السودان في كتب الرحالة والمؤرخين .. جمع وإعداد: البروفيسير قاسم عثمان نور* .. عرض وتقديم: غانم سليمان غانم

 


 

 

 

G_ghanim@hotmail.com
تناول هذا الكتاب كتابات الرحالة والمؤرخين والأخباريين العرب والمسلمين الذين زاروا السودان في أوقات مختلفة وكتابات الرحالة والمكتشفين والمغامرين الأوروبيين وغيرهم ممن زار السودان قديماً وحديثاً واستعرضوا أحوال السودان والسودانين على مر العصور إنطلاقاً من ممالك السودان القديمة المعروفة بمروي ونبتة وعلوة والمقرة حتى فجر الاستقلال.
ذكر المؤلف أن الكتاب يهدف للتعريف بالكتابات التى كتبها المؤرخون والإخباريون من العلماء المسلمين عن السودان والذين قدر لهم زيارة البلاد و كتبوا عن أخباره وأحواله بما هو معروف ومتداول في زمانهم، وكذلك ما كتبه الرحالة والمكتشفون والمغامرون من الأجانب الذين زاروا السودان واستعرضوا في كتاباتهم ممالك السودان القديمة والمعروفة في التاريخ بدولة كوش ومروي ونبته ثم عرفت فيما بعد ببلاد السودان في العصور الوسطى. كانت من الكتابات الباكرة ما كتبه المورخ اليوناني هيرودوتس والذى أطلق على البلاد اسم أثيوبيا – أي ارض ذوي الوجوه المحروقة – ومن العرب والمسلمين كتابات اليعقوبي والمسعودي وغيرهم وكذلك كتابات الرحالة ابن جبير وابن حوقل وابن بطوطة الذين قدر لهم زيارة مناطق مختلفة من بلاد السودان. وكذلك كتابات الرحالة الأجانب من الأوروبيين أمثال بوركهارت وفردريك كايو ولينان وبراون وادينجتون وناختقال وغيرهم. وقد كتب هؤلاء الرحالة الأجانب عن السودان من النواحي السكانية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، وكانت أهم كتاباتهم عن الآثار، وأدت كتاباتهم إلى تنبيه العالم وتسليط الضوء على الإهرامات والمعابد الأثرية العائدة للحضارة النوبية والممالك التى قامت بشمال السودان. أما نهر اليل فقد نال حظه من الإستعراض نظراً لأهمية وتنوع المادة التى كتبت عنه على مدى قرون، وتضمن الكتاب نماذج لكتابات بعض الإداريين البريطانيين أمثال نيوبولد وهولت وماكمايكل ومن السودانيين كتابات المؤرخ ضرار صالح ضرار.
قسم المؤلف الكتاب إلي سبعة فصول شملت الفصل الأول ومقدمة، وهو بعنوان:"المؤرخون العرب والمسلمون"، حيث ذكر المؤلف من الرحالة والمؤرخين: اليعقوبي، وابن الفقيه وابن سليم الأسواني والمسعودي وابن حوقل واليعقوبي والبلاذري وابن خردذبه والأصخري وناصر خسرو والإدريسي وصالح الأرمني وابن جبير وياقوت الحموي وابن الأثير والقزويني وابن عبد الظاهر وابن بطوطة وشهاب الدين النويري والدمشقي وابن فضل الله الحمري وابن أبي الفضائل وابن فرات وابن خلدون والقلقشندي والمقريزي وابن الوردي وأبو المحاسن وابن اياس.
في الفصل الثاني وهو بعنوان "الرحالة الأجانب (الأوروبيون)" أورد المؤلف كتابات الرحالة الأوربيين عن السودان وذكر فيه كتابات الرحالة جون لويس بوركهارت والرحالة لويس موريس لينان دو بلفون والرحالة شارلس جي بونسيه والرحالة فردريك كايو والرحالة جورج وادينجتون والرحالة وليم جورج براون والرحالة جورج ميللي والرحالة فردينالد فرن والرحالة الأمير الألماني بكلر مسكاو والرحالة جورج بي انجلش والرحالة جوستاف ناختقال والرحالة الفريد ادموند بريم والرحالة ادوارد دبل ومبعوث امبراطورية النمسا انتزن فون بروكش والجيولوجي النمساوي جوزيف فون روسيجر والرحالة جوزيف بيشي والرحالة فلهام جونكر والرحالة جورج سشفرت.
تضمن الفصل الثالث من الكتاب وهو بعنوان "الرحالة العرب والبعثات المصرية" سرداً لكتابات الرحالة محمد بن عمر التونسي ومحمد بن على بن زين العابدين وناصر خسرو وايليا شلبي ووصف لرحلة محمد على باشا للسودان وكشوفات البعثات المصرية في اقليم كردفان ودارفور وسواكن وشرق السودان.
وفي الفصل الرابع وهو بعنوان "نهر النيل" اورد المؤلف كتابات المؤرخين القدماء عن النيل ورحلة سليم قبودان وكتابات صمويل بيكر وجيمس غوردون وجيمس بروس والسير جيمس جارستن عن نهر النيل.
أما الفصل الخامس وهو بعنوان "رحالة وكتاب معاصرون" فقد تضمن وصفاً لمدينة الخرطوم على أيام الجنرال غردون باشا وكتابات محمد حسين هيكل ومحمد حسين مخلوف ومحمد صبيح ومحمد شاهين حمزة والسيد فرج والأمير محمد على باشا.
في الفصل السادس وهو بعنوان "من كتابات الإدارين البريطانين" أورد المؤلف بعض كتابات الإدارييين البريطانيين وخاصة كتابات السير دوغلاس نيو بولد والسير دونالد هولي والسير هارولد ماكمايكل.
أما الفصل السابع والأخير وهو بعنوان "هجرة القبائل العربية الي وادي النيل: مصر والسودان" فقد تضمن عرضاً موجزا لكتاب الأستاذ والمؤرخ السوداني ضرار صالح ضرار والكتاب في واقع الأمر موسوعة بنفس الإسم تضمنت وصفاً تفصيلياً لقبائل شمال السودان وتقسيمات القبائل العربية في عموم السودان وقبائل شرق السودان.
نماذج من كتابات المؤرخين العرب والمسلمين
كتابات ابن اياس عن الحوار الذى دار بين ملك النوبة والأمير الأموي عبد الله بن مروان
ابن اياس أبو البركات محمد أحمد ولد بالقاهرة سنة 852 هـ/1448م وتتلمذ على المؤرخ السيوطي وترجع شهرته إلي تصنيفه كتاب "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، وهو كتاب يؤرخ لمصر من أقدم العصور وحتي عام 928هـ/1522م، ولقد تناول بن اياس الحوار الذى دار ما بين ملك النوبة والأمير الأموي عبد الله بن مروان الذى هرب الي بلاد النوبة عندما طارده الخليفة العباسي وأمر بإلقاء القبض عليه ففر إلي القاهرة بعد أن أخذ معه أموالاً طائلة وفرشاً وفرقة من الجيش. ولما وصل الأمير الأموي عبدالله بن مروان أرض النوبة وجد مدائناً خراباً وبها قصور محكمة البناء فنزل في بعض تلك القصور وأمر غلمانه بكنسها وفرشت فيها الفرش الفاخرة التى كانت معه، وأرسل غلمانه لطلب الأمان من ملك النوبة، وعادوا ومعهم مبعوث من ملك النوبة. قال مبعوث ملك النوبة أن الملك يقرئك السلام ويقول لك أجئت محارباً أم مستجيراً؟ فقال له الأمير الأموي عبد الله بن مروان رد السلام على الملك وقل له: "قد جاءك مستجيراً من عدو له يريد قتله". فمضى مبعوث الملك بالجواب وغاب ساعة ورجع للأمير الأموي وقال له: الملك قادم إليك في هذه الساعة. فقال الأمير الأموي عبد الله بن مروان لغلمانه افرشوا ما معنا من الفرش الفاخرة، وجعل مجلسه في صدر المكان في معية ملك النوبة، وعندما أقبل ملك النوبة ـ وكان رجلاً أسوداً طويل القامة نحيف الجسد وله بردان قد اتزر باحدهما وتلفح بالآخر – في صحبته عشرة من السودان (النوبيين) حوله ومعهم حراب، فلما رآه الأمير الأموي استصغر أمره واحتقره، فلما قرب الملك النوبي من المكان الذى جلس فيه عبد الله بن مروان أتاه من عسكره نحو عشرة ألف رجل في ايديهم حراب، فلما دخل ملك النوبة على الأمير الأموي عبد الله بن مروان وأحاط ذلك العسكر بالمكان ووقعت عين ملك النوبة على الأمير الأموي عبدالله بن مروان بادر إلي يد الأمير الأموي وقبلها، فأشار إليه عبد الله بن مروان بأن يجلس على الفراش الذى وضعه له فأبى ملك النوبة الجلوس وصار يدفع بالفرش الفاخرة برجله.فقال الأمير الأموي عبد الله بن مروان للترجمان لِمَ لا يجلس الملك على ذلك الفراش الذى وضعناه له؟ فقال له الترجمان في ذلك. فقال ملك النوبة: قل للأمير:" كل ملك لا يكون متواضعاً لله فهو جبار عنيد متكبر"، ثم جلس على الأرض وأخذ يمسح الأرض باصبعه طويلاً ثم رفع رأسه للأمير الأموي وقال له: "كيف سُلبتم من ملككم وأًخِذ منكم وأنتم أقرب الناس إلي نبيكم؟"، فقال عبد الله بن مروان:"إن الذى سلب ملكنا أقرب إلي نبينا منا..."، فقال له ملك النوبة:"كيف أنتم تلوذون الي نبيكم بقرابة وأنتم تشربون ما حرم عليكم من الخمور؟ وتلبسون الديباج وهو محرم عليكم وتركبون في السروج الذهب والفضة وهي محرمة عليكم، ولم يفعل نبيكم شيئا من هذا! وبلغنا إنك لما وليت مصر كنت تخرج للصيد وتكلف أهل القرى ما لا يطيقون وتفسدون الزرع على الناس وتروم الهدايا والتقادم من أهل القرى وكل هذا من أجل كركي تصيده!". وصار ملك النوبة يعدد على الأمير الأموي عبد الله بن مروان جملة ذنوب والأمير الأموي ساكت لا يتكلم بحرف واحد، ثم قال له ملك النوبة: فلما استحللتم ما حرم الله عليكم سلبتم ملككم وأخذ منكم وأوقع الله بكم نقمة لم تبلغ غايتها وأنا أخاف على نفسي إن أنزلتك عندي أن تحل بي تلك النقمة التى حلت بكم، والبلاء عام والرحمة مخصوصة!!!". فقال الملك النوبي للأمير الأموي عبد الله بن مروان:" أرحل من أرضى بعد ثلاثة أيام وإلا أخذت جميع ما عندك وقتلتك شر قتلة"، ولما سمع الأمير عبد الله بن مروان ذك خرج من أرض النوبة في يومه ورجع إلي مصر فقبض عليه عمال الخليفة المنصور العباسي وبُعث به إلي بغداد فسجنه المنصور حتى مات في السجن، وكان الأمير الأموي عبد الله بن مروان آخر من تولي على مصر في دولة الخلفاء الأموية من العمال.
نماذج من كتابات الرحالة والمؤرخين الأوروبيين
كتابات الطبيب الألماني الدكتور جوزيف ناختقال عن أحوال وتاريخ دارفور
الرحالة الطبيب الألماني جوستاف ناختقال من مواليد ساكسونيا عام 1834م وبعد تخرجه من كلية الطب التحق بالجيش الروسي ومن ثم تركه وهاجر إلي بلاد الشرق حيث توجه إلي تونس والتحق بخدمة حاكم تونس فاصبح طبيباً خاصاً في البلاط وتعلم اللغة العربية وفي أواخر 1868م كلف بالقيام ببعثة إلي برنو وقد تسمي باسم إدريس. غادر ناختقال وداي إلي دارفور في يناير 1874م وكانت أولى محطاته في دارفور مدينة كوبي ووصفها بأنها مقر للتجار الجلابة الذين استقروا بدارفور وهي تعد أهم مدينة بعد الفاشر. بعد وصوله إلى كوبي قال الرحالة ناختقال: "مما يوجب الإقرار به أريحية الجلابة وكرمهم الذى يفوق كرم جميع القبائل التى تقيم هنا، إذ لا يكتفي هؤلاء القوم بتقديم الوجبات الممتازة لضيوفهم وخدمتهم فقط، بل كان منزل شمس الدين الجلابي - المنزل الذى نزل فيه الرحالة ناختقال - غاصاً بالضيوف كما لو كان خاناً (فندق) للمسافرين وظل يمدنا بالطعام لنا ولدوابنا، وكان الضيوف أكثر من مائة شخص"، ويقول ناختقال: "كانت تقدم في الوجبات العصيدة والكسرة ولحوم الضأن المشوية وقراصة القمح الشهية مضافاً إليها العسل والتمر المجلوب من دنقلا ثم تقدم القهوة للجميع والتى تبلغ أقداحها المئات، وتتم الخدمة على ذلك المنوال طوال اليوم. وكثيرا ما ينحر بعير فتقدم الكبدة النية المخلوطة بالتوابل للضيوف الخصوصيين فقط "، ويقول ناختقال:"وقد تذوقتها وعلى أن أعترف بأنها أفضل الأكلات التى تناولتها في هذه البلدان إذ لا زالت تعلق بذاكرتي لطيب مذاقها. وعند وجبة العشاء يقدم حوالي الخمسين طبقاً (قدحاً) من الأطباق الكبيرة الحجم، وكان الحاج كرار هو الذى يشرف على تقديمها للضيوف بنفسه".
استطاع الرحالة ناختقال أن يطلع على بعض المستندات واستمع إلي العديد من الرويات التى تناولت تاريخ دارفور حيث يقول: "وقعت في يدى قائمة لحكام دارفور السابقين وجدت فيها أسماء ثلاثة عشرة سلطاناً من سلاطين أسرة "الكيرا" وهناك قائمة أخرى تحتوي خمسة أسماء فقط من سلاطين "الداجو" إضافة إلي أسماء خمسة وعشرين من سلاطين "التنجر" و "الكيرا" إلا أن هناك أخطاء جوهرية ومتناقضات في تلك المدونات المرفقة بالوثائق فيما يتعلق بالحقب الزمنية والتسلسل التاريخي الموضوعي، كما أن هناك قائمة أخرى بحوزة ابن السلطان محمد الفضل مخطوطة باليد لكنها مجرد شجرة نسب أعدت لإثبات أحقية الأسرة المالكة الحالية (آنذاك) في العرش علاوة على ذلك أرسل لي السطان ابراهيم بعض مستندات حكومية تتعلق بشئون الديوان والضرائب بالإضافة إلي ذلك تحدث عن مخطوطات أخرى في البلاط السلطاني كان من أشهرها مخطوط سلطاني يعرف بكتاب "دالي" وهو كتاب يحتوي على المبادئ الأساسية للإدارة والنظام القضائي فقط وفقاً للنظم التى ابتكرها المؤسس الأول لسلطنة "الكيرا" أي السلطان دليل أو دالي.
ويقول الرحالة ناختقال: "عاش سلاطين الداجو في جبل مرة منذ عهد بعيد إلا أن سلطتهم لم تكن مطلقة بل اقتصر نفوذهم على الفور وبعض القبائل الأخرى ولم يتجاوز نفوذهم (الداجو) جبل مرة إلا نادراً". ويواصل قوله :" يدعي الداجو أنهم قدموا من الشرق وتجدر الإشارة بأن أغلب حكامهم يحملون الأسماء العربية إلا أن التاريخ ينفي انتماءهم إلي العرب بل العكس من ذلك فهم قوم بدائيون ولم يتأثروا بالعادات العربية إلا مؤخراً ويرى إن انتقال السلطة منهم للتنجر كان بسبب جهلهم وتدني ثقافتهم مقارنة بثقافة التنجر .. ويدعي التنجر أن جذورهم تعود للجزيرة العربية وأن أصولهم الحديثة تعود لتونس (أبوزيد الهلالي) الشخصية المشهورة في الأدب الشعبي لدى العرب وتشير كل المراجع أن جد التنجر هو (حمد المعقور) واستطاعوا انتزاع الملك من الداجو بدون قتال ... كما أن عائلة (كيرا) الحكام الحاليون (آنذاك) ينتسبون إلي أحمد المعقور. ومن الثابت أنهم هم من أدخل اللغة والثقافة العربية لدارفور – واقتصر سلطانهم على القبائل الجبلية فقط مع إلزام البقية مثل الداجو بدفع الضرائب.
ووفقاً لما توفر من مخطوطات ومعلومات يورد الرحالة ناختقال المعلومات التالية:
1. حكم الداجو دارفور لعدة قرون من جبل مرة ثم انتقلت السطة منهم إلي التنجر دون قتال.
2. تصاهر التنجر والكيرا (فرع من قبيلة الفور) وبمرور الزمن تكونت أسرة (الكيرا) الحاكمة نتيجة لهذه المصاهرة ثم انتزعت حكم دارفور من التنجر بالقوة.
3. دخل الإسلام دارفور إبان حكم الكيرا وتحديداً في عصر اسلطان سليمان سولون (الأصل سليمان سولونقا وتعني بلغة الفور العربي) وذلك حوالي 1600م.
استعرض الرحالة ناختقال تسلسل تاريخ سلاطين دارفور بشكل دقيق موضحاً التداخلات وانتقال السلطة من مجموعة لأخرى والحروب التى دارت بينهم على مر الزمان. يعتبر ناختقال أول من تعرض لنسب وسير سلاطين دارفور بهذه التفاصيل الدقيقة معتمداً على مخطوطات ومدونات اطلع عليها إضافة إلي ما استمع من مرويات واحاديث من رجالات السلطان ومن المعمرين من عامة الشعب اثناء تواجده في الفاشر في ذلك الوقت. كما قدم وصفاً تفصيلياً لحياة السلاطين وحروبهم وانتقال السلطة من أسرة إلي أسرة ومن سلطان إلي سلطان.
1. الداجو: معروفون في هذه البلاد منذ ازمان ضاربة في القدم وعاشوا منذ قرون في اواسط دارفور على سلسلة جبل مرة ويطلق سكان دارفور غليهم "ناس فرعون" أي الشريرين وهم يتسمون بالعنف،وللداجو لغة تختلف تماماً عن لغة الفور ويبدو عليها أوجه شبه مع لهجات سكان النيل الأبيض.
2. التنجر: كان دخولهم لدارفور قبل قرون وهم ينسبون أنفسهم لبني هلال. تعيش بعض فروع هذه القبيلة في برنو ووداي ولكن ينعدم التضامن بينهم، وقد أسسوا سلطنة في وداي، وتعد هجرتهم من تونس أمراً لا يقبل الجدل، ويوجد مخطوط عن التنجر الذين حكموا دارفور بواسطة السلطان محمد الفضل موضحاً فيه إنتماءهم لقريش ومبيناً حكامهم حتى أحمد المعقور، ومما يؤكد انتساب التنجر للعرب هو حفاظهم على اللسان العربي رغم إنهم لم يخالطوا أي قبيلة عربية طوال هذه القرون سواء في برنو أو وداي أو دارفور... وكل حكامهم ما زالوا يحملون لقب سلطان وهو لقب عربي، أما في دارفور فقد تزاوجوا مع اهم فروع الفور وانتزع ابنهم السلطان دليل السلطة من أخيه سو أو شودور شيت الذى هو من أصل تنجراوي نقي ومن ذك الوقت فقد التنجر دورهم السياسي وحل محلهم سلاطين من اسرة (كيرا) الذين استخدموا الأسم من ناحية الأم فقط.
3. الفور: أما الفورفهم العنصر الرئيسي لسكان البلاد وموطنهم الرئيسي في جبل مرة والجزء الأكبر من (دار اما) او (دار دما) وحسب معرفتي منهم حوالي 40 فرعاً تقريباً، ويعتبر (الدقونقا) أنبل فروع القبيلة أما أقواهم فهم فرع (الكنجارة) ولغتهم هي السائدة وارتقى الكنجارة سياسياً بسبب الأسرة الحاكمة (الكيرا) التي ينتمي لها الملك من ناحية الأم. يتميز الفور بالبشرة الداكنة المائلة للسواد أو السواد المائل إلى السمرة وهم متوسطي الطول دون ملامحم مميزة مع حدة في الطبع وميل للانتقام وفيهم قابلية الشجار ولهم عاداتهم وأعرافهم التى يتبعونها بدقة.
4. الزغاوة: الزغاوة ليست فرعاً من التبو – كما افترض الرحالة بارث وغيره – بل هم وأهالي انيري والبويات وقبيلة وانية الصغيرة التى تقيم على طريق بنغازي – وداى يشكلون مجموعة عرقية واحدة وهم قوم رحل أو شبه رحل ويملكوناً قطعاناً كبيرة من الإبل.
الفروع الرئيسية للزغاوة في دارفور هم زغاوة كوبي ولهم سلطان مستقل، ثم زغاوة (دور) و(كيتقنا) و (كالبو) - ويقال أن أصولهم ترجع للبديات - وزغاوة (ألكا) ثم زغاوة (أم كملت) وهي قبيلة تولدت عن تمازج القبائل العربية.
5. النوايبة: هم آخر المجموعات القبلية الأصلية في دارفور ومن أوائل العرب المهاجرين إلى دارفور وأقرب المقربين للمحاميد والمهرية.
أما القبائل العربية بدارفور- سواء الرحل أو الذين آثروا حياة الإستقرار – وربما تنقسم القبيلة الواحدة لعدة فروع - ونبدأ بمجموعة الفزارة الذين يتباهون بالانتساب لحمد الأفراز وينتمي لهذه المجموعة (الزيادية) وفروعهم من الكرمس والكسرينا. ثم المعاليا وعشائر أولاد عابدون وأقاربهم المعاقلة ونضيف الزيادية والمعاليا ضمن الرحل من رعاة الإبل وللزيادية عدد معتبر من الخيول ويمكنهم حشد ألفي فارس عند النوائب - والمعاليا ايضاً قوم أقوياء برجالهم وثروتهم من الإبل ويمكنهم حشد ثلاثمائة أو أربعمائة فارس.
كما ينتمي لفزارة عربان الهبابين والجيلدات والمجانين وأولاد عقدي وبني عمران وبني جرار. وللزيادية عشرة شيوخ وللمعاليا سبعة شيوخ وأربعة لكل من الجليدات وبني عمران والتعاشة والهبانية وهما قبيلتان كبيرتان ترعيان الماشية في الجنوب والجنوب الغربي لدافور وتستوطن قبيلة الهبانية منطقة وسط دارفور وجنوباً حتى حفرة النحاس ولهم حوالي ستمائة فارس. أما ديار التعايشة فتمتد غرباً حتى تحازي قبائل الرحل بجنوب وداى ويمكنهم حشد ألف فارس.
أما العريقات فهي قبيلة كبيرة تقيم في أقصى شمال غرب البلاد وبعدهم عن العاصمة وثروتهم الكبيرة أكسبتهم شيئاً من الإستقلالية وتعرضوا لحملة قاسية في أيام السلطان محمد الفضل الذي نفذ حكم الإعدام في قادتهم إثر حملة ماكرة وصارت القبيلة دون قادة مما سهل إخضاعهم للسلطة الحاكمة وتفرق بعضهم بين الزيادية والمحاميد.
المسيرية والرزيقات: ينتمي المسيرية لمسير والرزيقات لرزيق، ومسير ورزيق اخوان وهما ابناء عطية ابن راكال. أما الثعالبة فهم بطن من بطون المسيرية في جبل مرة وهم رعاة ماشية ويقال ان لهم خمسمائة فارس. أما البديرية التى تنتمي لدهمش ابن بدر ويقطنون مديرية أبو دالي ويملكون القليل من الإبل ويربون الماشية ويعيشون حياة الإستقرار.
الفزارة (الجزم) والبديرية: يطلق عليهم (جهينة) أيضاً نسبة لجدهم عبدالله الجعانس ابن محمد الخوري وهم أقرب الأقربين للكبابيش من رعاة الإبل الذين يسكنون البادية الممتدة من كردفان حتى دنقلا.
الحمر: الاسم متشق من الأحمر وهي قبيلة متعددة الفروع تقطن الحدود الغربية لكردفان ويعيش بعضهم في شرق دارفور ويملكون الكثير من الإبل ويمكن أن يحشدوا ألف فارس.
المهرية والمحاميد والنوابية: رزيق جد الرزيقات له ثلاثة أبناء هم مهر ومحمود ونايب وهم أجداد المهرية والمحاميد والنوايبة وجميعهم رعاة إبل وتعيش كل مجموعة بشكل مستقل عن الأخريات في دارفور ووداي.
أما في جنوب دارفور فكلهم تحت مسمي واحد ويطلق عليهم (الرزيقات) ويستطيع المحاميد حشد ثلاثمائة فارس والمهرية ما يقارب ألف وخمسمائة فارس أما الرزيقات فهم أكثر القبائل العربية عدداً في دارفور ويقدر عدد فرسانهم بعشرة الآف فارس وقد يكون هذا الرقم مبالغ فيه ولكن فشل سلاطين الفور المتكرر في اخضاعهم يدل أن لهم قوة لا يستهان بها.
أما كنانة والخزام فهم من البطون العربية الصغيرة وقد ارتبطوا ببعضهم ارتباطاً وثيقاً وتعود جذورهم إلي الجزيرة العربية ويعيشون في مجموعات صغيرة في الإقليم الشرقي حيث تركوا حياة الترحال.
أما الكروبات فيزعمون أن أصولهم من سبأ في اليمن وإنهم من سلالة قحطان وتمتد ديارهم بين اقليمي التاما والزغاوة وعلى تخوم جبل (نوكات).
الحوطية: ينتشرون في المنطقة الغربية وهم ليسوا عرباً خلصاً ويشكلون مجموعة صغيرة.
قبائل بني حسين:ويقيمون في دار ميد (جبل عطية) وفي امكانهم حشد ستمائة إلي سبعمائة فارس ويدعون بأن أصولهم تعود إلي اليمن.
أما الترجم وبني هلبة: فلا زال الغمموض يحيط باصولهم الأولى، والترجم على علاقة بعيدة بالرزيقات وهم رعاة ماشية ويعيش أغلبهم حياة استقرار وهم على درجة من الثراء ويقال انهم يمكن أن يحشدوا ألف وخمسمائة فارس.
أما بني هلبة فعددهم كبير جداً ويعيشون في غرب البلاد ويقدر عدد فرسانهم بثلاثمائة ألف فارس ويربون الماشية وهم قوم ذوي قوة وثروة كبيرة خصوصاً قبل المأساة التى حلت بهم أثناء حكم السلطان محمد الفضل والتى وصفت بمذبحة بني هلبة.
أما الجلابة فمنهم مجموعة مؤثرة واستقر بعضهم في دارفور منذ عدة قرون ومواطنهم الأصلية تنتشر في شتي بقاع النيل من سنار وحتي النوبة العليا ويعيشون متضامنين وهم أقرب للعرب وأهم مراكزهم في دارفور: كوبي وما جاورها من القرى والتى لهم فيها حوالي المائتين مسكن ثم كبكابية حيث يماثل عددهم قاطني كوبي ثم في كورس ودلاجو إلى الجنوب الغربي ولهم فيها حوالي أربع قرى وهي (نمرو) و(تيتل) و(كفوت) و (مليط) وإذا أضفنا لهم جلابة الفاشر الذين لهم حوالي خمسمائة مسكن يكون جملة ما يملكونه حوإلي الألف وخمسمائة إلى ألفى مسكن وإذا أضيف لهم سكان المنطقة الوسطي في منواشي وشعيرية والطويشة وحفرة النحاس الذين يتراوح عدد مساكنهم ما بين الخمسمائة و الألف ثم سكان أم شنقة.
وبذلك يمكن القول بأن مساكن الجلابة في دار فور ليست أقل من خمسمائة ألف مسكن، ويشكل الجلابة وحدة متجانسة وقدم أغلبهم من منطقة دنقلا وديار المحس الذين ترجع أصولهم لمناطق البرابرة في النيل، كما توجد بينهم مجموعات من ذوى الأصول العربية مثل الجعليين، وكذلك يوجد بينهم مجموعات من ذوي الأصول المصرية (أولاد الريف) ويعتمدون على التجارة، حيث يسافرون شرقاً وغرباً (من القاهرة حتي بلاد التنجر ووداي) ويأخذون معهم المنتجات الأفريقية (ريش النعام والجمال...) ويجلبون معهم الملابس القطنية والعطور والأسلحة وغيرها.
ومن قبائل دارفور التى لا تتساوي مع بقية القبائل في الحقوق المسبعات والمهاجرين من برنو ووداي وباقرمة، والمسبعات بطن من بطون الفور أجبروا منذ ثلاثمائة سنة تقريباً للهجرة من منطقتهم الجبلية والتوجه شرقاً. وقد أطلق عليهم اسم (مسباوي) الذي تحرف إلي مسبعاوي وجمعهم مسبعات. ورغم إنتماءهم للفور فقد هجروا لغتهم بتعاقب القرون حيث استبدلوها باللغة العربية اثر هجرتهم واستيطانهم بكردفان، والبنو هاجروا لدارفور في عهد السلطان أحمد بكر منذ قرن أو قرنين ويحتلون العديد من مناطق الوسط والجنوب، ثم أهالي وداي الذين استوطنوا الجنوب في مديرية "أبو أمه" فضلاً عن المراريت والكيقا والأورو في دارفيا، كما استوطن الاسنقور على حدود دارفيا مشاركة مع أقليات من اللانتو والكاكاري والسربون وأولاد دولا والجرجا والمرجا وأقاربهم من الشيل.
ويستوطن التاما دار ميد ولهم وجود في جبل مول ويرتبطون بعلاقات عائلية وثيقة. والقمر يستوطنون مقاطعة تمتد من بلاد تاما حتى ديار الزغاوة وكانوا من أقوى القبائل ويتحدثون لغة واحدة تشبه لغة التاما والاسنقور ويصعب تمييزهم عنهم. والقمر قوم سود البشرة لا يحملون سمات مميزة.
وتقطن في أقصى الجنوب الغربي من دارفور قبائل من دافعي الضرائب وهي قبائل: المونشي والكارا والننبقا والشالا وهم سكان الإقليم الجبلي فضلاً عن فروع من القلا الذين يحتلون المنطقة بين دارفور وبونقو بيد أنهم يدفعون الضرائب لسلطان وداي.
أما القبائل التى تعيش جنوب حفرة النحاس فتدفع ضرائبها لسلطان دارفور حتي عهد قريب وهي الكتواكا والدلكوانا (أعلى الروافد الغربية للنيل) والوابيا إلى الغرب والبايا إلى الجنوب الغربي من حفرة النحاس على جبل أبو راسين وهم مجموعة من القبائل الوثنية ويطلق عليهم جميعاً الفرتيت ولا يتميزون عن بعضهم البعض سواء في الملامح أو الحياة الاجتماعية.
ومن القبائل الكبيرة في دارفور البرقد والبرتي والميما والمساليت وأكبر تجمعات البرقد في مديرية أب امه إلا ان مقر سلطانهم في الدبة (دار مالي) ويطلقون عليه اسم المك، أما الميما فأقل عدداً ويعيشون في المديرية الشرقية تحت إمرة سلطان مستقل يتبع لإدارة المديرية الجنوبية والمساليت في الغرب والحدود الجنوبية الغربية حيث يشكلون عددا معتبراً من السكان وليس لهم سلطان ويعيشون في عشائر صغيرة يحكمها شيخ ويدعي المساليت بأنهم من أصل عرب ويعتنقون الإسلام.
أما البرتي فيعيشون شمال شرق دارفور وهي قبيلة صغيرة ومنعزلة. كذلك هنالك الميدوب في الحدود الشمالية الشرقية على طريق كوبي ثم عبر الصحراء إلي اسيوط. تعيش على الحدود الجنوبية بجانب التعايشة والهبانية والرزيقات الرحل قبائل الفورقي والفنقرو والحضرة، ورغم أن الفورقي قبيلة مسلمة ومع ذلك تعامل معاملة الوثنيين، أما الفنقرو فأغلبهم لم يعتنق الإسلام بعد.
بجانب ذلك قدم الرحالة ناختقال ملاحظات مع احصائيات وتقديرات للسكان والاقتصاد والعادات والتقاليد السائدة. رغم أن أيامه الأخيرة في دارفور قد شابها الكثير من القلق نظراً لزحف قوات الزبير باشا على دارفور اثر نشوب الحرب بين قوات الزبير باشا وقوات الرزيقات الذين تحالفوا مع سلطان دارفور من أجل التصدي للزبير باشا ومنعه من دخول دارفور واستطاع الرحالة أن يغادر الفاشر متجهاً إلي الأبيض في 2 يوليو 1874م بعد إقامة امتدت لأربعة أشهر استطاع فيها جمع الكثير من المعلومات والأخبار والإطلاع على العديد من الوثائق والمخطوطات.

نماذج من كتابات الرحالة العرب والبعثات المصرية
تقارير عن استكشافات البعثات المصرية في سواكن وشرق السودان
كان لمصر نشاط استكشافي في جهات الساحل الأفريقي المطل على البحر الأحمر وخليج عدن ويهمنا في هذا المقام أن نستعرض استكشافات وتقارير البعثات المصرية فيما يتعلق بشرق السودان و سواكن ومناطق التاكا وكسلا وطوكر. وقد كانت تلك الاستكشافات قد بدأت بميناء سواكن باعتبارها أولى البلدان الأفريقية التى تسلمتها مصر مباشرة بعد صدور الفرمان العثماني في مايو 1865م وقد ارتبط النشاط الإستكشافي المصري في سواكن بجهود الضابط المصري أحمد ممتاز باشا وقت أن كان محافظاً لها وكذلك في الوقت الذى كان يتولي فيه منصب مدير عموم شرق السودان ومحافظ سواحل البحر الأحمر. ففي أثناء توليه منصبه الأول كان قد أرسل للخديوي تقريراً للحالة التى كانت عليها سواكن وقد أوضح فيه أن محافظة سواكن كانت تضم إلي جانب بندر سواكن بلدان سنكات وطوكر وعقيق فضلاً عن قرى أخرى صغيرة كانت تابعة للمحافظة منها قرى هيدوب وترنكيتات والشيخ برغوت، كما أوضح بأنه كان يوجد على بعد مسافة ليست بالقصيرة من سواكن خورين للمياه العذبة أحدهما التمانيب والآخر شوكية بيد أن بعد المسافة بينهما وبين سواكن قد حال دون أن يستفيد الأهالي من مياههما وأصبحوا يعتمدون على مياه الآبار المنتشرة بكثرة والتى كان تشوب مياهها المرارة ومع ذلك فالأهالي يعتمدون عليها في شرابهم ومتطلباتهم الحياتية الأخرى مما أدى إلى إصابة الكثيرين منهم بالعديد من الأمراض، كما أنهم والجنود كانوا يصابون بمرض "الأسقربوط" لأنهم لا يتناولون الخضروات في طعامهم لعدم امكانية زراعتها بسبب ملوحة المياه. وذكر ممتاز باشا في تقريره أنه توجد في سواكن مساحات شاسعة من الأراضى ذات التربة الخصبة الصالحة للزراعة بجوار خيرانها لم تستغل بعد في زراعة المحاصيل المختلفة لعدم توافر الماء اللازم لها. وتمكن ممتاز باشا من التغلب على تلك المشكلة ببناء خزان لتجميع المياه في خور التانيب الذى يصب في البحر الأحمر، وكانت سعة الخزان تقدر بنحو مائتين وخمسين ألف متر مكعب من المياه العذبة، كما إنه اهتم كذلك بحفر ترعة كبيرة بلغ طولها حوالى ستة ألف متر تصل ما بين الخزان وخور شوكية وتمر بالقرب من سواكن.
كما أفاد في تقرير آخر بصلاحية الأراضى الشاسعة الموجودة بمناطق "عقيق" وطوكر وسنكات لزراعة القطن والذرة وجميع أنواع الخضروات. وأعد تقريراً وافياً في 26 مارس 1871م وقت أن كان مديراً لعموم شرق السودان ومحافظاً لسواحل البحر الأحمر تضمن نتائج رحلته الإستكشافية للبلدان الأفريقية الممتدة بطول ساحل البحر الأحمر وخليج عدن والواقعة تحت إشرافه. ونقتبس من هذا التقرير ما يتصل بميناء سواكن، حيث أوضح أن بلدة سواكن تقع على خط عرض 19 شمال خط الإستواء وهي تعد ميناء هام على البحر الأحمر يتميز بالاتساع رغم ضحالة عمقه وأوضح أن عدد القاطنين به وفي المناطق المجاورة له يقدر بحوالي مائة ألف نسمة وإن كانت منهم جموع كبيرة من الأورام والهنود واليهود والفرنسيين الذين كانوا يفدون إلي هذه المناطق إما للاشتغال بتجارة العاج وريش النعام وتجارة المحاصيل والحبوب أو القيام بأعمال صيد اللؤلو الموجود بكثرة في سواحل المنطقة، ويقول أن أهالي سواكن يتكلمون البجاوية وهي لغة قبائل البجا بشرق السودان وذلك في معاملاتهم اليومية واللغة التركية في المعاملات الرسمية. ومنازل الأهالي مبنية من الأحجار المستخرجة من شعاب البحر الأحمر واستعمال الطمي الراسب من المد والجزر وكانت بعض المنازل تتكون من طابقين إلى ثلاثة طوابق وتلحق بها مشربيات خشبية ولم يراع عند تخطيطها التنظيم الهندسي فكانت أغلب حاراتها وشوارعها غير مستقيمة وكثيرة التعاريج ولكن كانت هناك مباني مثل مبني المحافظة والجمارك ومسجدان وبعض المقاهي وعدد كبير من المحلات التجارية التى يقوم أهل سواكن بالاتجار فيها، فضلاً عن الأسواق الكبيرة التى تسمي الوكالات والأسواق الأخرى المسماة بالقيسارية والتى كانت تتفرع منها جملة سويقات تضم عدداً من المحلات والمتاجر الصغيرة الخاصة بتجارة الأقمشة والعطور وغيرها من أنواع السلع المختلفة. وقد حظيت الزراعة باهتمام الكثيرين من أهالي سواكن والمناطق المجاورة خاصة بعد التسهيلات الكثيرة التى وفرتها لهم الإدارة المصرية كجلب البذور والآلات الزراعية التى أدت في نهاية الأمر إلي شهرة هذه المناطق بالمزروعات المتنوعة وعلى وجه الخصوص زراعة القطن في دلتا طوكر.
كما أشار ممتاز باشا إلي الشهرة التى اكتسبتها سواكن في تجارة الملح حيث قال توجد هناك ملاحتان بشمال سواكن، تسمي أحداهما درج وتبعد عنها بمسافة 60 ميلاً تقريباً والأخرى داوية وتبعد عن سواكن بمسافة 112 ميلاً وكان يستخرج منهما ملحاً كثيراً وبكميات كبيرة، وكان يصدر معظمه إلي جدة والهند. واقترح ممتاز باشا في نهاية تقريره على الخديوى ضرورة مد خط سكة حديد يربط الملاحتين بساحل البحر الأحمر وقد قدرت المسافة بينهما بحوالي 1500 متر نظرا للنفقات الكثيرة التى كانت تنفق على عمليات نقل الملح بواسطة الدواب إلي مراكب التصدير، ووافق الخديوي عل المقترح وبادر باتخاذ الإجراءات اللازمة التى تكفل إقامة الخط الحديدى المطلوب وأرسل بمضمون ذلك إلي ممتاز باشا، ويبدو أن الخط المقترح لم يتم إنجازه وذلك للصعوبات المالية والتدخلات الأجنبية التى طالت شئون مصر الخديوية.
نماذج من كتابات المستكشفين والرحالة والمؤرخين القدامى عن نهر النيل
كتابات ابن خلدون (808هـ/ 1406م عن النيل
قال ابن خلدون أن نهر النيل يمر ذاهباً من مبدئه عند خط الإستواء إلى البحر الرومي في الشمال ومخرج هذا النيل من جبل القمر فيخرج من هذا الجبل عشر عيون تجتمع كل خمسة فيها في بحيرة وبينهما ستة أميال ويخرج من كل بحيرة واحدة ثلاثة أنهار تجتمع كلها في بطيخة واحدة في أسفلها جبل معترض يشق البحيرة من ناحية الشمال وينقسم ماؤه الى قسمين متميزين الغربي منه إلى بلاد السودان مغرباً حتى يصب في البحر المحيط ويخرج الشرقي منه ذاهباً إلى الشمال على بلاد الحبشة والنوبة وفيما بينهما، وينقسم في أعلى مصر فيصب في ثلاثة في جداوله في البحر الرومي بالإسكندرية ورشيد ودمياط ويصب في بحيرة مالحة قبل أن يصل بالبحر في وسط الإقليم الأول. وعلى هذا النيل بلاد النوبة والحبشة وبعض الواحات الي أسوان وحاضرة بلاد النوبة والحبشة دنقلا وبعدها علوة وبولاق وبعدها جبل الجنادل على ستة مراحل من بولاق في الشمال وهو جبل عالي من جهة مصر ومنخفض من جهة النوبة ويصب في مهوي بعيد، ولا يمكن أن تسلكه المراكب وفي وسط هذا الإقليم في الجزء الخامس منه بلاد الحبشة على واد يأتي من وراء خط الإستواء ذاهباً إلى أرض النوبة ويصب هناك في النيل الهابط إلى مصر وقد وهم فيه كثير من الناس وزعموا أنه من نيل القمر وبطلميوس ذكره قي كتاب الجغرافيا أنه ليس من هذا النيل.

نماذج من كتابات الرحالة والكتاب المعاصرون
كتابات الأستاذ محمد حسين مخلوف
ألف الأستاذ محمد حسين مخلوف كتاباً عن السودان بعنوان: "اسبوعان مع على ماهر عن السودان"، وقد رافق الأستاذ مخلوف السياسي ورئيس الوزراء المصري على ماهر باشا في زيارته للسودان في آواخر عام 1939م وقد جاءت الزيارة اثر دعوة من السير جورج استيوارت سايمز، حاكم عام السودان للباشا على ماهر باشا لزيارة السودن.
جاء الأستاذ مخلوف الى السودان بالطائرة التى أقلت الوفد المصري إلى مطار وادى حلفا ومنها إلى عطبرة ثم الخرطوم. وقد اقتصرت زيارة الوفد على المصالح الحكومية والمؤسات التعليمية والأندية الخاصة بالجاليات وحضور الإحتفالات والإستقبالات التى أعدها الحكام للوفد المصري. أورد الأستاذ مخلوف بعض الملاحظات ومنها استغرابه عندما كان يستمع إلى السودانيين وهم يعرفون كل شئ عن مصر وهو يجهل تماماً كل شئ عن السودان والأمر بالتالي ينطبق على كل المصريين دون استثناء و: إنه يلوم أبناء جلدته على هذا الجهل والتجاهل لإشقاءهم بجنوب الوادي ويركز بوجه خاص على عدم احساس المصري بالغربة في السودان لأنه في نظره يشبه ريف مصر والمدن الحديثة في السودان شبيهة بمدن القطر المصري والزي شبيه بنفس الزي في ريف مصر والمتمثل في الجبة والقفطان والعمامة والزي الأفرنجي. ولكنه يورد ملاحظة مهمة حيث يقول:"إن الفلاح السوداني يفوق الفلاح المصري نظافة وأناقة في مظهره وفي داره".
نماذج من كتابات الإداريين البريطانيين
كتابات السير هارولد ماكمايكل (1882- 1969م)
يعتبر السير هارولد ماكمايكل نموذج من الإداريين البريطانيين الذين عملوا في السلك الإداري بحكومة السودان وقد التحق بخدمة حكومة السودان في عام 1950م، وكانت أولى محطاته مديرية كردفان الكبرى ومن ثم انتقل إلى مديرية النيل الأزرق ثم إلى مديرية الخرطوم. رافق السير هارولد ماكمايل الحملة العسكرية التى غزت دارفور عام 1916م بصفته ضابط استخبارات وواصل عمله بالمديريات والرئاسة وانتقل الى مكتب السكرتير الإداري ثم سكرتير إداري لحكومة السودان وهو المنصب الذى يماثل منصب رئيس الوزراء، حيث يخضع له كل مديري المديريات وظل في هذا المكتب خلال الفترة من 1926م وحتى 1933م. وقد أتاح له عمله المبكر في مديرية كردفان - وإلمامه ومعرفته باللغة العربية قارئاً ومتحدثاً وكاتباً واتصاله بزعماء القبائل والعشائر إلى جانب اهتمامه الشخصي وتأهيله العلمي ومعرفته بالتاريخ واطلاعه على المئات من الوثائق التى تحتفظ بها معظم قبائل السودان لاثبات إنتماءها القبلي والعشائري وأصولها ويحرص رؤساءها وزعماءها على المحافظة عليها – الكتابة عن تاريخ ونسب معظم القبائل السودانية. كتب السير ماكمايكل العديد من المقالات نشرت في الدورية المعروفة بـ "رسائل ومدونات" . ألف السير ماكمايكل العديد من الكتب أهمها قبائل شمال ووسط كردفان (The Tribes of Northern and Central Kordfan) والذى قام بتعريبه الأستاذ سيف الدين عبد المجيد، وكتاب تاريخ العرب في السودان (History of the Arabs in the Sudan) من جزئين وقام بترجمته الأستاذ سيد على ديدان المحامي المشهور.
قدم المؤلف البروفيسور قاسم عثمان نور جانباً من كتابات السير ماكمايكل عن تلك القبائل ونبذة مختصرة عن 99 قبيلة، لمزيد من التفاصيل يرجي مراجعة الكتاب.
كتاب الاستاذ ضرار صالح ضرار
هجرة القبائل العربية إلى وادي النيل: مصر والسودان
استعرض المؤلف البروفيسور قاسم عثمان نور كتاب المؤرخ الأستاذ ضرار صالح ضرار الصادر بالعنوان أعلاه والذى يعتبر بحق موسوعة شاملة وحاوية لتاريخ واصول القبائل العربية التى هاجرت من الجزيرة العربية وأرض اليمن إلى السودان مباشرة أو عن طريق مصر. وقد أشار البروفيسور قاسم بأن الأستاذ ضرار صالح ضرار اعتمد في تتبعه لتلك الهجرات على المراجع العربية التراثية من كتب السلف الذين تناولوا تلك القبائل والتوثيق لها في هجراتها وكذلك الرحالة الذين زاروا السودان وكتبوا عن تلك القبائل ودونوا مشاهداتهم وملاحظاتهم ومقابلاتهم لزعماء وشيوخ تلك القبائل أثناء رحلاتهم في ربوع السودان وقد أشار بشكل خاص إلى كتابات ومؤلفات الإداريين البريطانيين الذين عملوا في السودان من أمثال السير هارولد ماكمايكل صاحب كتاب "تاريخ العرب في السودان".
وأشار البروفيسور قاسم عثمان نور إلى أن مؤلف هذا الكتاب الأستاذ ضرار صالح ضرار ابن مؤرخ الشرق محمد صالح ضرار الذى أرخ لقبائل الشرق ولمدن ومناطق البحر الأحمر والذى ترك ثروة هائلة من المعلومات الثرة عن تاريخ القبائل والمدن بعضها مطبوع والبعض الآخر مخطوط.
ويضيف البروفيسور قاسم عثمان نور بأن المؤلف ضرار صالح ضرار أفرد في مقدمة كتابه تفصيلاً لهجرات العرب للسودان وتقسيماتهم القبلية وخصص فصله السادس عن توافد بعض القبائل من شبه الجزيرة العربية الى السودان عن طريق مصر بجانب فصول عن العلاقة بين القبائل العربية وممالك البجا ومملكة النوبة والعلاقة بين القبائل العربية والمماليك بصعيد مصر والجزء الأخير خصص للقبائل العربية بكافة تقسيماتها. كما تطرق الكتاب لقبائل شرق السودان وقدم نبذة مختصرة عن كل قبيلة.
طبع الكتاب في شركة مطابع سك العملة عام 2012م وقام بنشره مركز قاسم لخدمات المكتبات. في رأيى إن الكتاب إضافة حقيقية للمكتبة السودانية ومرجع أكاديمي وعلمي مهم لكل المثقفين وعلماء وطلاب علوم التاريخ والأنثروبولجي وعلوم السلالات والاجتماع والسياسة ولا غني عنه لأي سوداني مشتغل بالسياسة.

• البروفيسير قاسم عثمان نور من مواليد الكوة عام 1938م وعمل اميناً لمكتبة جامعة الخرطوم من عام 1962 م وحتي عام 1981م كما عمل بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومحاضر بمعهد الخرطوم الدولي للغة العربية وعميد المكتبات بجامعة جوبا وقام بتأسيس مركز قاسم لخدمات المكتبات والمعلومات الذى يضم مكتبة تحتوي آلاف الكتب الأكاديمية والعلمية والثقافية.

 

آراء