزارة المالية ووزارة الشئون الاجتماعية. وربما نلاحظ تعارضا بين نظرة الوزارتين لهذه السياسات نظرا لتعارض اهدافهما.
(٢) التحدي الثاني هو التحدي التقني مثلا ضعف تصميم السياسة او ضعف وعدم كفاءة الادارة المناط بها تنفيذ السياسة. فمثلا سياسات التاميم التي قام بها النميري في اوائل ثورة مايو فشلت لانها اولا سياسات رمزية تهدف لدغدغة عاطفة الشعب بلا اهداف واضحة مدروسة فقد كانت اتباع اعمي لعبد الناصر وسياساته في مصر  وثانيا لعدم كفاءة الادارة  للمؤسسات والمصانع والشركات التي تم تاميمها  وكانت النتيجة انهيار الصناعة.
 لتجاوز التحدي التقني واجبنا وضع آلية لتحديد واختيار  وتصميم افضل السياسات وتقييمها وتنفيذها وتقويمها . وكذلك وضع اليات لضمان حسن ادارة المؤسسات المناط بها تنفيذ ومتابعة السياسات.
(٣) التحدي الثالث : تحدي التشغيل الذي يظهر عندما تتقاطع المصالح والاهداف بين قطاعات الحكومة او الخدمة المدنية. فمثلا سياسات رفع الدعم الي قامت بها وزارة المالية قد تتعارض في اهدافها وتنفيذها مع سياسات واهداف وزارة الشئون الاجتماعية.  لذلك من المهم جدا  ادارة الاختلاف بين مؤسسات الحكم المختلفة ومستوياتها . وكذلك قد تحدث اختلافات بين الوزارة المركزية والوزارة الاقليمية .  فمثلا وزارة الشئون الاجتماعية ربما لاتتفق مع رفع الدعم او سياسات تخفيف الضرر عن الفئات الضعيفة بينما وزارة المالية تريد رفع الدعم وتطبيق سياسات رفع الضرر بماتراه مناسبا. هنا تبرز مهارة وحذق صانع السياسات في التوفيق وربما تقديم بعض الحلول او التفاهمات لتحقيق اكبر قدر من الاجماع السياسي حول السياسة. يعلم صانع السياسة ان هنالك فرق بين النظرية والتطبيق والتطبيق احيانا يحتاج لبعض التعديلات والاضافة والحذف وغيرها .
لذلك معرفة الواقع السياسي بتعقيداته مهم جدا في صنع السياسات.
السياسات الرمزية والشعبوية والايديولوجية ايضا نوع من السياسات لها هدف ارضاء القواعد اولا بغض عن النظر عن فاعليتها في ايجاد الحلول للمشكلات.
الدرسات العلمية كثيرة ومتاحة وكلها تشير الي حقيقة ان التنمية المستدامة والرفاه  يستند الي ثلاث عوامل رئيسية وهي السياسات التي تتبناها الحكومة والمؤسسات التي تنفذها  والحوكمة الرشيدة. الوصفة المجربة كالاتي : سياسات رشيدة مع مؤسسات فعاله وحوكمة رشيدة ستنتج عسلا وشهدا.
والعكس صحيح: سياسات غير مدروسة  ومؤسسات هشة وضعيفة في ظل حوكمة غير رشيدة ستنتج فشلا ذريعا.
في حديثه في قناة سودانية ٢٤ تحدث ابراهيم منعم منصور    عن التجربة السودانية و الفرص الضائعة ومن الاحداث التي رواها يمكن استخلاص بعض جذور  المعوقات التي وقفت حجر عثرة حالت دون  استثمار الفرص الضائعة كالاتي:
اولا : التحديات  السياسية وتشمل:
(١)  عدم التسليم الكامل من الفاعلين الرئيسيين في العمل السياسي والخدمة العامة بمبدأ التداول السلمي للسلطة و نموذج الجمهورية الدستورية الديمقراطية نظاما دائما لادارة وحكم الدولة السودانية .
ونتيجة لذلك ظل عدم الاستقرار السياسي سمة الدولة السودانية وتطاول عهد الحكومات الدكتاتورية التي يقوم فيها  الرئيس  باتخاذ القرارت بدون دراسة كافية واحيانا بدافع غرائزي او دوافع ايديولوجية في اهمال كامل لعملية  صناعة السياسات وتنفيذها ومتابعتها بصورة سليمة وعلمية وبالتالي نحصد خراب الاقتصاد .
مثال ذلك سياسات النميري  الايديولوجية  الرمزية  في اوائل حكمه بتبني النظام الاشتراكي ومجاراة سياسات عبدالناصر مثل التاميم وكذلك في  نهايات حكمه باعلان القوانين ذات الصبغة الاسلامية . كلها سياسات غير واضحة وبلا اهداف محددة ولا دراسة كافية  اللهم الا اضفاء شرعية رمزية للرئيس النميري الامر الذي كان له اثرا كارثيا في جميع مناحي الحياة السودانية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
هذه  امثلة بينة ومقنعة يستبين فيها ان حكم الفرد يخرب ويشقي البلاد  ويدمر مؤسسات صناعة السياسات وتنفيذها فتحصد الاجيال ضياع الفرص.
(٢) تأثر  وارتباط و تمويل  بعض الفاعلين السياسيين ومتخذي القرار  وقيادات المؤسسة العسكرية بقوي واحزاب اقليمية ودولية وايديولوجيا اممية.
هذا  يجعل الوصول لتفاهم سياسي ومساومات بشان السياسات معقد جدا ان لم يكن مستحيلا . لانه يجعل  السياسات محكومة بقيود الارتباطات فوق الوطنية.  خذ مثلا رفض برامج المعونة الامريكية وعروض الشركات الامريكية في الخمسينات والستينيات وكذلك قرارات التاميم بسبب تاثيرات الفكر الاشتراكي والشيوعي . خذ مثال آخر كذلك ارتهان قرار السلام والحرب عند غالب حركات الكفاح المسلح  لقوي اقليمية ودولية. خذ مثال ثالث الصراع الأيديولوجي بين الانقاذ اليمينية والغرب ومابين اليسار السوداني  والنظام الرأسمالي ونماذج التنمية التي تتعامل مع مؤسسات التنمية الدولية. كلها امثلة علي ارتباط القرار المحلي  وصناعة السياسات بالقوي الخارجية   او الايديولوجيا الاممية مما يؤثر سلبا علي صناعة السياسات ويؤدي الي تبني سياسات مرتبكة  وربما متناقضة  لاتحقق  الاهداف الوطنية المرجوة وكذلك ينتج عن ذلك رفض سياسات واقعية وهكذا تضيع منا الفرص.
الشاهد الان ان معارضة المعسكر الاشتراكي والشيوعي لسياسات الحكومة الانتقالية هي مثال عملي لمعارضة ترتكز علي الايديولوجيا.
(٣) غياب المحاسبة والتآمر علي امن الدولة . فتجد اختراق في دائرة صنع القرار السياسي من دول معادية . مثلا قرار اغراق مدينة حلفا  في عهد الرئيس عبود واهمال الفشقة وحلايب في عهد الرئيس البشير.
(٤) عدم واقعية بعض القيادات السياسية المدنية والعسكرية عند اتخاذهم القرار خاصة في ظل الانظمة الدكتاتورية. فمثلا السياسة الخارجية للانقاذ التي تبنت معاداة القوي العظمي او وانحازت لصدام حسين في غزواته الطائشة وغيرها .
ثانيا : التحديات التقنية وتشمل
(١)  ضعف القدرات الادارية وعدم التفات قادة الدولة لاهمية بناء وتاهيل الموارد البشرية في مجال ادارة العمل العام والشركات والمصانع والمزارع الانتاجية والمنظمات الربحية وغيرها. هذا الامر مهم جدا اذ ان تاهيل الموارد البشرية وبناء القيادات المستقبلية احد اهم واجبات القيادة في مؤسسات العمل العام .
(٢)  غياب مراكز الدراسات الاستراتيجية المهنية المهمة والضرورية لتوفير المعلومات والدراسات التي لاغني عنها لصانع السياسات. ومثال لذلك سياسات المجال الزراعي  بالتوسع في زراعة محاصيل محددة تتطلب دراسات ومعلومات عن الجوانب المختلفة لنتائج هذا القرار وهذه الوجهة.
(٣) ضعف قدرات السياسيين والبرلمانيين ومعرفتهم بصناعة السياسات وعدم تواصلهم مع المؤسسات العلمية بالإضافة لضعف الموارد البشرية في مجالات تنفيذ ومتابعة وتقييم وتقويم السياسات .
شريف محمد شريف علي
#رؤية سودان ٢٠٥٠
١٩/٦/٢٠٢١
sshereef2014@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً