السودان في عين الإعصار- قراءة في “جراحة الأعصاب” الدولية وتآكل خيارات بورتسودان

زهير عثمان

تحليل: مشهد أبريل 2026

لم يعد الصراع السوداني مجرد نزاع حدودي أو داخلي على السلطة، بل تحول إلى “مختبر” دولي لتجريب آليات الضغط القصوى
نحن الآن أمام مرحلة انتقلت فيها القوى الكبرى من دور “الوسيط” إلى دور “المهندس الإجباري” للمشهد، حيث تضيق الخيارات أمام الحكومة والجيش في بورتسودان إلى حدودها الدنيا
الميدان.. ستاتيكو عسكري تحت رحمة “الذكاء القاتل”
بحلول الذكرى الثالثة للحرب، لم تتغير الخرائط كثيراً، لكن طبيعة الموت هي التي تغيرت
ثبات الجغرافيا الجيش يستميت في الحفاظ على عمق الدولة (9 ولايات)، بينما تحتفظ قوات الدعم السريع بسيطرة ميدانية واسعة في دارفور
ثورة المسيّرات التحول النوعي يكمن في “حرب الدرونز” التي حصدت 700 نفس في الربع الأول من 2026، مما يعني أن الحسم العسكري لم يعد رهيناً بعدد المشاة، بل بالقدرة على الوصول التكنولوجي
إعادة الهيكلة تعيين الفريق أول ياسر العطا رئيساً للأركان ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعلان تموضع جديد؛ رسالة للداخل بالتماسك، وللخارج بأن المؤسسة العسكرية تعيد تدوير محركاتها استعداداً لمقايضات سياسية كبرى

“هندسة الجوع” والمؤتمرات الموازية.. برلين نموذجاً
شكل مؤتمر برلين (15 أبريل 2026) نقطة الانعطاف الكبرى، حيث تم تجاوز الدولة السودانية بـ”نعومة خشنة”
تجاوز السيادة تجاوز التعهدات المالية سقف الـ 1.5 مليار يورو يعكس رغبة دولية في إدارة الملف الإنساني “بعيداً” عن قنوات الحكومة، مما يجرّد بورتسودان من ورقة “الشرعية الإجرائية” في توزيع الإغاثة
شيطنة “اقتصاد الحرب” المصطلحات الجديدة الصادرة عن المؤتمر تشير إلى أن الهدف القادم هو “التجفيف المالي”. الضغط الدولي انتقل من المطالبة بوقف النار إلى التهديد بتفكيك البنى التحتية المالية للجيش والدعم السريع معاً، واعتبارهما كيانات تستنزف موارد الشعب
مهلة يونيو (العد التنازلي) ,و لم تعد تهديدات واشنطن (مستشار ترامب) مجرد ضجيج إعلامي، بل تحولت إلى “سيف ديموقليس” معلق فوق رقاب القادة بانتظار ساعة الصفر في يونيو المقبل

الإقليم.. بين المحور الصلب والوساطة الماكرة
تتحرك القوى الإقليمية في رقصة دقيقة على حافة الهاوية
مصر (البراغماتية الصارمة) ترفض القاهرة سقوط الدولة أو تقسيمها كـ “خط أحمر” وجودي، لكنها في الوقت ذاته تبعث برسائل مبطنة للجيش بضرورة “المرونة الاستراتيجية” لتفادي الانهيار الكلي
دول الخليج (الضغط الناعم) تحركات البرهان في مسقط وجدة تكشف عن واقع مرير؛ الحلفاء التقليديون بدأوا بمراجعة صكوك الغفران، مع تلويح بوقف الدعم العسكري أو اللوجستي مقابل الانخراط في مسار سياسي لا يقبل المناورة
الانهيار الصامت.. ثلثا الشعب تحت خط الوجود
خلف دخان المدافع، يقع السودان في فخ “العدم الاقتصادي”
التضخم الانتحاري وصول التضخم إلى 177% مع انكماش بنسبة 50% يعني أن الدولة فقدت وظيفتها كراعية للحياة اليومية
نزيف الأرواح والكرامة 14 مليون نازح ولاجئ يحولون السودان إلى أكبر أزمة نزوح في التاريخ الحديث، مما يحول القضية من “نزاع سياسي” إلى كارثة أخلاقية تبرر التدخل الدولي تحت بند حماية المدنيين

السيناريوهات.. مخاض عسير أم رصاصة رحمة؟
السودان لا ينتظر “السلام” بقدر ما ينتظر التسوية السياسية القدمة والمفروضة
سيناريو الانحناء للعاصفة (المرجح) قبول الجيش بصفقة برعاية دولية (نسخة مطورة من مسار جدة) تضمن بقاء المؤسسة العسكرية كشريك، مقابل التنازل عن الانفراد بالسلطة، وتشكيل حكومة تكنوقراط تدير أموال “إعمار برلين”
سيناريو الارتطام العنيف (المحتمل) الإصرار على الحسم العسكري بما يؤدي إلى عزلة دبلوماسية كاملة، وتفعيل العقوبات الذكية التي ستؤدي لنهش ما تبقى من جسد الدولة، مما قد يفتح الباب لتدخلات دولية أكثر مباشرة تحت غطاء “الإغاثة القسرية”

السؤال الان في أبريل 2026 ليس من سينتصر؟ ، بل ماذا سيبقى من السودان ليُحكم؟
إن الضغوط الدولية الحالية لم تعد تهدف لإصلاح المسار، بل لإعادة ضبط المصنع، وعلى النخبة العسكرية والسياسية في بورتسودان إدراك أن الزمن ليس في صالحهم، وأن “السيادة” التي لا تحمي الأفواه الجائعة تصبح عبئاً على صاحبها قبل خصمه.

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

انشقاق النور القبة- انتصار رمزي أم مؤشر على سيولة الولاءات في الصراع السوداني؟

زهير عثمان بورتسودان – في مشهد لافت حمل أبعادًا تتجاوز الطابع البروتوكولي، استقبل رئيس مجلس …