مؤتمر برلين للسودان “انتصار مدني” فوق رمال متحركة.. قراءة في فجوة الشرعية والميدان

زهير عثمان

انطلق في العاصمة الألمانية برلين مؤتمر دولي جديد بشأن السودان، متزامناً مع دخول الحرب عامها الرابع. وبينما احتفت القوى المدنية بما اعتبرته “انتصاراً سياسياً”، وصمتت الحكومة السودانية المؤتمر بـ”الوصاية وتجاوز السيادة” , وبين هذين الموقفين، تبرز تساؤلات جوهرية: هل كان برلين طوق نجاة حقيقي أم مجرد “مسرح سياسي” لتدوير الأزمة؟

اختراق مدني أم استعادة رمزية؟
نجحت القوى المدنية (تحالف صمود وقوى الثورة) في انتزاع اعتراف دولي متجدد بدورها عبر “الوثيقة المشتركة” التي تدعو لوقف الحرب والانتقال الديمقراطي
لكن التحليل الدقيق يرى أن هذا ليس انتصاراً ميدانياً، بل هو إعادة تموضع استراتيجي. فالنصر الحقيقي يتطلب وقفاً لإطلاق النار، وهو ما لم يحدث

الوثيقة المدنية، رغم أخلاقيتها، تعاني من “ضعف آلي”؛ فهي تفتقر لأدوات إلزام الطرفين المتحاربين (الجيش والدعم السريع)
إنها أداة لتراكم الشرعية السياسية أمام المانحين أكثر منها برنامجاً قابلاً للتطبيق في ظل سياسة “تسليع العنف” القائمة

خطاب السيادة الدرع الهش والرهان المستحيل
في المقابل، جاء رفض وزارة الخارجية السودانية للمؤتمر كقراءة باردة لمصالح السلطة , و تصر الحكومة على أن مساواتها بقوات الدعم السريع ينسف أسس الدولة، وتستخدم خطاب “السيادة” كدرع ضد ما تراه “تدخلاً غربياً”

المفارقة تكمن في أن هذا الخطاب يعاني من أزمة تمثيل؛ فكيف تدافع عن سيادة كاملة ومؤسسات الدولة منهكة وفاقدة للسيطرة على مساحات شاسعة؟ رهان الحكومة على “الحسم العسكري” يبدو انتحارياً في حرب استنزاف، لكنه منطقي من زاوية التمسك بشرعية المؤسسة العسكرية كعنوان وحيد للدولة

المساعدات الدولية إنسانية منقوصة بصبغة سياسية
تعهدت ألمانيا بتقديم مئات الملايين من اليوروهات، لكن خلف هذه “الكرم” تكمن أهداف جيوسياسية
برلين تسعى لدور قيادي في القرن الأفريقي، والمجتمع الدولي يقدم “مسكنات إنسانية” لتجنب تهمة التخلي عن السودان، مع تجنب دفع الثمن السياسي الحقيقي (عقوبات رادعة أو تدخل فعلي) , و إنها “نظرية الفوضى المدارة” التي تهدف لإبقاء الأزمة تحت السيطرة بحيث لا تهدد مصالح الغرب في الهجرة والأمن.

الخلل الجوهري غياب “ممثلي العنف”
أكبر سخرية في برلين هي غياب من يمسكون بالزناد (الجيش والدعم السريع) وحضور من لا يملكون إلا الكلمة (المدنيين) , و هذا المشهد يشير إلى فجوة تمثيل عميقة؛ فالمليشيات والكتائب المسلحة على الأرض لا تعترف بالوثائق الموقعة في الفنادق الأوروبية
أي اتفاق لا يشارك فيه حاملو السلاح سيبقى حبراً على ورق، كما علمتنا تجارب الحروب الأهلية عبر التاريخ

بين الانتصار الزائف والحقيقة المرة
ما حققته القوى المدنية في برلين هو “انتصار دبلوماسي” حافظ على شريان حياتها السياسي، لكنه لم يغير ميزان القوى على الأرض قيد أنملة

يظل السودان اليوم رهينة لمعادلة مستحيلة حرب لا تستطيع الأطراف كسبها، وسلام لا يجرؤ الوسطاء على فرضه. برلين كانت محطة ضرورية لإطعام الجوعى وجمع المانحين، لكنها تظل خطوة قصيرة في طريق طويل من خيبات الأمل، ما لم يتحول الضغط الدولي من “تعهدات مالية” إلى “إرادة سياسية” تنهي تدفق السلاح وتجبر المدافع على الصمت.

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

من “الزريبة” إلى “عقلية الزريبة”- لماذا لم يتحول السودان إلى دولة مواطنة؟

زهير عثمانالسؤال الذي يخشى الجميع طرحه , السودان لا يعاني فقط من أزمات سياسية متعاقبة …