السياسة والثقافة السياسية .. بقلم: ناصر السيد النور

يركن كثير ممن اتيحت لهم فرصة ممارسة العمل السياسي أو الوصول إلى مناصب ومواقع ما في الشأن العام أكان ذلك مصادفة أم كفاءة مقتدرة أو تصعيد على أسنة رماح السلاح – وما أكثرهم – وغيرها من وسائل تبرر غاياتها إلى ما انتهوا اليه من معرفة أو وسيلة باعتبارها كفاءة ما بعدها كفاءة. ولا يسعى الفرد (المخلوق السياسي) إلى الاستزادة في معارفه ومهاراته ويبقى متوارياً خلف المنصب الحصين مردداً مقولة يشدد عوام الساسة على اشاعتها: ليس كل مثقف سياسي ولكن كل سياسي مثقف! ومهماً يكن ما تحمله هذه العبارة من زهو وتناقض لا تقابلها إلا عبارة أخرى أكثر إبانة تتداولها العامة: ليس كل متعلم مثقف. وهكذا لا يكتفى السياسي باحتكاره للقرار السياسي وتوابعه الاقتصادية والاجتماعية وامتيازاته وكل ما هو فانٍ بل يسعى في بلداننا إلى امتلاك الحقيقة والعقل متناسياً أن السلطة السياسية يمنها أن تعمل بمعزل عمن ينتجون المعرفة من علماء ومبدعين وتكون علاقتهم بالسلطة محددة بتباعد جدلية المثقف والسلطة. ولم يكن بأي حال مطلوب من السياسي أو الحاكم أو الوزير معرفة ثقافية عميقة تتجاوز تخصصه -إن وجد- ولكن إن يحيط بالحد الأدنى من بيانات ومعلومات ومعرفة تعين على اتخاذ القرار الصائب وهو ما يشكل في نهاية المطاف الخطاب السياسي المعبر عن سياسات الدولة أو كما قال القدماء من ناصحي الملوك ومادحيهم إن يكون عالماً بأحوال رعيته، لما تقتضيه السياسية لما فيها من ثبات للمك وبقاء الدولة.
فإذا كانت الثقافة السياسية تندرج ضمن المفهوم الأوسع للثقافة وتعكس بالتالي قيماً عادة ما تكون مشتركة بين السلطة والأفراد حكاماً ومحكومين، ولكن هناك الثقافة السياسية بما تعني جملة من المعارف لدى الفرد الممارس للفعل السياسي، بما تسلمه من معرفة بحقائق العالم والعصر والمهم هو كيفية توظيف هذه المقدرات الفردية في الممارسة والسلوك. وقد أصبحت مؤخراً تصريحات المسؤولين وتصرفاتهم مكان سخرية وتندر في وسائل الاعلام وانتقاصاً يتربص من خلفه الشامتون من فلول النظام المباد عندما يعقدون مقارنات مقصودة بين قدرات شخصيات المسؤولين في نظامهم السابق ومسؤولي ما بعد ثورة ديسمبر الآن في اثارة تعمد الى الربط بينها وبين أزمات من صنعهم. ولو أن الخطاب السياسي في ظل النظام البائد كان متدهوراً وصعدت معه الى المنابر ما لم يكن يتداول السودانيون في جلساتهم الخاصة من ألفاظ وسلوكيات كادت أن تقوض ما تبقى من بنية الثقافة المدنية السودانية وليبراليتها وانفتاحها النسبي.
وعادة ما يكون خطأ السياسي المسؤول في الدولة في التعبير مثار سخرية لا ينطبق عليه زلة لسان إلا بتبرير منه أو من الجهة التي يمثلها أو في أحسن الحالات قطع التعبير عن سياقه، وهو ما يزيد من سخرية الموقف بأكثر مما يصحح الخطأ كان مقصوداً أم غير مقصود. ومن عادة الناس ألا تلتفت إلى الخطأ السياسي مثل التفاتهم إلى الفرد وسلوكه ومعلوم أن خطأ القرار السياسي Political Blunder تكون نتائجه السياسية أكثر فداحة من أي تصرف فردي للمسؤول. وفي هذا العصر حيث الانتشار الواسع للتداول الإعلامي الحر عبر وسائط الميديا (التواصل الاجتماعي) بات من المستحيل إخفاء أو الهرب من أي سلوك أو قول غير لائق. ولو أن سلوك السياسي المظهري محسوب ومحاسب عليه متى ما كان السياسي على سدة الشأن العام، وإذا تحولنا لرصد تصريحات السياسيين والمسؤولين في الدولة الذي يتكشف من خلاله ثقافة أو خبرة صاحب التصريح وخاصة لمن يوصفوا بالناطق الرسمي لسان حال الجهة المحددة، فليس من المستساغ أن يأتي تصرف المسؤول مخالفاً لقواعد البروتكول الرسمي أو المظهر العام. ومن ثَّم يكون ضبط خطابه وكفاية درايته ما يقول من معلومات وبيانات تظهره بمظهر المسؤول الكفء إن لم يكن العاقل، فلا يعقل كما حدث مع أحد المسؤولين الشباب أن يصف فرنسا بالدولة الشقيقة، أو يدعو وزير الى استعمار أراضي في بلده وهو يقصد الاستثمار والتعمير وأي يكن الحجاج اللغوي والمجمعي للتعبير فلا يمر دون جدل طالما كان اللفظ مهجوراً كما يقول اللغويون. وينبغي أن تكون لغة السياسي هي لغة الاعلام التي هي بدورها لغة المعلومات لا تقعير ومترادفات القواميس. ومن الغريب أن السياسي وزير وأي مسؤول آخر لا يعتذر أو يصحح ما أدلى به من معلومات خاطئة مهما اوغل في الخطأ وأساء التصرف، وتلك سمة أخرى متجذرة في الثقافة المجتمعية كرست للتمادي في الأخطاء وتوطين روح التسلط في المسؤول السوداني تجد تفسيرها في تشريح العقل الرعوي للدكتور النور حمد.
ومن عادة السودانيين دائماً أن تستهويهم فصاحة السياسيين في الخطب السياسية المطولة متخمة بالشعر والحماس الشعبي ومدى اجادتهم للغات الأجنبية أو اللغة الإنكليزية للدقة، وذلك مفهوم في إطار التربية ونمط التعليم. وكان من تداعيات من ذلك الخطاب السياسي عدم اكتراث الأحزاب بالبرامج السياسية والتخطيط الاستراتيجي ورؤيتها في قضايا السياسة والاقتصاد والتنمية وبدلا عن ذلك اكتفت بما تحمله خطبها الرنانة الموجهة وما تقدمه من حلول سحرية الى جموع جماهيرها. فالخطبة السياسية لا محتوى لها سوى الفصاحة التي تحتل مكانتها المقدسة في العقل الجمعي وهي لا تعني بحال كما يقول الدكتور حيدر إبراهيم الذكاء! وبالتالي لا تقود الى تأسيس علمي يقود الى بناء أو نهضة منشودة كما عبر شاعر الشعب الفذ محجوب شريف ودعوته الى بناء وطن: ما بنبيهو فرَّادي ولا بالضجة في الرادي ولا الخطب الحماسية.
نشر بصحيفة _ الديمقراطي# السبت 11/09/2021م.

anassira@msn.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً