نشأ مسرحُ العبثِ أو مسرح اللامعقول في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية كنتيجة مباشرة للحيرةِ الاجتماعية والسياسية التي أعقبت سنوات الحرب والضياع ، فاستلهم الأدباء نوعاً جديداً من الأدب قوامه المزج بين الواقع والخيال في قوالب فلسفية واجتماعية مبتكرة لا شك كانت نوعاً من أساليب الهروب من الواقع الكئيب . ولقد استمد مسرح العبث بعض أفكاره من الفكر الوجودي وعلم النفس الفرويدي الذي كان شائعاً في ذاك الوقت في علاقةِ الروح والجسد بالوجود. كان من أقطاب هذا الأدب الأديب الفرنسي البير كامو والإيرلندي صمويل بيكت والروماني يوجين يونسكو . أخذ مسرح العبث حيزاً ضخماً في الفكرِ والثقافة حتى مطلع السبعينيات من القرن الماضي ثم ما لبث في الخفوت تدريجياً كما سُنة الحياةِ ، لكن بقىَ شيئاً من أثره لا يزالُ يعَبْقُ في نفوس الأدباءِ والمثقفين لا سيما عندما يتداخل الخيال في الحياة الواقعية ليشكل لوحةً سريالية ً متعددة الأشكالِ والألوانِ.
تُعتبرُ مسرحية ” في إنتظار غودو” * ركيزةً مهمةً لفهم ِ مسرح العبث ، وتقوم حُبْكتها الدرامية علي حوار بطلي المسرحية وهم يستعرضان حياتهما والمصاعب التي أفضت بهما إلى قمةِ اليأس فتركتهما على شفا الإنهيار لكنهما يستلهما الأمل المتواصل من اقتراب مجئ الشخصية المحورية ” غودو” التي حتماً تمتلك كل مفاتيح التوفيق و النجاح. بعد حوار ٍ طويل ٍ ملئ ٍ بفلسفةِ الشك واليقين ، تنتهي المسرحية في فصلها الأخير عندما يُكشف فجأة أن ” غودو” ما هي إلا شخصية خيالية ذات وجودٍ افتراضي ليمتزج الواقع المُؤلم بالخيال الحالم وهو ديدن العبث و اللامعقول.
تنادي نادِبةُ الوطنِ :
إنْطَفتْ النصيحة وبدرِي طارْ طَارِيها أمّا شهادة الزُورْ حاضَرةْ للبِشْريها **
يعيشُ السودان الحديث سنواتٍ مؤلمة من التيه والضلال تأتي خصماً على مستقبل الاستقرار و التنمية ، فالإقتصاد عماد البناء والتعمير لا وجود له في الواقع العملي ، ورغم توفر الموارد المتعددة فشلت الدولة في أن تبني قواعداً صلبة في الزراعة ، الصناعة والتعدين تقيل عثرة البلاد فلجأت إلى أسهلِ الطرقِ بوضع نَيْر الضرائب والمُكوس المركّبة على عاتق المواطن المغلوب على أمره حتى يتسنّى لها الصرف على أجهزتها المتعددة المترهلة في استعمار داخلي جديد ، كما قامت بالإستدانة الداخلية والخارجية فتصرف “مافي الجَيْب” ، وتأمل أن يأتيها “ما في الغَيْب ” مؤسسةً لإقتصاد ظرفي افتراضي . وفي الجانب الآخر نجد أن عدم الاستقرار السياسي طويل الأمد ولّد منهجاً يقوم على “رِزْق اليَوْم باليوم” بتغيّر مقتضى الحال والأحوال وتداول “ساقية” الحلول الوقتية دون رؤىً استراتيجية طويلة الأمد . وعلى صعيدٍ مختلف نجد أن الحالة الاجتماعية المعقّدة للشعب التي أفرزتها متلازمتا الفقر و الجهل تفور و تمور تحت السطح دون أن ينتبه لها الحكام الطغاة الذين يعيشون في بروجٍ ٍعاجيةٍ مشيّدة بنيّت من لزِبِ طينِ الفسادِ والإفسادِ : يبيعون الأحلام والمسكنات حتى وقت فوران التنور . ورغم ضبابية الرُؤى ويقينِ مستقبل المجهول ، يبيع الساسةُ في الدولةِ الأوهام للشعب بأن “يحلموا بعالم ٍ سعيد” في إنتظار أن يتبدل الحال غداً بأفضل منه ، فيتشبثُ المواطنُ المغلوبِ على أمره بقشةِ الأمل : ” فما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ !
تصيح ناصحةً : البِزْرَعَلُوْ شَوكْ لابدَّ يتْوطّاه والبِطْبُخلُو سِمّ لا بدّ يتعاطاه
فشلت الدولة في استثمار عوائد النفط لسنوات عديدة لخلق مشاريع قومية تعود بالنفع وخلق تنمية مستدامة . ورغم أن كل الدلائل كانت تنذر بوميض النار بتجاهل مستصغر الشرر، لم تكن للدولة علامات البصر والبصيرة لتدارك العواقب فعندما انفرط عقد البلاد بالانفصال أخذت الدولة “تبحت” بيت النمل المهجورعن بقايا العيشِ المهدور . أخذت بعدها في “الشَحْتة” العلنية والضمنية فأذلّت كرامة شعبٍ في عزةٍ كانت سمةً له ، وأوصلت الدين الخارجي لأرقام فلكية يبقى عبئاً على الأجيال القادمة . يضاف إلى ذلك إرتهان الموقف والفعل السياسي في إنتهازية سياسية لا مبدئية لم نعرف بها لا تُفسر سوى بقلةِ الجُرْذَان في البيتِ السوداني. يقابل ذلك دعاية نهاية الفقر عند تنفيذ ” السد” ، وبُشْرى كنوز الذهب الروسي المرتقب ، وإرسال البسطاء إلى الصحارى والوهاد ليحفروا بأيديهم قبورهم وكأننا في “سباق الذهب” في الغرب المريكي قبل مئتى عام ، ومن لم تنهار عليه آبار الحفر ، أنهكه المرض من غبار الصحراء وسمّيات الاستخلاص اليدوية . ليشتريه بعدها بثمنٍ بخس ٍ ” أثرياء الحرب” من رجال العشائر والطوائف لينتهى بعدها على طاولة الدولة التي تفتخر بدعم التعدين الأهلي الذي لم توفر له أدنى مقومات السلامة والأمن ، ولم يهتز لها طرف لموت العشرات كل عام في سبيل ملء الخزينة العامة بتِبْرِ الذهب ! تبيع بعدها الدولة الوهم برفع العقوبات وتدفق الاستثمارات الخارجية وزوال دولة الجبايات في مستقبل الأيام حتى يأتي الشعب يقين الفناء.
تبكي في حرقة : الجُوْر والضلالْ بيَن الخلائقْ إنْشرّنْ والأنْفس على الشهوات جميع إنْجرّنْ
تفْتكُ الأمراض والأوبئة بالألاف في ظلِّ بنية تحتية ضعيفة للصحة ، وميزانية سنوية مخجلة مقارنة بالهدر والتبذير لجهاز الدولة السيادي . شبكة الرعاية الأولية تمزقت منذ سنوات وما عادت تمثل خط الأمان الأول ، والرعاية الثانوية تفتقر لأبسط مقومات بيئة العمل من مستشفيات مؤهلة ومعينات تشخص وتعالج الأمراض ، وكوادر تشكل قطب الرحى هاجر معظمها داخلياً إلى سوح العمل الخاص أو خارجياً إلى رحاب الهجرة المستدامة . يقابل ذلك من لم يعرف له سبقٌ أو كسب في علم ٍ أو معرفة فأتاح له الوضع المأساوي أن يخرج النسور من وُكْناتها ليبيض ويُفْرخ ثم يفقأ عين المتسائلين في ظل حماية ” فقه التمكين” ، ووزير ولائي هو أكبر مستثمر في الدولة في قطاع العمل الطبي الخاص فكيف ينمّي القطاع العام على حساب مصلحته الذاتية ؟ تضارب للمصالح لا يحدث إلا في زمن التغريب . يضاف إلى ذلك ثالثة الأثافي فيتسنم الوزير الإتحادي مرةً أخرى أمر الصحةِ في البلاد وهو لا يفقه فيها ، أتت به محاصصات “السلمُ أم الغابةِ و البندقية أقوم ” في زمن العبث و اللامعقول.
تتأوّهُ: إنْ قلتَ النَصِيْحةْ الفِي الكتاب: قَتْلُوها ، والأخوان على بعضْ السُيوف سَلُوها ، وأموالْ اليتيم أهَل السِّبح ْ أكلُوهها
تراجع التعليم العام كمّاًّ حقيقياَ وكيفاً . رفعت الدولة يدها عن الصرف عن التعليم العام فميزانيته السنوية مخجلةٍ في عالم ٍ أصبح يبنى على العلم والمعرفة بصورة أساسية . أصبحت “الخرابات” تسمى مجازاً مدارس حكومية تفتقر لأبسط مقومات البيئة السليمة من فصل وإجلاس ومعينات ومعلم مؤهل و بيئة آمنة ، غابت دولة الرعاية الاجتماعية التي أنجبت حكّام اليوم فسدّوا دون ندم وأنانيةٍ مفرِّطةٍ رَحِمَ الأمّ التي أنجبتهم ! هاجر أولياء الأمور مضطرين إلى رمضاء التعليم الخاص الذي مافتئ يضع الأولوية المادية على مبادئ العلم والمعرفة فتمضي السنون بطيئاً دون أن يُدْرك حجم التفريطِ التربوي والإفراط في الهَدْرِ المعرفِي . بدلاً من الإعتراف بكِبْرِ الفَتْقِ على الراتِقِ المحلي وإعلان صافِرات الإنذار ، يلجأ المسؤولون لدسِ الرؤوسِ تحت الرمال وتجاهل الوضع المُزْرِي ومن ثم الإعلان في ملهاة مأساوية أننا نشهد طفرة غير مسبوقة في مجال التعليم العام ! يقابل ذلك عرض أرقام مغلوطة بشكل جذري عن واقع التعليم لتمر مرور الكرام على الأجهزة المنوط به الرقابة على الذراع التنفيذي !
تكاثر التعليم العالي وتناسل دون رقابة ممنهجة حتى ثشبّه بالخلايا البكتيرية فأصبح في كل حدب وصوب وكل ناحية وبادية ، كماً لا كيفاَ ، قلت جودة الطالب والأستاذ على حدٍ سواء وازدادت أعداد الخرجين كل عام يرمى بهم إلى إتون البطالة كل عام فيكتوون بنارها بعد سنوات من الأمل والرجاء . بسبب قلة المؤهلين سدت الجامعات الكسيحة الفراغ بطِينِ الفاقد التربوي اللَبِن ، فكثُرت الشهادات العليا دون المستوى والدرجات العلمية التي تصرف دون تمحيص وتدبير فازداد الطين بِلة وصَعُب عبور المستنقع الآسن لأولي العزم من رسلِ التعليم .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم