السودان وحرب البقاء أو الفناء (جزء 1)

 


 

 

حرب البقاء أو الفناء هي لحظة مفصلية من معلم الحرب الروسية الأوروبية الحالية، ليس لأنها حرب، أو أنها صراع سياسي، أو من أجل الديمقراطية، ليبرالية كانت أو اشتراكية، إسلاموية، عروبية، أو شيوعية. فروسيا تقوم بحربٍ شرسة أعدّت لها كل ما يقفل الطريق أمام المسئولية الدولية، حتى لا تُفترس كغيرها ممن خرق النظام الدولي، ولأن ذلك لم يكن محسوباً، فلم تدقق الدول الغربية في احتمال تلاقي إحداثيات الإستراتيجيات المختلفة لدى روسيا لمثل هذه السيناريوهات. فقد تبنّت روسيا محاربة النازية الجديدة بعد أن تجاوز العالم أسباب حقدها دون غيرها من النازية.
فتعذّرت بها لغزو أوكرانيا برئيسها اليهودي. وهي تعلم أن بأوكرانيا ثلث مخزون الرؤوس النووية الروسية، وفيها السلاح النووي بعيد المدى الذي تملك روسيا تشغيله، والموجه لضرب أمريكا، إلا أنه يمكن به ضرب شرق روسيا رغم أن تشغيله لا تستطيعه أوكرانيا، وقد يكون بمساعدة أمريكا أو غيرها، لذلك قامت بقصف جواره تهديداً بقصفه لتسبيب تشرنوبل أخرى. وهي تعلن استعمال النووي في حالة نووي من الحلفاء أو تصعيدٍ غير نووي . كما وتجاوزت العقوبات الاقتصادية بتخزين الحبوب و الذهب ومضاعفة المحروقات. وهي قد سبقت وانتشرت في إفريقيا أرض الخامات العذراء والحكام الفاسدين الضعفاء، وحيث الرق الإسلامي يوفّر لهم جنود القتال هناك، تجري أعمالها عن طريق شركة فاقنر التي حصّنتها بكل الأرضيات القانونية لعدم الوقوع في مطبات الجرائم الدولية ولحماية عملائها من رؤساء إفريقيا بجرائم الحرب والفساد.
نعم، الحرب العالمية المحلّقة اليوم رجعت بنا لقانون الغاب وأبعد من عهود الظلم والظلام، إيذاناً بإطلاق وباء الشعوبية في العالم أجمع، حيث النازية تكون بالقياس لها كعراك العيال في الشارع.
هي حرب البقاء أو الفناء
كان النظام العالمي الحديث قد انبنى على بُعدين أساسيين: الحرية والحقوق. فلسفاتٍ تشمل الحرية وتشمل الانسان (حقوق الفرد في الجماعة) وحقوق الهويات (الجماعات المستقلة)، وحق التعايش السلمي بين أفراد الهوية الواحدة مهما تباينت رغباتهم، وبين الهويات المختلفة، مع جهاز الاحتكام.
فتولدت به فلسفات العهد التنويري من نظرية "إيمانويل كانْت": عدم تزاوج الواجب مع الضمير – الثعابين والحمائم – (أوفصل الدين عن الدولة) لتأسيس حرية الفرد لمجتمع ا الديمقراطية اللبرالية.
وهناك فلسفة نيكولو ما كيافيلي "كتابه: الأمير"، وهي نظرية الغاية تبرر الوسيلة
ولكن لا يعني الاهتمام بالواجب يسقط الاهتمام بالضمير، الذي يشير لبُعدٍ ثالثٍ هو مبدأ الأمانة بأن الأرض ومكاسبها أمانة في يد البشر لا يجوز حرمانها أو إفسادها.
هذا هو البعد الذي تبدو ملامحه بائنة في هذه الحرب بأبعادها.
سببه مشغولية الكتلة الغربية وأمريكا في قيادة العالم تحت تحصينات النظام العالمي الجديد من رواسب الحرب الباردة من ستار حديدي وانفراج وأحلاف، من دون الانتباه لضرورة الأمانة، حتى بعد تدهور البيئة والحبس الحراري، لم تتمسك الدول الغربية تمسكاً قويّاً بها كونها من أولى موجبات الضمير. بينما كان الحزب الشيوعي الروسي بزعامة بوتين، وفي حصافةٍ فاتت على النظام العالمي الجديد وعلى العرب والمسلمين، يهتم ب (الضمير) ما دام بعيداً عن السياسة (الواجب) حسب نظرية " إيمانويل كانًت"، والذي تتفق معه الأديان، و لا تتعارض معه نظرية ماكيافيلي "الغاية تبرر الوسيلة" وانتبه لها يلتسين الرئيس الروسي بعد الحرب الباردة فرشّح بوتين.
هكذا تركت روسيا السبق السياسي لأمريكا "استسلاميا؟؟" وشبّت الصين شعبياً بالدكتاتورية الشعبية في المساواة، بعيدة عن قيود الدين والامتيازات، مع ترشيد سياساتها الخارجية بكل الوسائل حسب الغاية الاقتصادية (الماكيافيلية).
أمريكا والمعسكر الغربي لم يفطنوا لذلك العنصر الأساسي والذي سقط عنهم بسبب تشتت تركيزهم في الانقسامات الدينية المسيحية، واليهودية، الديانتان اللتان لم تفرضا أمر الأمانة إلا في الإحسان والأعمال الخيرية، والإسلام أهمل ذلك تماماً مثلهما، إلا الإسلام الصحيح، والذي لا يتبعه إلا القِلّة، يحذّر من عدم التفريط في الأمانة أو التساهل فيها. فكان أن سمم المتطرفون المسلمون والصهاينة والجيسوفاشية أديانهم بالإرهاب.
فسمم ذلك مجتمعات النظام العالمي الجديد التي لم تُنشئ مواثيق قانونية في ذلك.
وبذا انتشرت الشعوبية وخلقت الفرقة بين الشعوب بعد أن يئس الناس من أهل القبور: يئسوا من وباء تبديد الثروات إما في محاربة نزوح البشر إلى أراضي الحقوق والحريات، بعد أن نهبت الرأسمالية الحرة ثرواتهم فنزلوا عبئاً ثقيلاً على فقرائها من المواطنين، أو في حروب الوكالة من أجل استنزاف مزيدٍ من الثروات لمزيدٍ من النزوح لأراضي النظام العالمي الجديد فوقعت عبئاً ثقيلاً على الشعوب الجديدة ممن إفريقيا وآسيا.
في هذه الحرب الجديدة سيُسخَّر المغفلون من تجار الرقيق الإسلامي (المماليك) المرتزقة الذين حلوا محل الرق الأطلسي الموقوف عالمياً، أمثال الدعم السريع وقوات حفتر، لعملية توطين وتشريد قوميات مختلفة من وإلى دول مختلفة لخلق أممٍ صغيرة للبيع (الإقطاعي) خاصةً في إفريقيا وآسيا (مثل عملية توطين اليهود في فلسطين، أو خلق واحتلال بحر الصين الجنوبي، أو احتلال حلايب وشلاتين ومحاولة احتلال الفشقة وما يجري في دارفور، وما يجري في ماينمار(مع أسلوب السودان المكرر من تجديد دعم الحكم العسكري كما حدث من مخادعة في ماينمار بنفس الأسلوب من اختطاف شخصية مقبولة للنظام العالمي لواجهة نظامهم، وكذلك تشريد الرهنجة) في كمبوديا. كلها تصب في امتهان مبادئ النظام العالمي الجديد وفشله الذي يرفض مخاطبته.
هذه هي نقاط برنامج عمل بوتين التي لن تُشكّل عليه مخالفة لمبادئ الحزب الذي نصبه لينفذ برنامجه، ولن يحظى باختلافٍ مع الكم الهائل من الدينيين في العالم والذين أخرجوا من النظام العالمي الجديد لعدم اعتدال دعوات أديانهم من ناحية الفضيلة ضد القداسة. فقد انخرطوا، مسلمين، مسيحيين أو صهاينة أو يهود في القداسة والتقديس بدلاً من الفضيلة والأمانة. ولكن يمكنهم حينها التفرغ لتصحيح ذلك دون الاصطدام بالنظام العالمي الأجد.
سوف اكتب بتفصيلٍ أكثر حول هذه النقاط المفصلية عن الأمانة والمحاور العالمية، ولكنني الآن أحب أن أسلّط الضوء على وضعنا نحن في السودان، في تفاعلنا مع ما حدث وما يحدث في العالم في تأريخه الحديث وما نستعد له نفسياً وعقلياً وجدياً في حمل الأمانة كما ينبغي، وكيف نقرر إن كنا نريد البقاء أو نروح فناءاً تحت الأقدام، وكم من الثمن نستعد لدفعه من أجل البقاء.
نحن في السودان، صحونا من حلمٍ النظام العالمي الجديد للشعوب من صدى صوت المذياع في الطفولة و(حكاوي "الحبوبات" في كبرنا... في حصص التأريخ)
نجدنا اليوم فجأةً أمام نفس ما كان يتردد صداه من زمن الطفولة في كابوسٍ صار حقيقةً نعيشها بعد أن كنا نغني كفاحها نعانق شعوب العالم شرقاً وغرباً، مؤاساةً وعزاءاً في تجاوبٍ داوٍ عبر جمعيات الصداقة ومعسكرات الشباب والأناشيد "لا لن أحيد، ولن ننسى أياماً مضت، وصه يا كنار، وآسيا وإفريقيا: للظلال الزُرق في غابات كينيا والملايو)
ولا زلنا في أرض البركة لكل البشر. أرض العسل واللبن
نجهل أننا في معركة البقاء على أرضنا تلك.
وكمثال، بالأمس قدم رئيس اللجنة الاقتصادية ونائب رئيس مجلس سيادة السودان، الفريق أول دقلو القرابين والولاء لروسيا والنظام العالمي البديل باسم السودانيين الذين لم يحسموا هويتهم بعد، دعك عن تمثيلها، ليتخذوا للسودان موقفاً أزلياً في معركة البقاء والفناء، معركة المبادئ والواجب، قام رسول الجهل والدكتاتورية بتقديم خطابه في حكم السودان:
ينادي: السودان أولاً: من غير الحكام، يوجه نداءه؟ وأين التقصير لعدم كونه الأول؟
تهريب الذهب بطائرات صغيرة عبر مطارات عسكرية (حسب التلغراف اللندنية)،ما ردُّه فيه؟ ومن سُمح له من المعارضة ليراقب ذلك ؟
مشاكل الميناء، استجدت تحت إدارة الانقلاب، فمن يُحاسب لمُعالجتها؟
لماذا استقالته السابقة من رئاسة اللجنة؟ هل لاختلافه مع الخبراء أم ليس في اللجنة خبراء؟
قراره فتح شريان الشمال لتأمين الصادر لمصر، ووعيده لمن يكرر فوضى درق الشمال: هل درق الشمال فوضى أو تمرد، أمني أو جنائي، أم معارضة سياسية
هل صادر مصر يصدر بقرار اقتصادي أم قرار سياسي؟ فإذا هو قرار سياسي لماذا تقرره اللجنة الاقتصادية؟
وما الجديد في مضاربات العملة؟ وما ستقدمه لوقفها وليس للدولة دخل يغطي قوة إتجار (ميركانتلزم) و80% من دخل الدولة مخصص للقوات المسلحة؟
الكهرباء والقمح والمحروقات ماذا كان مستعصياً وستعالجه الآن؟
وما دخل حاجيات رمضان بالأزمة الاقتصادية سوى التخدير المتكرر من مثل الأحزاب والعسكر؟
ولماذا السكوت على أهم مخاطر المصير، من أطماع دول الجوار وداء الشعوبية الذي لم يطل السودان بعد، ولكنه مسمم بفيروساته، وما هي التأكيدات للشفافية في ذلك؟
ماذا عن محاسبة النظام البائد بما أفسد من نهب وتمكين، ومن تفتيت وحدوية السودان بالتلاعب بالهوية، ومن القوانين المجهضة للحريات، وجرائم الإبادة والتشريد، قبل التسارع لاحتضانه من جديد. هل ذلك يتم بجهلٍ عن فتنة العرقية التي التهبت وباتت تمزّق الهوية السودانية التي تدوي بانقساماته بالشعوبية كما الآن في أوكرانيا؟

izcorpizcorp@yahoo.co.uk
///////////////////////////

 

آراء