د. الشفيع خضر سعيد
حرب السودان التي بدأت في ظاهرها كصراع على السلطة، سرعان ما تبدت معركة على الأرض والموارد، مع تعدد الفاعلين المحليين والإقليميين، وتوسع اقتصاد الحرب، وتزايد اعتماد الميليشيات على الذهب والتهريب كمصادر تمويل مستقلة، مما زاد الوضع تعقيدا. وكما أشرنا مبكرا في عدد من مقالاتنا السابقة، فإن هذا التعقيد يجعل من الصعب تصور نهاية سريعة للنزاع. ودون التقليل من أهمية وضرورة أي هدنة مقترحة، ودون تجاهل حقيقة أن استقرار خطوط القتال قد يفتح نافذة للتفاوض، إلا أن كل ذلك لا يضمن تلقائيا تسوية نهائية قريبة. ومع تفاقم الأزمة الإنسانية والانهيار الأمني، وتزايد نفوذ الميليشيات، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، تتواصل الحرب بلا أفق واضح، فيما تتسع دوائر تأثيرها وتداعياتها لتجعل منها، ليست مجرد صراع داخلي، وإنما عاملاً مهدِّداً للأمن الإقليمي، وسيعيد تشكيل موازين القوى في الإقليم بأكمله، خاصة القرن الأفريقي وحوض النيل، فضلاً عن التأثير المباشر على أمن البحر الأحمر. فتداخل العوامل العسكرية والقبلية والاقتصادية، إلى جانب التدخلات الخارجية، جعل من الصراع في السودان نموذجاً لحرب طويلة الأمد، بانهياراتها الأمنية والإنسانية، وبتداعياتها التي تتجاوز حدود البلاد الجغرافية، وتنعكس سلبا على استقرار دول الجوار، في ظل ما تعانيه هذه الدول من هشاشة، وما تواجهه من ضغوط هائلة، نتيجة تدفق اللاجئين وانتشار السلاح عبر الحدود، وتغذية النزاعات المحلية، وتوسع شبكات التهريب والجريمة المنظمة. كما أن الفراغ الأمني الواسع وانتشار السلاح الخفيف والمتوسط في البلاد، خلقا بيئة مثالية لتمدّد الجماعات المتطرفة، خاصة في المناطق الطرفية، وتهديدها لطرق التجارة الإقليمية، ومشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، والممرات البحرية. وإضافة إلى تهديده لاستقرار دول المنطقة، فإن هذا الواقع سيعيد تشكيل التحالفات الإقليمية، مع سعي بعض القوى لتعزيز نفوذها عبر دعم أطراف داخل السودان. وحتى لو توقفت الحرب، فإن بقاء الميليشيات المنتشرة في السودان، وبما تملكه من مصادر تمويل مستقلة عبر الذهب والتهريب، يشكل تهديداً دائماً، حيث تسيطر هذه المجموعات على مناطق نفوذ قد تتحول إلى “دولة داخل الدولة”، وترتبط بشبكات إقليمية تجعل تفكيكها أكثر تعقيداً. لذلك، فإن أي توجه نحو السلام ووقف الحرب لا يدرج في صلب أجندته ملف الميليشيات، وخطة واضحة للتسريح وإعادة الدمج، مع حظر الدعم الخارجي لهذه المجموعات، سيكون مصيره الفشل.
وما بين المحاولات الدولية الجارية لفرض هدنة، قبل مؤتمر برلين، وعجز القوى المدنية حتى الآن عن توحيد صفوفها، رغم بعض المؤشرات الإيجابية مؤخرا، يظل مستقبل البلاد مفتوحاً على كل الاحتمالات، بما في ذلك إعادة رسم خريطة الوطن للمرة الثانية، الأولى كانت في 2011. صحيح هناك مجموعة من العوامل التي تدعم فرص تحقيق الهدنة المقترحة، منها الإرهاق العسكري والبشري، الكارثة الإنسانية التي تضع أطراف القتال تحت ضغط دولي متزايد، ورغبة القوى الدولية في منع مزيد من الانهيار الذي قد يهدد أمن البحر الأحمر. لكن أيضا هناك ما يُضعف هذه الفرص، كانعدام الثقة بعد سلسلة اتفاقات الهدن السابقة منذ جدة 2023 والتي لم تتعد كونها مجرد كلمات في صفحات وثائق هذه الاتفاقات، وتعدد مراكز القرار داخل كل طرف، وصعوبة ضبط الميليشيات، وتضارب الأجندات الإقليمية التي تدعم استمرار الحرب، وغياب مؤشرات جدية على استعداد القيادات العسكرية المتصارعة للتنازل، كما ظهر في مواقفها خلال العام 2025. وصحيح أن الهدنة ممكنة، لكنها نجاحها غير مضمون ويتطلب ضغطا دوليا منسقا، وآليات مراقبة صارمة، مع ضرورة ربطها بمسار سياسي واضح، ليس من ضمن محطاته تقاسم السلطة بين العسكريين، بل يفتح الباب أمام انتقال مدني شامل. وقد ناقشنا ذلك بالتفصيل في مقال سابق.
ورغم قناعتنا التامة بأن السلام في السودان لن يصنعه إلا السودانيون أنفسهم، لكن طبيعة الحرب وتشابك المصالح، تجعل من الدور الإقليمي والدولي عاملاً حاسماً في إما إطالة أمد الحرب أو فتح باب جدي نحو سلام عادل ومستدام. لذلك، دائما ما ظللنا نطالب المجتمع الدولي بوقف سياسة الاكتفاء ببيانات القلق وإعلان المساعدات الإنسانية، والانتقال إلى ممارسة ضغط حقيقي وملموس على كل الأطراف، وخاصة القوى الإقليمية الداعمة للحرب، وأن يكون الدعم الاقتصادي والسياسي مشروطاً بخارطة طريق تبدأ بوقف إطلاق النار وتدعم التوجه نحو حكم مدني ديمقراطي، وتقدم الدعم الفني والمالي للإصلاح المؤسسي، خاصة القطاع الأمني. أما المجتمع الإقليمي، فلازلنا نطالبه بالتوقف عن دعم الأطراف المتحاربة بالسلاح أو المال أو الغطاء السياسي، وبالمساعدة في توفير منصة للحوار بين السودانيين، دون أن يتدخل في الحوار نفسه، بل يُترك أمره بكل تفاصيله للسودانيين، وبإطلاق مبادرة إقليمية لأمن البحر الأحمر تضم الدول المشاطئة، تربط بين استقرار السودان وأمن الممر البحري.
وعلى الرغم من ترحيبنا التام بالجهود الدولية والإقليمية المبذولة لوقف الحرب، إلا أن قناعتنا الراسخة أن القوى المدنية السودانية هي الطرف الوحيد القادر على طرح مشروع بديل للحرب. واقتراحنا، كما كررنا كثيرا، أن يستند هذا المشروع إلى رؤية سياسية موحدة حول كيفية وقف الحرب، وماهو مستقبل قيادات أطرافها، وكيفية تحقيق العدالة، وكيفية الإصلاح المؤسسي، خاصة القطاع الأمني، وصولا إلى التوافق عبر حوار سوداني حول أسس الانتقال المدني الديمقراطي. ولكن لا يزال هناك العديد من المعوقات أمام هذه القدرة، وفي مقدمتها ما تعانيه هذه القوى من انقسامات عميقة. صحيح أن لقاء نيروبي، 16 ديسمبر/كانون الأول 2025، أعاد فتح النقاش حول وحدة القوى المدنية، وتقدم خطوة إلى الأمام، بتوافقه حول إعلان مبادئ موحد، وإعلانه التحرك للتواصل مع فصائل القوى المدنية الأخرى التي لم تشارك في اللقاء. لكن هذا ليس كافيا، ونقترح استكماله بابتداع آلية تنسيق بين مختلف أطراف القوى المدنية من أحزاب ونقابات ولجان مقاومة ومجتمع مدني.
نقلا عن القدس العربي
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم