دكتور محمد عبدالله
المجاعة لا تبدأ عندما تخلو الأسواق تماماً من الطعام، ولا عندما يصبح الجوع خبراً تتناقله المنظمات الدولية. تبدأ قبل ذلك بكثير، حين يعجز المزارع عن زراعة أرضه، وتتراجع الأمطار، وترتفع كلفة المدخلات، وتتقطع طرق الإمداد، وتتآكل القدرة الشرائية للناس، ثم لا يجد المواطن دولة تملك خطة واضحة لحماية غذائه.
وهذا هو الخطر الذي يواجه السودان اليوم.
فالحرب التي دخلت عامها الرابع لم تستنزف الإنسان وحده، وإنما أصابت الأرض والإنتاج والأسواق ووسائل النقل ومصادر الدخل. ومع توقعات بموسم زراعي أقل من المتوسط في أجزاء واسعة من البلاد، بفعل الصراع والنزوح وارتفاع كلفة المدخلات وتراجع الأمطار، يصبح الأمن الغذائي أكثر هشاشة. وتشير التقديرات الدولية إلى أن نحو 19.5 مليون سوداني واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الجزء الأول من عام 2026، مع استمرار التحذيرات من خطر المجاعة في مناطق عدة.
لكن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا تراجعت الزراعة؟
السؤال الأهم هو: أين الدولة عندما يتراجع الإنتاج؟
الدولة الحديثة لا تنتظر حتى يصل الجوع إلى أبواب المدن. لديها آليات للرصد المبكر، ومخزونات استراتيجية، وسياسات لدعم المنتج وحماية المستهلك، وخطط للتعامل مع الجفاف والحروب وارتفاع الأسعار. وحين تتراجع الأمطار أو يتعثر الموسم الزراعي، تبدأ إجراءات الإنقاذ قبل أن يتحول نقص الإنتاج إلى أزمة غذاء، وقبل أن يتحول نقص الغذاء إلى مجاعة.
في السودان، تبدو الحرب في أحيان كثيرة وكأنها أصبحت الإجابة الجاهزة عن كل سؤال، حتى الأسئلة المتعلقة بالتخطيط والإدارة وترتيب الأولويات.
ولعل المشاهد التي وقعت خلال الأيام الماضية تكشف عمق الأزمة أكثر من أي بيان اقتصادي. فقد هاجم مواطنون فى الخرطوم شاحنة تابعة لشركة زادنا محملة بالدقيق، وفي عطبرة تعرضت شاحنة أخرى محملة بغاز الطبخ لهجوم من مواطنين.
قد تكون لكل حادثة ملابساتها، وقد تختلف المسؤوليات والتفاصيل، لكن الصورة التي تنتج عنهما تستحق التوقف. عندما يصبح الدقيق أو غاز الطبخ سلعة تستدعي هذا القدر من التوتر، فإن أزمة المعيشة تكون قد تجاوزت حدود ارتفاع الأسعار إلى أزمة ثقة في قدرة الدولة على تأمين الاحتياجات الأساسية.
المواطن السوداني لا يحتاج إلى الحديث عن صمود الاقتصاد بقدر حاجته إلى خبز يستطيع شراءه. والمزارع لا يحتاج إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي بقدر حاجته إلى البذور والوقود والتمويل وسوق يبيع فيه محصوله. والأسرة التي لا تجد الماء أو الكهرباء أو الدواء أو غاز الطبخ لا يعنيها كثيراً حجم الإيرادات العامة إذا لم تر أثراً لها في حياتها اليومية.
هنا تظهر مشكلة الأولويات.
في الوقت الذي تتآكل فيه القدرة الشرائية للمواطن، تتوسع الرسوم والجبايات والمكوس، وكأن جيب المواطن أصبح المصدر الأسهل لتعويض عجز الدولة. وكلما ضاقت الموارد، ازدادت الضغوط المالية على الناس الذين فقد كثير منهم مصادر دخلهم بسبب الحرب والنزوح وتوقف الأعمال.
لكن المواطن ليس مصدراً لا ينضب للإيرادات.
المال الذي تحصل عليه الدولة من مواطنيها يفترض أن يعود إليهم في صورة خدمات وأمن وصحة وتعليم وغذاء وبنية أساسية. أما أن يدفع المواطن أكثر ويحصل على أقل، فذلك لا يمكن أن يكون سياسة اقتصادية قابلة للاستمرار، وإنما طريق آخر إلى الفقر والاحتقان.
وفي المقابل، تستنزف الحرب جزءاً كبيراً من الموارد في الإنفاق العسكري وشراء السلاح، بينما تتراجع القطاعات التي تقوم عليها حياة الناس. وليس المقصود هنا إنكار واقع الحرب ، وإنما طرح السؤال الأصعب: كيف تُرتب الأولويات حين تصبح الدولة أمام خطر إنساني بهذا الحجم؟
ما جدوى زيادة القدرة العسكرية إذا لم تستطع الدولة توفير الدواء؟ وما معنى اتساع الجبايات إذا كانت عاجزة عن ضمان الغذاء؟ وما قيمة استمرار الإنفاق على الحرب إذا كانت المدارس والمستشفيات والخدمات الأساسية تنهار؟
الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحرب، وإنما أيضاً بقدرتها على إبقاء الحياة ممكنة لمن يعيشون داخل حدودها.
ثم يأتي الفساد ليضاعف الكلفة. ففي ظروف الحرب، لا يكون الفساد مجرد مخالفة مالية أو انحراف أخلاقي، بل يصبح استنزافاً مباشراً للموارد التي يحتاج إليها المجتمع للبقاء. وكل مورد عام يهدر أو يذهب إلى غير وجهته هو مورد كان يمكن أن يسهم في توفير دواء أو غذاء أو مدخلات زراعية أو خدمة أساسية.
ولهذا فإن الشفافية والمحاسبة ليستا ترفاً في زمن الحرب. إنهما جزء من حماية الأمن الوطني نفسه.
ومن حق المواطن أن يسأل: أين تذهب موارد الدولة؟ كيف تُحدد أولويات الإنفاق؟ من يراقب المال العام؟ ومن يحاسب عندما تُهدر الموارد في بلد يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم؟
المجاعة، إذا اتسع نطاقها، لن يكون من الإنصاف ردها إلى الحرب وحدها أو إلى الطقس وحده. الحرب تضرب الإنتاج وطرق التجارة، والجفاف يضغط على الموسم الزراعي، لكن سوء الإدارة قد يحول الأزمة إلى كارثة.
وهنا تظهر قيمة الدولة الحقيقية.
فالدول لا تُختبر في أوقات الوفرة، وإنما عندما تقل الموارد وتتضاعف الاحتياجات. في تلك اللحظة تظهر القدرة على التخطيط، وترتيب الأولويات، وحماية الفئات الأضعف، ومكافحة الفساد، وضمان وصول السلع والخدمات الأساسية.
وما يحدث في السودان اليوم يتجاوز أزمة الغذاء. فالقطاع الصحي يعاني انهياراً واسعاً، وجزء كبير من المرافق الصحية خارج الخدمة أو يعمل بقدرة محدودة. والتعليم يدفع ثمناً باهظاً، فيما يواجه ملايين الأطفال خطر فقدان سنوات من تعليمهم. وتظل الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية غير مستقرة في مناطق واسعة، بينما أصبح الأمن نفسه مفقوداً أو هشاً في أجزاء كبيرة من البلاد. وقد حذرت التقديرات الإنسانية من أن تدهور الغذاء يتداخل مع انهيار الخدمات الصحية والمياه والصرف الصحي والنزوح وتعطل سبل العيش.
عندما تجتمع هذه الأزمات في وقت واحد، فإننا لا نكون أمام أزمة إنسانية منفردة، وإنما أمام تآكل متزامن لوظائف الدولة.
ولهذا لا ينبغي التعامل مع المجاعة باعتبارها ملفاً يخص المنظمات الإنسانية وحدها. الغذاء قضية اقتصادية وسياسية وأمنية، وحماية الإنتاج الزراعي مسؤولية الدولة، وتأمين السلع الأساسية جزء من مسؤوليتها، وكذلك منع الاحتكار والفساد وحماية طرق التجارة والإمداد.
المساعدات الإنسانية مهمة، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلاً دائماً عن الدولة. المطلوب ليس انتظار الكارثة ثم البحث عن المساعدات، وإنما بناء استجابة تمنع الكارثة قبل وقوعها.
صحيح أن السودان يعيش حرباً تجعل إدارة الدولة أكثر تعقيداً، لكن الحرب نفسها تجعل التخطيط أكثر ضرورة. وفي مثل هذه الظروف تصبح الأولويات واضحة: حماية المدنيين، تأمين الغذاء، إنقاذ الموسم الزراعي، استمرار الصحة والتعليم، توفير المياه والكهرباء، حماية طرق الإمداد، ومحاصرة الفساد.
أما تحويل الحرب إلى مبرر دائم للجباية والإنفاق غير المنضبط وغياب الشفافية، فهو أمر مختلف تماماً.
السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات. يحتاج إلى إدارة ترى أن إنقاذ الموسم الزراعي جزء من الأمن القومي، وأن توفير الغذاء ليس عملاً خيرياً، وأن حماية القدرة الشرائية للمواطن ليست ترفاً اقتصادياً، وأن المستشفى والمدرسة ومحطة المياه لا تقل أهمية عن أي منشأة عسكرية في بناء الدولة.
لقد عرف السودان في تاريخه مجاعات وحروباً وأزمات اقتصادية قاسية. لكن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم ليس أن تتكرر مأساة تاريخية بصورة جديدة، وإنما أن تتكرر الأخطاء نفسها ثم نبحث عن تفسير خارج مسؤوليتنا.
المجاعة لا تأتي دائماً في صورة طوابير طويلة أمام المخابز. قد تبدأ بمزارع لم يستطع زراعة أرضه، أو بأسرة لم تعد قادرة على شراء الطعام، أو بمستشفى لا يجد الدواء، أو بمدرسة تغلق أبوابها، أو بشاحنة دقيق تصبح هدفاً لغاضبين، أو بشاحنة غاز طبخ يلاحقها مواطنون يبحثون عن وسيلة لإعداد طعامهم.
هذه المشاهد لا ينبغي أن تمر كحوادث عابرة.
إنها إشارات إلى مجتمع تتآكل فيه القدرة على الاحتمال، وإلى دولة تتراجع قدرتها على أداء أبسط وظائفها.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغل الخرطوم اليوم ليس ما إذا كان السودان يستطيع تحمل أزمة أخرى، وإنما ما إذا كانت السلطة مستعدة لتغيير أولوياتها قبل أن يتحول الخطر الغذائي إلى كارثة يصعب احتواؤها.
فحين يصبح الحصول على الدقيق والغاز معركة، لا يكون الجوع قد وصل بعد إلى نهايته؛ يكون قد بدأ بالفعل في تغيير علاقة الناس بالدولة.
