الشيخ عبد القادر الجيلاني 470 هـ 561هـ

 


 

 

 


alshiglini@gmail.com

سقاني حبيبي من شراب ذوي المجد ... فأسكرّني حقاً فغبّت عن وَجدي

حضرت مع الأقطاب في حضرة اللّقا ... فغبت به عنهم وشاهدته وحدي

الشيخ عبد القادر الجيلاني


(1)
سُئل الجنيد عن العارف فقال: { من نطق عن سرّك وأنت ساكت}
إن لغة المتصوفة، لغة شاعرية، تمنح الأشياء مسمياتها من جديد؛ فهي غياب حضور اللفظ وحضور غياب المعنى. هذا النهير المُتدفق من باطن النفس البشرية، له صنابير تفتح عندما يديرها المتصوفة. فالتصوّف علم لا ينفتح إلا بالتيسير، وهو كالأفق الأعلى ينزل على النفس، فتنجلي الظواهر عن الأسرار، وهو النهج الذي تفتح على بصيرة الدارس والمعلم عبد القادر الجيلاني، عندما صعد من الدروس الدينية إلى مراقي عوالم التصوّف. وهو عالَم غامض مرتبط بعلم البارابسيكولوجيا.


(2)
نسوق تجربة العالم الروسي ( فلايل كازنا تشوف ) في المؤتمر العالمي لمادة ( البارابسيكولوجيا) أي نظير علم النفس أو ما وراء النفس، الذي انعقد في باريس، والذي هو على علاقة وثيقة بعوالم التصوّف، وقد نشرته صحيفة الاتحاد الإماراتية بتاريخ 29/11/1990 . وقد افتتح العالم المذكور محاضرته بقوله { راقبوا علم البارابسيكولوجيا قبل أن يدمر العالم، فقد ثبت علمياً أن الجسم البشري يمتلك طاقة بيولوجية وحواسّية هائلة، وهذا مما يجعل التأثير الفكري ممكناً عن بعد مئات وحتى آلاف الكيلومترات. بالتأثير الفكري عن بُعد، يتحول الإنسان أو آلاف الناس إلى مشلولي الإرادة ينساقون إلى تنفيذ جميع ما يطلبه منهم المسيطرون عليهم فكرياً. وتبين أن لزمان ومكان الولادة، بالقياس على أفلاك معينة، تأثيراً مباشراً في حياة الإنسان الجسدية والعقلية . كما تبين أن حقولاً بيولوجية حول الإنسان، وهو ما يفسر ظاهرة التأثير عن بُعد. وقد تم اختبار تلك القدرات. وتم إجراء اختبارات ( تواصل اكسترا – حواس) بين عشر مدن روسية، تتراوح المسافات بينها بين ألف وسبعة آلاف كيلومتر، والتي أثبتت أن لكل إنسان طاقة بيولوجية حواسّية هائلة. وتم اكتشاف أن التواصل عن بُعد يكون أفضل في ظروف فلكية معينة أهمّها قوة الحد الأدنى للطاقة الشمسية}


(3)
اقترن دخول الطريقة القادرية وهي أكثر الطرق الصوفية انتشاراً في السودان، باسم " تاج الدين البُهاري البغدادي" الذي قدم عام 985 هـ / 1577 م. من بغداد عن طريق الحجاز، إثر دعوته من داوود بن عبد الجليل، التاجر السوداني. وبلغت إقامته سبعة أعوام. التحق به عدد من المريدين، منهم محمد الهميم بن عبد الصادق وبان النقا الضرير. لما رأى الشيخ عبدالله بن دفع الله العركي المكانة الرفيعة للشيخ تاج الدين، رأى أن يسلك سبيل القوم ولحق بالشيخ تاج الدين البهاري. وممن أوقدوا نار الشيخ عبد القادر الجيلاني في بلاد الفونج الشيخ إدريس ود الأرباب، الذي يروي أنه أخذها من شيخ قدم عليه " بالخطوة " وهو الشيخ " حسن ود حسونه " الذي سلك الطريق بمدد من رسول الله، كما يروي ود ضيف الله.

تاج الدين البهاري واسمه محمد البهاري. نعته مأخوذ من قولهم " قمرٌ باهر" وسمي لضياء وجهه. وهو حسب ما يقال عنه الشيخ الإمام القطب الرباني والغوث الصمداني خليفة الشيخ عبد القادر الجيلاني. مولده بغداد قدم بلاد السودان أول النصف الثاني من القرن العاشر. أول ملك الشيخ عجيب، وسكن مع داوود في واد الشّعيرضهرة أم عضام. تزوج امرأة من ناس العُك. ولد منها ابنتان وقيل ثلاثة وأقام في الجزيرة سبع سنين. وسلك على طريقته خمس رجال: منهم الشيخ محمد الهميم والشيخ بان النقا الضرير وحجازي باني أربجي وشاع الدين جد الشكرية والشيخ عجيب الكبير و رحمة الحلاوي وحمد النّجيض العُوضابي الجموعي وعبدالله بن دفع الله العركي.وحول اُسر هؤلاء المشايخ وتلاميذهم، نمت الطريقة القادرية، حتى صار معظم السكان من مريديها.

ويروى أن الطريقة الشاذلية دخلت السودان قبل قيام مملكة الفونج، ويؤكد الشيخ ود ضيف الله أن الشيخ حمد بن المجذوب قد سلك هذه الطريقة في الحجاز، وقد كُتب لها الإزدهار على يد حفدته ( المجاذيب) في منطقة الدامر ، واشتهرت باسم الطريقة المجذوبية.

أما الطريقة السمانية فقد نشر تعاليمها الشيخ أحمد الطيب البشير الجموعي (1793- 1853) م الذي درس في المدينة المنورة على مؤسس الطريقة، الشيخ محمد عبد الكريم السماني وكانت هي والطريقة الختمية التي دخلت السودان على يد مؤسسها السيد محمد عثمان الميرغني عام 1818 . قد انتشرا امتداداً لموجة الإصلاح الديني التي اجتاحت الولايات الجنوبية للإمبراطورية العثمانية.
سعى المتصوفة الذين قدموا إلى السودان إلى تعميق العقيدة الإسلامية بطريقة مبسطة، فهي اتّباع منهج خلقي وتعبّدي خاص، مع المدوامة على قراءة الأذكار والأوراد المعلومة لدى كل مؤسس طريقة. ارتبط مؤسسي الطرق بورعهم وزهدهم وسلطانهم الروحي والكرامات، وصار المريدون يعتقدون في بركات شيوخهم أحياء وميتين، يمكن لهم التوسل والتشفع بهم. وكانوا مصدر خير للضعفاء والفقراء يحمونهم من غدر الحكام وظلم السلاطين.

ربما تعقَّد فهم "الكرمة الصوفية " عند أذهان الكثيرين، ووقفوا موقف الحيّرة والارتباك، لأنها مجموعة من عجائب ظواهر الأحوال، اقترنت بشيوخ المتصوفة. وتلك أبواب يتعين الحديث الضافي حولها، في مقال ودراسة غير التي نحن بصددها.


(4)
في العصر الذي يمور بالاضطرابات وُلد الشيخ عبد القادر الجيلاني سنة 470 هـ ( 1077م )، في زمن السلطان السلجوقي ملكشاه. وفي عام 485 انتقل الشيخ عبد القدر الجيلاني من بلاده إلى بغداد. كان ابن الجوزي من معاصريه. ويقال أنه ينتهي نسبه بالحسن بن علي بن أبي طالب.
*
جيلان: معرب كيلان، اسم لبلاد كثيرة من وراء بلاد طبرستان ، وهي قرى كلها في مروج بين الجبال على ساحل طبرستان ( أي بحر قزوين).
*
مثل عبد القادر الجيلاني، أنتج التصوّف أفذاذاً خلّدهم التاريخ وتُرجمت أشعارهم، إلى كثير من اللغات العالمية الأخرى، كرابعة العدوية، وأبي الحسن النوري، وأحمد الرفاعي، وسمنون المحب والشبلي، وذي النون المصري، وتقي الدين بن تمام، وابن الفارض، وفريد الدين العطار، وسعدي الشيرازي، وحافظ الشيرازي، وجلال الدين الرومي، ومحمد إقبال.
*
التصوّف مرحلة أعلى من مرحلة العلم والأخذ بدقائق أحوال النهج الإبداعي، وهي تقنية مفتوحة على كل العلوم والإبداعات الإنسانية، وليست حصراً على التديّن. أما في التديّن فهو مرحلة تعلو مرحلة شرائع العبادات، من فروض وسُنن ونوافل. لا تُغري المتصوفون الجنان الموعودة، ولا الوعيد بالنيران للمخالفين، بل ترقّوا لعبادة الرب في ذاته. فهنا نبأ إلى الوجود الحب الإلهي والعشق الإلهي. وهي ميّزتين غير اتباع الواجبات واجتناب النواهي، وغيرالمكافئ لاتباعهما الجنة أو النار.


(5)
عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. وعند قراءة تراجم العلماء الصالحين خاصة، تنزل الرحمات على قلوب قارئيها. إن شاباّ غض الشباب، يترك بلاده "جيلان" راحلاً إلى بغداد، عاصمة الدُنيا في طلب العلم حينذاك. وإن شاباً مكتمل الشباب والرجولة يقضي نحو (34) عاماً في طلب الفقه والحديث والتفسير والعقائد والتصوّف وغيرها، لجدير بأن يكون قد حصل على علم كثيرومحبة وعشق إلهي عظيم. أقام للتدريس تلك الأعوام في الوعظ والإرشاد لا يخالط الناس على دنياهم ولا يزاملهم في لهوهم ولا يخضع لكبير ولا يتملق غني أو صاحب سلطان.


(6)
قال الشيخ عبد القادر الجيلاني:
{ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي كيّف الكيف وتنزّه عن الكيفيّة، وأيّن الأين وتعزز عن الأينيّة، ووُجد في كل شيء وتقدّس عن الظرفيّة، وحضرعند كل شيء وتعالى عن العندّية، فهو أول كل شيء وليس له آخرية. وإن قلتَ كيف؟ فقد طالبته بالكيفيّة. وإن قلت متى؟ فقد زاحمته بالوقتيّة. وإن قلت ليس، فقد عطلته عن الكونيّة. وإن قلت لو، فقد قابلته بالنقضيّة. وإن قلت: لِمَ، فقد عارضته في الملكوتيّة. سبحانه وتعالى، لا يُسبق بوقتيّة، ولا يُلحق ببعديّة، ولا يُقاس بمثليّة، ولا يُقرن بشكليّة، ولا يُعاب بزوجيّة، ولا يُعرف بجسميّة. سبحانه وتعالى، لو كان شخصاً لكان معروف البنيّة، ولو كان جسماً لكان معروف الكميّة، بل هو واحدٌ، صمدٌ رداً على الوثنيّة،لا يتحرك متحرك في خير أو شر، في سرّ أو جهر، في برّ أو بحرإلا بإرادته.
*
كان يحضر مجلس الشيخ سبعين ألفاً من الناس، ويبلغ عدد المحابر أحياناً اربعمائة محبرة. أسلم على يده خمسة آلاف مشرك وكافر. له درسٌ في الخلاف، وفي الأصول وفي النحو وكان يقرأ بالقراءات بعد الظهر.
*
من أشهر مواعظه :{ يا غلام قصِّر أملك، وقلّل حرصك، صلِّ صلاة مودّع، لا ينبغي لمؤمن أن ينام إلا ووصيته مكتوبة. أجيز لنفسي رَوماً للاختصار، أن أكتفي بذكر عناوين تلك الأخلاق ، وما أجملها. فهي الكرم، والجّود، والصّدق، والزّهد، والصبّر، والحب، والتوكّل، والحلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعبادة والتّقوى والوّرع، والرضا والحب والمجاهدة والرحمة والزّهد في الدنيا وطلب الأخرى. إذا كان المؤمن لا يفلح إلا في الصلاة الخاشعة، فمن هم القوم الذين يعتنون بعلم " الخشوع" وكيفيّة التحقق به، ويحاسبون أنفسهم على الخواطر الشاغلة عن الله، كما يحاسب الفقهاء على ترك ركن من أركان الصلاة؟ ويبذلون الغالي والنّفيس لإقامة ركعة خاشعة، لا يحضرون فيها إلا مع الله عز وجل.}


(7)
قالوا { إذا أردت أن تعرف مقامك عند الله عز وجل، فانظر في ماذا أقامك}
*
تزوج الحسين رضي الله عنه شاهبانو بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس، وعند ذلك أخذ الفرس يدخلون في الإسلام، وامتزج العرب بالفرس.
*
قال الشيخ: {ظهر لي أن أخصّ خواص المتصوفة، ما لايمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال. وذلك بقطع علاقة القلب عن الدنيا وبالتجافي عن دار الغرور والإنابّة إلى دار الخلود. وعلمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، فجميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوّة.}
انقطع الشيخ للتفكير صباح مساء، فامتنع عن الطعام والشراب إلا ما يقيم الأود، وامتنع عن الكلام والتدريس، وتيمّم شطر الشام. وهداه تفكيره أخيراً أن أدّلة القرآن مثل الغذاء، ينتفع به كل الناس، وأدلّة المتكلمين مثل الدواء، ينتفع به آحاد الناس، ويستضر به الأكثرون. ومن دمشق ذهب إلى الحجاز وعاد لبغداد بعد أن غاب عنها عشر سنوات.

تفقّه على أبي الوفا علي بن عقيل، وأبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني الحنبلي، والقاضي أبي سعد المبارك بن علي المخرّمي، وأبي الحسن بن محمد القاضي، وقرأ الأدب وعلم البيان والبلاغة عن أبي زكريا يحي التبريزي. وأخذ علم التصوّف عن أبي محمد جعفر بن أحمد السراج، وعن الشيخ حماد بن مسلم الدباس، ومن شيوخه أبو الغنائم محمد بن محمد بن علي الفرسي، وعبدالرحمن بن أحمد بن يوسف، وأبو البركات هبة الله وغيرهم.
عمل الشيخ في أعمال الأحمال، وذاق حياة شظف العيش، وكان أحياناً يقتات بخرنوب الشوك وقمامة البقل وورق الخس الذي ينبت بجانب النهر. وما كان يمد يده بالسؤال.


(8)
كان الشيخ يرى وهو في بغداد، كالقرآن في بيت زنديق، أو كصالح في ثمود، فيريد أن يهرب. كانت تضيق نفسه أحياناً فيصرخ صراخاً شديداً. ويقول الشيخ :وإذا كثرت عليّ الأثقال وضعت جنبي على الأرض وتلوت{ فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسراً} ثم أرفع رأسي وقد انفرجت عني تلك الأثقال.
وعندما أحسّ الشيخ من شخصيته الاعتدال، ومن نفسه قوة الاحتمال، عاد إلى بغداد بعد أن فرّ منها، وعاد إلى حلقات الدرس من جديد، ولكنه قرر إضافة على العلوم المعروفة، علم تربية الروح وعلم التصوّف.
عندما التحق الشيخ عبد القادر الجيلاني بشيخه الجديد حمّاد الدباس، توسم فيه شيخه الخير والفلاح وأراد أن يختبر صبره وقوة احتماله.
قال الشيخ عبد القادر{ خرجت مرّة إلى باب الحلبة فقال لي قائل: إلى أين تمشي؟ ودفعني دفعة خررت منها، وقال: ارجع فإن للناس فيك منفعة. قلت: أريد سلامة ديني، قال: لك ذاك. وعرفت أنه حمّاد الدباس، وكشف لي جميع ما كان يشغلني. وعندما نصحه يوسف الهمذاني أن يجلس للناس ويتكلم، فقد تصدر للكلام وجلس للدرس. كان عملاً شاقاً في البدء، فقال عن ذلك الشيخ { كاد يغلب عليّ الكلام ويزدحم على قلبي إن لم أتكلم به، حتى أكاد أختنق ولا أقدر أن أسكت، وكان يجلس عندي رجلان وثلاثة، ثم تسامع الناس بي وازدحم عليّ الخلق حتى صار يحضر مجلسي نحو من سبعين ألفاً}
*
لما ضاق الناس بالمكان، اشترى أهل الخير مدرسة المخرمي من ورثته، ووسعوها وبنوها من جديد على شكل مدرسة للعلم ورباط للمريدين والتلاميذ، وتمّ ذلك بأموال الأغنياء وعمل الفقراء. وصارت تدعى بمدرسة الشيخ عبد القادر الكيلاني.


(9)
وصفه :
يميل إلى الطول، يبدو عليه أمارات النّبل والاستقامة، عريض الجبهة، يميل لونه إلى السمّرة، يصل شعره إلى كتفيه، عريض المنكبين، متناسق الأعضاء، عذب الصوت جهوريه. كان سريع الدّمعة، دائم الذكر، كثير التفكر، رقيق القلب، دائم البشر، كريم النفس، سخي اليد، غزير العلم ، طيب الأعراف. أبعد الناس عن الفحش أقرب الناس إلى الحق.
*
قال الشيخ: { فتشت الأعمال كلها فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام، أود لو أن الدنيا بيدي فأطعمها الجياع}
*
أولاد الشيخ :
حلُم بأنه رأي النبي الأكرم ، يأمره بالزواج فتزوج . ومن أبنائه:عبدالله، عبد الوهاب، عبد الرازق، عبد الجبار، عبد العزيز، عيسى، موسى، محمد، إبراهيم، يحيى.


(10)
كان الشيخ عبدالقادر يقول: { الدواء في توحيد الله عزّ وجلّ بالقلب لا باللّسان فحسب. أساس الأمر الإسلام ثم الإيمان ثم العمل بكتاب الله عزّ وجلّ، وشريعة رسوله ثم الإخلاص في العمل مع توحيد القلب عند كمال الإيمان، المؤمن يفنى عن كل ما سوى الحق عز وجل.}
*
قال الشيخ: { الورع على ثلاثة درجات: ورع العوام وهو ورع عن احرام والشبهة، وورع الخواص وهو ورع كل ما للنفس والهوى فيه شهوة، وورع خواص الخواص، وهو ورع عن كل ما لهم فيه إرادة. والورع ورعان: ظاهر وهو أن لا يتحرك إلا بالله تعالى، وباطن وهو أن لا يدخل على قلبك سوى الله تعالى. ومن لم ينظر في دقائق الورع لم يحصل له نفائس العطاء}
يقول الشيخ: { الخوف والرجاء هما كجناحي طائر لا يتم الإيمان إلا بهما }


(11)
الشيخ عبد القادر الجيلاني
مجموعة من المؤلفات أهمها:
1ـ الغنية لطالبي طريق الحق عز وجل.
2ـ الفتح الرباني.
3ـ فتوح الغيب.
4ـ الفيوضات الربانية.
5ـ جلاء الخاطر في الباطن والظاهر.

ويعتبر الصوفيون أن الجيلاني هو أول من نادى بالطرق الصوفية وأسسها،
وللجيلاني عدة قصائد في الخمر، منها قصيدة عنوانها "سقاني حبيبي" يقول فيها:

سقاني حبيبي من شراب ذوي المجد ... فأسكرني حقاً فغبت عن وَجدي
حضرت مع الأقطاب في حضرة اللّقا ... فغبت به عنهم وشاهدته وحدي
فمـا شـرب العشـاق إلاّ بقيتـي ... وفضلة كاساتي بها شربوا بعدي
ولو شربوا ما قـد شربت وعاينوا ... من الحضرة العلياء صافي موردي
لأمسوا سكارى قبل أن يقربوا المدام ... وأمسوا حيارى من مصادمة الوِرد

مؤسس الطريقة:
هو عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله الجيلي الحسني، ولد في قرية الجيل سنة 470 هـ، احدى توابع مدينة المدائن، وقدم بغداد شاباً سنـة 488 هـ ، وتفقه على عدد من مشايخها. جلس للوعظ سنة 520 هـ، وحصل له القبول عند الناس، واعتقدوا طريقته وانتفعوا بكلامه ووعظه. اشتهر عن الشيخ عبد القادر ما يدل على فقهه وعلمه. وظهرت على يديه الكثير من الكرامات، وتاب وأسلم على يديه العديد من الناس. توفي وعمره 90 عاماً، ودفن في رواق مدرسته سنة 561 هـ.


(12)
يذكر الشيخ مخلف العلي القادري الحسيني أهم قواعد وأسس الطريقة القادرية:
الالتزام بالكتاب والسنة: يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني: {طريقتنا مبنية على الكتاب والسنة فمن خالفهما فليس منا}.
الجَـدٌ والكًـدٌ ولزوم الحَـدٍ حتى تنقد: ومعنى (جـدّ) الجدية في سلوك الطريق إلى الله، ومعنى (كـدّ) بذل الجهد والجوارح والنفس والروح في السير إلى الله بدون هوادة ولا تراخي، ومعنى(لزوم الحدّ) الالتزام بالشريعة وتحليل الحلال وتحريم الحرام والوقوف عند حدود الله وعدم تجاوزها، ومعنى (حتى تنقد) حتى تجف النفس عن المعاصي والذنوب ولا يبقى فيها إلا الله جل في علاه.
الاجتماعٌ والاستماعٌ والإتباعٌ حتى يحصل الانتفاع: ومعنى هذا الاجتماع بالصالحين والعلماء والمرشدين والأخوة في الله والاستماع لهم بأدب وإتباع ما يقولون وما يأمرون من الهدي النبوي.
الاعتقاد بشيخ الطريقة العقيدة الصحيحة: ومعنى هذا أن يحبوه ويحترموه ويقدروه ولا يهملوه ولا يعظمونه فوق الحد المطلوب، ولا يغلوا في حبه ولا يعتقدوا فيه العصمة فإنه بشر يخطئ ويصيب و يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه الغنية: {يا بني إياك أن تنظر إلى شيخك أنه معصوم إنما هو بشر يخطئ ويصيب فإن رأيت منه مخالفة فابحث له عن عذر شرعي فإن لم تجد له عذر فاستغفر له الله فإنه بشر يخطئ ويصيب}.
حب الشيخ: لكن حب الله والرسول مقدم عليه وهو المراد الحقيقي من السير والسلوك على يد الشيخ المرشد فهو دليلنا إلى حب الله ورسوله.


(13)
كثرة الذّكر لله تعالى: فالذكر هو المعراج في السير إلى الله في الطريقة القادرية، فمن أهم أعمال المريد كثرة الأذكار والمداومة عليها وعلى الاستغفار والصلاة على الرسول بالليل والنهار
محبة آل البيت: وحبهم مقدم على كل من سواهم من الناس لأنهم بضعة النبي ووصيته لأمته، مع الحب والتقدير والإكبار والإجلال للصحابة وعلى رأسهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب.
حب كل الأولياء والصالحين: وحب مشايخ ومرشدين الطرق الأخرى، ولا يفرقون ولا يميزون بين طريقة وأخرى، ولا يتعصبون لطريقتهم ولا يطعنون بالطرق الأخرى.
*
لقد بين الشيخ في هذه الأبيات بعض شروط الشيخ المربي وهي خمس. فإن لم تتوفر فيه فليس لديه الأهلية للإرشاد وهذه الشروط هي:
1. أن يكون عالماً بأحكام الشريعة والدين عالم بالحلال والحرام عالم بحدود الشرع وعالم بالسنة النبوية وعليم بأحكام الشريعة ظاهراً.
2. أن يكون عالماً بعلم الحقيقة والطريقة وعالم بأحوال القلوب والنفوس وطرق تزكيتها وخبير بأحوال السالكين وتدرجهم في الطريق إلى الله .
3. أن يكون كريماً سخياً مع ضيوفه والسخاء من صفات رب العالمين ومن خلق الرسول الكريم والصالحين.
4. أن يكون متواضعاً للمؤمنين يخضع لهم بالقول والفعل وهذه الخصلة هي من خصال النبي حيث أمره الله فقال له (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ).
5. أن يكون قد ناجحاً في تربية المريدين وتزكية نفوسهم ولن يكون له هذا إلا إذا كان قد زكى نفسه.


(14)
أماكن الانتشار:
ينتشر أتباع الطريقة القادرية في كثير من البلاد أشهرها: سوريا وتركيا والعراق والمغرب والجزائر وفلسطين ولبنان و الصومال وتنزانيا، وكينيا، وأوغندا، وموزمبيق والكاميرون ونيجيريا والصين والاتحاد السوفيتي وغانا وإيران والجزائر والسودان والنيجر ومالي وغينيا وتشاد وأفغانستان وباكستان والصومال وأندونيسيا ويوغسلافيا ومصر وتونس وماليزيا وارتيريا.
*
المراجع :
- كتاب الشيخ عبد القادر الجيلاني، الدكتور عبدالرازق الكيلاني.
- كتاب الطبقات ، محمد نور بن ضيف الله، تحقيق بروفيسور يوسف فضل حسن.


عبدالله الشقليني
1أغسطس 2018

 

آراء