باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 9 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

الضباط الذين انحازوا إلى ثورة ديسمبر والدولة المدنية في السودان

اخر تحديث: 8 أكتوبر, 2026 3:34 مساءً
شارك

الضباط الذين انحازوا إلى ثورة ديسمبر والدولة المدنية في السودان: بين العصيان العسكري وحماية المدنيين وإمكان بناء جيش ديمقراطي

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يتناول المقال بصورة شاملة دور الضباط والقادة العسكريين السودانيين الذين اتخذوا مواقف مؤيدة للثورة والانتقال الديمقراطي بعد ثورة ديسمبر 2018–2019، مع استبعاد محمد حمدان دقلو «حميدتي» من نطاق البحث، والتركيز على الضباط الذين ظهرت مواقفهم في صورة أفعال أو تصريحات أو مواقف عملية، وليس مجرد تأييد شكلي أو اضطراري لفكرة الانتقال السياسي.

ينطلق المقال من حقيقة أن موقف القوات المسلحة السودانية من ثورة ديسمبر لم يكن موقفاً موحداً أو ثابتاً. فقد ظهر داخل المؤسسة العسكرية تباين واضح بين مستويات القيادة والرتب المختلفة، وبين من تعاملوا مع الاحتجاجات باعتبارها تهديداً يجب احتواؤه، ومن رأوا ضرورة حماية المدنيين والمتظاهرين أو الاستجابة لمطالب التغيير. ولذلك يرفض المقال اختزال الجيش كله في موقف واحد، كما يرفض في الوقت نفسه الصورة الرومانسية التي تصور المؤسسة العسكرية بأكملها باعتبارها حامية للثورة. فالوقائع تشير إلى وجود عناصر وضباط صغار ومتوسطي الرتب تدخلوا لحماية المحتجين في لحظات حاسمة، في حين شاركت لاحقاً عناصر من القوات النظامية في قمع المعتصمين، وكان لقوات الدعم السريع دور بارز في أعمال العنف التي وقعت بعد سقوط عمر البشير.

ويشرح المقال أن المرحلة الأكثر دلالة بدأت خلال الأسابيع الأخيرة من نظام البشير، ولا سيما عند وصول الاحتجاجات إلى محيط القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم. ففي أبريل 2019، حاولت قوات أمنية تفريق المحتجين، لكن ضباطاً وجنوداً من الجيش تدخلوا في بعض المواقع لحماية المتظاهرين، ووقعت اشتباكات بين عناصر من القوات النظامية. وتكشف هذه الوقائع أن داخل المؤسسة العسكرية كان هناك استعداد لدى بعض الضباط لرفض استخدام القوة ضد المحتجين، وأن العلاقة بين الجيش والمتظاهرين لم تكن علاقة مواجهة مطلقة.

ويركز المقال بصورة خاصة على الضباط الذين ارتبطت أسماؤهم بأفعال واضحة. يأتي في مقدمتهم الملازم أول محمد صديق إبراهيم أحمد، الذي أصبح أحد أبرز الرموز العسكرية المرتبطة بالثورة بعد ظهوره وسط المحتجين خارج القيادة العامة في أبريل 2019. وقد أدى ظهوره إلى اكتساب شعبية واسعة بين الثوار، ثم تعرض للاعتقال والإجراءات العسكرية، وأدرج لاحقاً ضمن قائمة ضباط أحيلوا إلى التقاعد. ويعرض المقال هذه الواقعة باعتبارها من أوضح الحالات التي يمكن الاستناد إليها عند الحديث عن ضابط عسكري أظهر تأييداً عملياً للتغيير، وليس مجرد التزام رسمي بعملية سياسية.

ويتناول المقال أيضاً النقيب المهندس محمد سليمان بابكر، الذي ارتبط اسمه بمواقف مؤيدة للمحتجين، من بينها مشاركته في إفطار رمضاني مع المعتصمين في مقر القيادة العسكرية بالدمازين، وما ترتب على ذلك من إجراءات ومحاكمة عسكرية. ويشير المقال إلى أن أهمية حالته لا تتعلق فقط بالمشاركة الرمزية في الاحتجاجات، وإنما بما نُسب إليه لاحقاً من دعوة إلى إعادة هيكلة القوات المسلحة ومعالجة وضع قوات الدعم السريع وإعادة تنظيمها ضمن ترتيبات أمنية جديدة.

ويعرض المقال حالة النقيب حامد عثمان حامد، الذي ارتبط اسمه بحماية المعتصمين والتصدي للقوات التي حاولت تفريقهم، وتعرض لإصابة بطلق ناري خلال تلك الأحداث. وتمثل هذه الحالة، وفق عرض المقال، مثالاً آخر على أن بعض الضباط لم يكتفوا بالتعاطف مع المحتجين، وإنما تدخلوا بصورة مباشرة في لحظات الصدام لحمايتهم.

كما يناقش المقال العقيد أحمد ود المنسي، والعقيد صلاح كودة، والمقدم عمر أرباب، باعتبارهم من الضباط الذين ارتبطت أسماؤهم بمواقف مؤيدة للاحتجاجات، وبإجراءات عسكرية انتهت إلى التقاعد أو الإبعاد من الخدمة في الفترة السابقة لسقوط البشير. ويضع المقال هذه الحالات ضمن سياق أوسع من الإجراءات التي اتخذت ضد ضباط صغار ومتوسطي الرتب ارتبطت أسماؤهم بالثورة أو بالتعاطف معها.

ويؤكد المقال في الوقت نفسه أن هذه الحالات لا ينبغي جمعها في مستوى واحد من حيث قوة الأدلة أو طبيعة المواقف. فهناك فرق بين ضابط شارك فعلياً في حماية المتظاهرين، وضابط أعلن موقفاً سياسياً، وضابط تعرض لإجراء عسكري بسبب موقف من الاحتجاجات، وضابط أيد الانتقال السياسي بصورة عامة دون أن يطالب بسيطرة مدنية كاملة على المؤسسة العسكرية. ولذلك يقترح المقال التمييز بين التأييد الصريح للثورة، وحماية المتظاهرين، وتأييد الانتقال السياسي، والدعوة إلى إصلاح المؤسسة العسكرية، وبين المواقف العسكرية التقليدية التي قبلت انتقالاً سياسياً محدوداً مع الحفاظ على نفوذ المؤسسة العسكرية.

ويتناول المقال دور الضباط الصغار بصورة خاصة، لأن الدراسات المتعلقة بالثورات والانقلابات المدنية–العسكرية تشير إلى أن سلوك الرتب الدنيا والمتوسطة يمكن أن يصبح حاسماً عندما تصل الاحتجاجات إلى مرحلة المواجهة المباشرة. وفي الحالة السودانية، ساعد تدخل بعض هؤلاء الضباط والجنود في حماية المعتصمين خلال أيام الثورة الأخيرة على منع استخدام القوة الكاملة ضد المعتصمين في بعض اللحظات، كما ساهم في خلق انقسام داخل أجهزة الدولة حول كيفية التعامل مع الحراك الشعبي.

ويشير المقال إلى أن هذا السلوك لم يكن يعني أن الجيش أصبح مؤسسة ديمقراطية أو أنه تبنى بالكامل مطالب الثورة. فالقيادة العسكرية التي تولت السلطة بعد سقوط البشير شكلت المجلس العسكري الانتقالي، واستمرت المؤسسة العسكرية في الاحتفاظ بنفوذ سياسي وأمني واقتصادي كبير. ولذلك يميز المقال بين «ضباط ساندوا الثورة أو حموها في لحظات محددة» وبين «مؤسسة عسكرية تحولت إلى مؤسسة ديمقراطية». الأول يمكن إثباته من خلال وقائع محددة، أما الثاني فلا تدعمه مجمل الأحداث اللاحقة.

ويحلل المقال كذلك المرحلة التي أعقبت سقوط البشير في أبريل 2019. ففي الوقت الذي طالب فيه المحتجون بحكومة مدنية كاملة، سعى المجلس العسكري الانتقالي إلى الحفاظ على دور مركزي للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية في إدارة المرحلة الانتقالية. وظهر بذلك خلاف جوهري بين مطلب الثورة بإقامة سلطة مدنية وبين تصور القيادة العسكرية لدور القوات المسلحة في الدولة.

ويولي المقال أهمية خاصة لأحداث فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019، لأنها شكلت نقطة تحول أساسية في العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحركة المدنية. فقد تراجعت بصورة كبيرة صورة الجيش باعتباره الحامي المباشر للاعتصام، ووقعت أعمال عنف واسعة ضد المعتصمين. ويؤكد المقال أن وجود ضباط وجنود حموا المتظاهرين في أبريل لا يلغي مسؤولية المؤسسات والقوات التي شاركت في الانتهاكات اللاحقة، كما أن الانتهاكات اللاحقة لا تلغي حقيقة وجود أفراد عسكريين وقفوا إلى جانب المحتجين في مراحل سابقة.

ويستخدم المقال هذه المفارقة لإعادة صياغة السؤال الأساسي: ليس السؤال ما إذا كان «الجيش مع الثورة أو ضدها» بصورة كلية، وإنما ما هي مواقف الضباط المختلفين، وما مستوى استقلالهم عن القيادة، وما الأفعال التي قاموا بها، وما الذي حدث لهم بعد ذلك، وما حدود تأثيرهم في مسار الانتقال السياسي.

ويناقش المقال أيضاً قضية الضباط الذين أعلنوا تأييدهم للانتقال السياسي بصورة أكثر تحفظاً، ومن بينهم قيادات عسكرية أبدت استعداداً للانتقال إلى انتخابات وحكومة مدنية، لكنها لم تتبن بالضرورة مطلب إخراج المؤسسة العسكرية بالكامل من المجال السياسي أو تشكيل مجلس سيادة مدني خالص. ويؤكد المقال أن هذه الحالات يجب تصنيفها باعتبارها دعماً انتقالياً أو مشروطاً للعملية السياسية، لا باعتبارها مواقف مطابقة لمطالب الثورة المدنية.

ومن أهم الأفكار التي يطرحها المقال أن التمييز بين «التأييد الديمقراطي» و«التأييد الانتقالي» ضروري لفهم تاريخ المرحلة. فبعض الضباط أيدوا سقوط البشير لأن استمرار النظام أصبح غير ممكن، وبعضهم أيد التفاوض مع القوى المدنية، وبعضهم دافع عن الانتخابات، وبعضهم تدخل لحماية المتظاهرين، بينما اتخذ آخرون مواقف أكثر عمقاً تتعلق بإصلاح القوات المسلحة وإعادة بناء العلاقة بين الجيش والدولة. وبالتالي فإن وصف جميع هؤلاء بأنهم «ديمقراطيون» بالمعنى الكامل قد يتجاوز الأدلة المتاحة.

ويضع المقال مسألة إعادة هيكلة القوات المسلحة في قلب التحليل. فالثورة لم تكن تطالب فقط بإسقاط رأس النظام، وإنما بإعادة بناء الدولة والمؤسسات التي ترسخت داخلها سلطة النظام السابق. ولذلك فإن أي انتقال ديمقراطي مستدام يتطلب معالجة العلاقة بين الجيش والسياسة، وبين القوات النظامية والاقتصاد، وبين المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية، وبين القيادة العسكرية والسلطة المدنية المنتخبة.

ويربط المقال ذلك بمشكلة تعدد الجيوش والقوات المسلحة في السودان. فقد أدى وجود القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والحركات المسلحة والقوات شبه العسكرية والأجهزة الأمنية ذات القدرات المسلحة إلى تعقيد عملية بناء دولة مدنية موحدة. ومن ثم فإن إصلاح القطاع الأمني لا يمكن اختزاله في تغيير القيادات، وإنما يحتاج إلى توحيد منظومة القوة المسلحة تحت سلطة الدولة المدنية، وإعادة تنظيم القوات، وتحديد الاختصاصات، وإنشاء نظم واضحة للرقابة والمساءلة.

ويؤكد المقال أن الضباط المؤيدين للثورة، مهما كانت أهميتهم الرمزية، لا يستطيعون بمفردهم إحداث التحول الديمقراطي. فالتحول يعتمد على مؤسسات وقواعد قانونية وترتيبات مدنية قادرة على فرض الرقابة الديمقراطية على القطاع الأمني. ولذلك فإن الرهان على «ضباط وطنيين» بدلاً من بناء مؤسسات مدنية قوية قد يعيد إنتاج المشكلة نفسها، حتى لو كان الضباط المعنيون أكثر انفتاحاً على الديمقراطية.

ويعرض المقال كذلك البعد النظري للعلاقة بين الجيوش والديمقراطية، موضحاً أن التحول الديمقراطي في الدول التي لعب فيها الجيش دوراً سياسياً لا يتحقق بمجرد إعلان الجيش قبول الانتخابات. وإنما يتطلب إعادة تعريف موقع المؤسسة العسكرية في النظام السياسي، ووضع قواعد قانونية تمنع التدخل العسكري في الحكم، وإخضاع الميزانية والأنشطة الاقتصادية العسكرية للرقابة، وإقامة آليات مدنية فعالة للمساءلة، وضمان احترافية القوات المسلحة وعدم استخدامها كأداة حزبية.

ويستخدم المقال الحالة السودانية لتوضيح الفرق بين «احترافية الجيش» و«حكم الجيش». فالجيش المحترف وفق المفهوم المؤسسي الحديث يخضع للسلطة السياسية المدنية المنتخبة، بينما يصبح الجيش فاعلاً سياسياً عندما يحتفظ بحق تحديد شكل النظام السياسي أو التحكم في الحكومات أو امتلاك مؤسسات اقتصادية وأمنية مستقلة عن الرقابة المدنية. ومن ثم فإن الضابط الذي يؤيد الانتخابات قد يظل جزءاً من منظومة عسكرية ذات نفوذ سياسي إذا لم تتغير قواعد المؤسسة نفسها.

ويشير المقال إلى أن التجربة السودانية تقدم أيضاً درساً مهماً بشأن الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية. فوجود ضباط مؤيدين للثورة يمكن أن يخلق مساحة لحماية المدنيين أو منع بعض أعمال العنف، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى صراعات داخلية إذا لم توجد ترتيبات مؤسسية واضحة. ولذلك فإن الديمقراطية لا ينبغي أن تعتمد على انشقاق الجيش أو على تدخل ضباط أفراد، وإنما على إنشاء نظام دستوري يجعل حماية الديمقراطية مسؤولية مؤسسات الدولة ككل.

ويخصص المقال جانباً مهماً لمسألة الأدلة. فهو يميز بين الأخبار الموثقة، والشهادات، والتقارير الحقوقية، والمواقف العلنية، والذكريات الشخصية، والروايات السياسية المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي. ويؤكد أن مجرد تداول اسم ضابط باعتباره «صديقاً للثورة» لا يكفي لإثبات ذلك، وأن إثبات الموقف يحتاج إلى فعل موثق أو تصريح واضح أو وثائق رسمية أو شهادات متعددة مستقلة.

وبناءً على ذلك، يصنف المقال الأدلة إلى مستويات مختلفة: أفعال مباشرة وموثقة، تصريحات علنية موثقة، إجراءات عسكرية مرتبطة بالموقف السياسي، شهادات متعددة مستقلة، ثم روايات غير مؤكدة أو متداولة دون سند كافٍ. ويشدد على عدم تقديم الأسماء الموجودة في المستوى الأخير باعتبارها حقائق ثابتة.

ويحذر المقال من التوسع في قائمة الضباط لمجرد أن أسماءهم ظهرت في روايات صحفية أو منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. فالهدف ليس إنتاج قائمة طويلة، وإنما تحديد الحالات التي يمكن الدفاع عنها أكاديمياً. ولهذا يعطي المقال وزناً أكبر لمحمد صديق إبراهيم أحمد ومحمد سليمان بابكر وحامد عثمان حامد، مع إدراج بعض الضباط الآخرين في سياق أوسع مع توضيح طبيعة الأدلة المتاحة بشأن كل حالة.

ويخلص المقال إلى أن الثورة السودانية لم تكن مواجهة بسيطة بين المدنيين والجيش، بل كانت أيضاً صراعاً داخل مؤسسات القوة نفسها حول كيفية التعامل مع الحركة الشعبية. وقد ظهر داخل الجيش ضباط وجنود رأوا ضرورة حماية المواطنين أو قبول التغيير، بينما استمرت قيادات ومؤسسات عسكرية وأمنية في الدفاع عن نفوذها السياسي. وهذه الازدواجية تفسر جانباً من تعقيد المرحلة الانتقالية بعد سقوط البشير.

ويؤكد المقال أن القيمة التاريخية للضباط الذين دعموا الثورة لا تكمن في تحويلهم إلى أبطال مؤسسيين أو في منح المؤسسة العسكرية شهادة ديمقراطية، وإنما في إثبات أن المؤسسة لم تكن كتلة واحدة وأن قرارات الأفراد يمكن أن تحدث فرقاً في لحظات الانهيار السياسي. كما تكشف هذه الحالات أن الإصلاح الديمقراطي داخل الجيش ممكن من حيث المبدأ، لكنه لا يصبح مستداماً إلا عندما يتحول من مواقف فردية إلى قواعد مؤسسية.

ويضع المقال في خاتمته مجموعة من الدروس الأساسية للمرحلة الانتقالية وما بعد الحرب. أولها أن حماية المدنيين يجب أن تكون واجباً مؤسسياً لا مبادرة فردية. وثانيها أن القوات المسلحة يجب أن تكون خاضعة للسلطة المدنية والدستور والقانون. وثالثها أن تعدد القوات المسلحة وشبه العسكرية يجب أن يعالج ضمن إصلاح شامل للقطاع الأمني. ورابعها أن العدالة والمساءلة عن الانتهاكات لا تتعارضان مع إصلاح المؤسسات، بل تشكلان شرطاً لاستعادة الثقة فيها. وخامسها أن الانتقال الديمقراطي لا يمكن أن يقوم على حسن نية بعض القادة العسكريين، وإنما يحتاج إلى مؤسسات مدنية منتخبة وقواعد دستورية وآليات رقابة مستقلة.

وبذلك ينتهي المقال إلى أن أبرز ما يمكن إثباته تاريخياً هو وجود مجموعة من الضباط السودانيين الذين اتخذوا مواقف عملية أو علنية مؤيدة للثورة أو لحماية المحتجين أو للانتقال السياسي بعد ثورة ديسمبر، مع اختلاف كبير بينهم في طبيعة الموقف ومداه. ولا يجوز مساواة هذه الحالات جميعاً، كما لا يجوز تحويلها إلى دليل على أن القوات المسلحة ككل كانت مؤيدة للديمقراطية. والأدق هو النظر إليها باعتبارها جزءاً من الانقسام المؤسسي والسياسي الذي صاحب سقوط نظام البشير، وباعتبارها دليلاً على وجود تيار داخل المؤسسة العسكرية كان مستعداً، بدرجات متفاوتة، لقبول التغيير وحماية المدنيين أو دعم الانتقال السياسي.

ويؤكد المقال في النهاية أن التجربة السودانية تطرح سؤالاً أعمق من سؤال أسماء الضباط: كيف يمكن تحويل المواقف الفردية المؤيدة للديمقراطية داخل المؤسسات العسكرية إلى بنية مؤسسية دائمة تجعل الجيش مؤسسة وطنية مهنية تحت القيادة المدنية، وتحمي حقوق المواطنين، وتمنع استخدام القوة المسلحة للاستيلاء على السلطة أو تعطيل الانتقال الديمقراطي؟ ويعتبر المقال أن الإجابة عن هذا السؤال هي جوهر إصلاح الدولة السودانية بعد الحرب، وأن نجاح أي انتقال ديمقراطي مستقبلي سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة المجتمع والدولة على بناء هذه العلاقة المؤسسية الجديدة بين القوات المسلحة والسلطة المدنية.

النص الكامل للمقال

أولاً: الضباط الذين توجد بشأنهم أقوى أدلة مباشرة

تكشف دراسة مسار العلاقة بين القوات المسلحة السودانية وثورة ديسمبر 2018–2019 عن حقيقة أكثر تعقيداً من الصورة التي تختزل موقف الجيش في قيادة المجلس العسكري الانتقالي. فقد كان داخل القوات المسلحة تيار من الضباط والجنود، ولا سيما في الرتب الدنيا والمتوسطة، اتخذ مواقف عملية لصالح المتظاهرين، ورفض في لحظات حاسمة استخدام القوة ضدهم، بل اشتبك بعضهم مع أجهزة أمنية حاولت تفريق المعتصمين. وتؤكد الأدبيات الأكاديمية الحديثة أن حماية ضباط صغار للمتظاهرين ورفضهم الانصياع لبعض الأوامر مثّلا دليلاً على وجود انقسام حقيقي داخل المؤسسة العسكرية، وأن هذا الانقسام كان أحد العوامل التي جعلت استمرار نظام عمر البشير غير قابل للاستدامة (Davies, 2023).

ومن الضروري، منهجياً، التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة من المواقف العسكرية. المستوى الأول هو الموقف الاحتجاجي ضد نظام البشير، والمستوى الثاني هو حماية المدنيين ورفض قمع الثورة، والمستوى الثالث والأكثر صرامة هو تأييد إقامة نظام مدني ديمقراطي وعدم قبول استمرار المؤسسة العسكرية لاعباً سياسياً. ولا تتوافر الأدلة المتساوية على هذه المستويات لجميع الضباط. ولذلك فإن وصف ضابط بأنه «مؤيد للديمقراطية» ينبغي ألا يُستنتج من مجرد معارضته للبشير، بل من مجموع أفعاله وتصريحاته وسلوكه خلال الانتقال.

ومن أقوى الأمثلة على ذلك العقيد ركن أحمد محمد علي، المعروف بأحمد ود المنسي. فقد كان من الضباط الذين اتخذوا موقفاً مؤيداً للاحتجاجات قبل سقوط البشير، وتعرض لعقوبة الإيقاف الشديد ثم أُحيل إلى التقاعد في مارس 2019. وتورد المصادر الصحفية السودانية الموثوقة أن إحالته، إلى جانب العقيد صلاح الكودة والمقدم بحري عمر أرباب، جاءت بعد إجراءات تأديبية ارتبطت بتأييد الاحتجاجات ضد حكومة البشير (فضل، 2020). وتكتسب هذه الواقعة أهمية تحليلية لأنها حدثت قبل سقوط النظام؛ أي أن هؤلاء الضباط لم ينتظروا تغير ميزان القوة السياسي حتى يعلنوا مواقفهم.

ويأتي العقيد صلاح الكودة في الفئة نفسها. فقد تعرض للإيقاف الشديد ثم أُحيل إلى التقاعد في مارس 2019 بسبب موقفه المؤيد للاحتجاجات. وتربط المصادر بينه وبين مواقف رافضة لاستخدام القوة ضد المحتجين. ومن ثم فإن أهميته لا تكمن في مجرد كونه عسكرياً معارضاً للبشير، وإنما في أنه تحمل تكلفة مهنية بسبب موقف اتخذه أثناء استمرار النظام، وهو ما يميز المعارضة العسكرية الفعلية عن التكيف السياسي اللاحق (فضل، 2020).

ويبرز كذلك المقدم بحري عمر أرباب، الذي يمثل حالة أكثر وضوحاً لاستمرار الموقف بعد الثورة. فقد أُوقف وأُحيل إلى التقاعد في مارس 2019 على خلفية تأييده للاحتجاجات، ثم استمر بعد ذلك في انتقاد استمرار الهيمنة العسكرية على السياسة والدعوة إلى إصلاح القطاعين العسكري والأمني. وفي السنوات اللاحقة ظهر في نقاشات عامة مع لجان المقاومة حول إصلاح المؤسسة العسكرية، وانتقد تركيز السلطة السياسية والاقتصادية في يد القيادة العسكرية (أرباب، 2023). وهذا الاستمرار مهم لأنه يقلل من احتمال تفسير موقفه السابق باعتباره مجرد رفض شخصي للبشير لا أكثر.

أما المقدم ركن طيار خالد البدوي، فقد ارتبط اسمه بالروايات المتعلقة بحماية المعتصمين داخل محيط القوات الجوية والقيادة العسكرية في الأيام الحاسمة السابقة لسقوط البشير. وتندرج حالته ضمن ظاهرة أوسع وثقتها مصادر مستقلة: ضباط وجنود من القوات المسلحة تدخلوا لحماية المعتصمين عندما حاولت أجهزة أمنية وقوات أخرى تفريقهم. وقد وثقت منظمة العفو الدولية أن ضباطاً صغاراً في الجيش فتحوا النار، في 8 أبريل 2019، أثناء محاولة قوات الأمن تفريق المتظاهرين أمام القيادة العامة، في سياق بدا فيه أن هؤلاء الضباط يستخدمون القوة لحماية المدنيين وليس لقمعهم (Amnesty International, 2019).

وتتضح هذه الظاهرة أكثر في حالة النقيب حامد عثمان حامد، الذي تعرض للإصابة بأعيرة نارية أثناء تصديه لقوات حاولت فض الاعتصام. وتذكر المصادر التي تابعت قوائم الضباط الذين تعرضوا للمحاكمة أو الإحالة أن حامد كان من الضباط الذين ارتبطت أسماؤهم مباشرة بحماية المعتصمين، وأنه تعرض للمحاكمة بعد ذلك (فضل، 2020). ولذلك فإن حالته تمثل انتقالاً من التعاطف السياسي مع الثورة إلى الفعل العسكري المباشر لحماية المدنيين.

ويأتي في مقدمة هذه الحالات الملازم أول محمد صديق إبراهيم أحمد، الذي أصبح أحد أكثر الرموز العسكرية ارتباطاً بثورة ديسمبر. ففي 9 أبريل 2019 ظهر أمام المعتصمين في القيادة العامة، وانحاز إلى المتظاهرين مع جنود تحت قيادته، معلناً عملياً أن وجودهم كان لحماية المعتصمين. وتؤكد التقارير أنه اعتُقل لفترة قصيرة ثم أعيد إلى وحدته، قبل أن تدرج قيادة الجيش اسمه في قوائم إحالة عدد من الضباط إلى التقاعد في فبراير 2020. وقد اعتبره المحتجون أول ضابط عسكري ينضم علناً إلى المعتصمين أمام القيادة العامة خلال تلك المرحلة (Sudan Tribune, 2020).

وتكمن أهمية محمد صديق في أن موقفه لم يكن مجرد تصريح سياسي؛ فقد اتخذ صورة عصيان عسكري علني للأوامر في لحظة حرجة. وقد أصبحت صورته أمام القيادة العامة رمزاً لمفهوم مختلف لدور الجندي: حماية الشعب لا حماية النظام. ولهذا السبب تحول قرار إحالته إلى التقاعد في فبراير 2020 إلى قضية عامة، وخرجت احتجاجات رافضة لإبعاد الضباط الذين اعتبرتهم قطاعات واسعة من قوى الثورة حماة للمعتصمين (فضل، 2020).

وتتأكد أهمية هذه الحالة من حقيقة أن الجيش نفسه لم ينكر وجود الإحالة، ولكنه قدم تفسيراً إدارياً مختلفاً، قائلاً إن إحالة محمد صديق جاءت لأسباب تتعلق بالانضباط وليس بسبب موقفه من الثورة. وهذه المفارقة مهمة أكاديمياً؛ فهي تبيّن الفرق بين الدليل على وقوع الإجراء العسكري وبين تفسير القيادة لسببه. ولذلك فإن الباحث لا ينبغي أن يحول الادعاء السياسي إلى حقيقة، بل يسجل أن الضابط كان قد انحاز إلى المعتصمين، وأنه اعتُقل ثم أُدرج ضمن المحالين إلى التقاعد، وأن القيادة قدمت تفسيراً إدارياً للقرار (Sudan Tribune, 2020).

ويأتي النقيب المهندس محمد سليمان بابكر ضمن المجموعة نفسها. فقد شارك المعتصمين إفطار رمضان أمام قيادة الجيش في الدمازين، وتعرض للمحاكمة العسكرية، ثم ورد اسمه ضمن قوائم الإحالة إلى التقاعد في فبراير 2020. كما نُسب إليه بعد ذلك موقف يدعو إلى إعادة هيكلة القوات المسلحة ودمج قوات الدعم السريع بعد تأهيلها، وهو ما يعكس انتقال موقفه من مجرد التضامن مع الثورة إلى التفكير في إصلاح بنية القطاع الأمني (فضل، 2020).

هذه الحالات السبع — أحمد ود المنسي، صلاح الكودة، عمر أرباب، خالد البدوي، حامد عثمان حامد، محمد صديق إبراهيم أحمد، ومحمد سليمان بابكر — تمثل، بدرجات متفاوتة، أقوى النواة الموثقة للضباط الذين اتخذوا مواقف عملية لصالح ثورة ديسمبر أو حماية المدنيين أو إصلاح المؤسسة العسكرية. ولا يعني ذلك أنهم شكلوا تنظيماً موحداً أو تياراً أيديولوجياً واحداً؛ فالمتاح من الأدلة لا يثبت وجود قيادة سياسية أو تنظيم عسكري موحد يجمعهم.

ثانياً: مجموعة الضباط الذين اعتُقلوا بسبب الانحياز للثوار

إلى جانب الأسماء الأكثر توثيقاً، تظهر مجموعة من الضباط الذين ارتبطت أسماؤهم باعتقالات أو إجراءات عسكرية بسبب الانحياز للثوار. ومنهم الملازم أول طيار محمد حسن فضل المولى، الذي اعتُقل في 8 أبريل 2019 في مباني الأمن الإيجابي التابعة للاستخبارات العسكرية، والملازم أول طيار عمر الفاروق الذي تورد المصادر السودانية أنه فتح بوابة القوات الجوية لإيواء المعتصمين وحمايتهم ثم تعرض للاعتقال. كما وردت أسماء النقيب طيار حمد، والملازم أول إبراهيم عبد الغفور، والملازم أول طيار مصطفى شرف الدين ضمن الضباط الذين اعتُقلوا في تلك الفترة. وتظهر كذلك أسماء النقيب المهندس وليد مصطفى سليمان محمد، والنقيب المهندس فضل الله عبد الله الشفيع، والنقيب المهندس منصف حميدة، والرائد المهندس طه المبارك ضمن قوائم الضباط المعتقلين المرتبطين بالحراك العسكري المؤيد للثورة (عبد الله علي إبراهيم، 2019).

كما ورد اسم النقيب المهندس ضياء الدين خضر ضمن ضباط صغار قيل إنهم اعتُقلوا في سياق تلك الأحداث، وإن كانت التفاصيل المتاحة عن دوره الفردي أقل من التفاصيل المتوافرة عن محمد صديق أو عمر الفاروق أو حامد عثمان حامد. ولهذا فإن المنهج الأكاديمي يقتضي عدم وضع جميع هذه الأسماء في مستوى واحد من الإثبات. فهناك فرق بين إثبات الاعتقال في سياق الحراك العسكري وبين إثبات فعل محدد قام به الضابط لحماية المدنيين أو المطالبة بالحكم المدني.

وتؤكد هذه المجموعة ظاهرة مؤسسية أوسع. فقد ذكرت تقارير معاصرة أن ضباطاً صغاراً انضموا إلى المحتجين في 9 أبريل، وأن الجيش اشتبك مع قوات أمنية حاولت تفريق الاعتصام، وأن أبواب مقر القيادة فُتحت لإيواء المتظاهرين. كما وثقت تقارير مستقلة وجود عقيد ورائد يتحدثان مع المعتصمين، إضافة إلى ملازمين أول أعلنوا للمحتجين دعم الجيش لهم (Sudan Tribune, 2019).

وتدعم منظمة هيومن رايتس ووتش هذا الاستنتاج من زاوية مستقلة؛ فقد وثقت أن بعض الجنود والضباط ذوي الرتب المنخفضة حموا المتظاهرين بإطلاق النار على المهاجمين وإدخال المدنيين إلى داخل الثكنات، واعتبرت ذلك دليلاً واضحاً على الانقسام داخل الأجهزة الأمنية (Human Rights Watch, 2019). كما وثقت منظمة العفو الدولية إطلاق ضباط صغار النار في 8 أبريل أثناء محاولة أجهزة الأمن تفريق المعتصمين (Amnesty International, 2019).

ومن هنا تظهر أهمية هذه المجموعة بالنسبة إلى فهم الثورة: لم يكن الانحياز العسكري للثورة محصوراً في شخص واحد، ولم يكن مجرد قرار صادر من القيادة العليا للجيش. فقد حدثت عملية أفقية جزئية داخل الرتب الدنيا والمتوسطة، تحرك خلالها عدد من الضباط بصورة مستقلة أو شبه مستقلة، وهو ما جعل القيادة العليا أمام خطر انقسام مؤسسي أعمق.

ثالثاً: لماذا يختلف هؤلاء جذرياً عن البرهان وكباشي والعطا؟

التمييز بين هذه المجموعة وبين الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، والفريق أول ركن شمس الدين كباشي، والفريق أول ركن ياسر العطا ضروري لفهم طبيعة التحول السوداني. فقد شارك هؤلاء الثلاثة في المؤسسات الانتقالية وفي التفاوض الذي أدى إلى الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية لعام 2019، لكن الأدلة اللاحقة تجعل من الصعب اعتبار مسارهم نموذجاً ثابتاً للدفاع عن الديمقراطية.

فالوثيقة الدستورية لعام 2019 صممت مرحلة انتقالية تجمع المدنيين والعسكريين، بهدف الوصول إلى نظام ديمقراطي مدني، لكنها أبقت القوات المسلحة داخل مؤسسة الحكم، وهو ما خلق تناقضاً بنيوياً بين الانتقال الديمقراطي واستمرار النفوذ العسكري المؤسسي (International IDEA, 2022). وقد رأت دراسات مراكز الفكر أن التسوية كانت نتيجة اختلال كبير في ميزان القوة بين المدنيين والعسكريين، وأن قبول قوى الحرية والتغيير بالشراكة العسكرية كان تسوية اضطرارية لتجنب الفراغ والعنف، لا تعبيراً عن انتقال كامل للسلطة إلى المدنيين (Marsden, 2019).

وتشير الأدبيات المتخصصة إلى أن المؤسسة العسكرية السودانية لم تتعامل مع المرحلة الانتقالية باعتبارها مجرد طريق تقني نحو انتخابات، بل كانت لها مصالح سياسية واقتصادية ومؤسسية راسخة. فقد أصبحت القوات المسلحة عبر عقود لاعباً سياسياً واقتصادياً، وارتبط القطاع الأمني بشبكات مصالح واسعة، فيما أدت سياسات نظام البشير إلى اختراق المؤسسة العسكرية وتسييسها وربط جزء من نفوذها بالاقتصاد السياسي للدولة (Tchie & Ali, 2021). كما تؤكد دراسات القطاع الأمني السوداني أن القوات المسلحة أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً منذ عقود، وأن الإسلاميين عملوا على اختراق قياداتها، بالتوازي مع توسع ارتباط القطاع الأمني بالنشاط الاقتصادي (Young, 2017).

لهذا السبب لا ينبغي مساواة الموافقة على انتقال تفاوضي محدود مع الالتزام بمبدأ الديمقراطية المدنية. فالمعيار الأقوى هو ما إذا كان الضابط مستعداً لقبول مبدأ خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية المنتخبة، وخروج الجيش من النشاط السياسي والاقتصادي، وقبول المساءلة القانونية، وإعادة بناء القطاع الأمني على أساس مهني.

وقد أظهرت أحداث 25 أكتوبر 2021 بوضوح حدود التسوية السابقة. ففي ذلك اليوم أعلن البرهان حل مجلسي السيادة والوزراء وفرض حالة الطوارئ واعتُقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعدد من المسؤولين، وهو ما وصفته هيومن رايتس ووتش بأنه استيلاء عسكري على السلطة (Human Rights Watch, 2021). كما اعتبرت مؤسسة كارنيغي أن الانقلاب أظهر أن إعادة تمركز السلطة العسكرية بقيت جوهرية في النظام الانتقالي (Sayigh, 2021).

وفي المقابل، فإن أهمية ضباط مثل محمد صديق وعمر أرباب وحامد عثمان حامد لا تنبع من امتلاكهم مشروعاً سياسياً كاملاً، وإنما من السلوك الذي اتخذوه عندما تعارضت أوامر السلطة مع حماية المدنيين. وهذه نقطة مركزية في أدبيات العلاقات المدنية–العسكرية. فالأبحاث المقارنة تميز بين ثلاثة سلوكيات عسكرية أثناء انهيار الأنظمة السلطوية: الولاء للنظام، والانسحاب أو عدم المشاركة في القمع، والانحياز الفعلي إلى المحتجين (Albrecht & Ohl, 2016).

والأكثر أهمية أن الانشقاق العسكري لا يعني تلقائياً الديمقراطية. فقد بينت دراسات مقارنة أن الجيش يمكن أن ينقلب على الحاكم من أجل حماية مصالحه المؤسسية أو لإعادة صياغة النظام من الداخل، وأن الانقلاب العسكري والانشقاق لصالح الاحتجاجات ليسا الشيء نفسه (Kingma Neu, 2022). كما أظهرت دراسة أوسع أن أنماط الانشقاق تختلف بحسب طبيعة تسييس الجيش واستخدام النظام لأجهزة الأمن الداخلي وتوزيع الامتيازات داخل المؤسسة العسكرية (Kingma Neu, 2023).

ومن هذا المنظور يمكن تفسير تجربة السودان باعتبارها حالة انشقاق جزئي داخل مؤسسة عسكرية مسيّسة. فقد وجد ضباط شباب أن حماية المتظاهرين تتفق مع تصورهم لدور الجيش الوطني، في حين سعت القيادة العليا إلى إدارة الثورة من موقع المؤسسة العسكرية، وانتهى المسار إلى شراكة مدنية–عسكرية هشة ثم انقلاب 2021.

ويؤكد هذا التحليل البحث المقارن الذي يدرس نهايات الأنظمة السلطوية أن سلوك الجيش لا يتحدد فقط بموقفه الأخلاقي من الديمقراطية، بل بمصالح القيادة، وبنية المؤسسة، ومستوى تسييسها، وتاريخها في الانقلابات، وعلاقتها بالمجتمع، وتقديرها لاحتمالات بقاء النظام أو سقوطه (Croissant et al., 2018; Koehler, 2017). وفي الحالة السودانية، كان الجيش قد حكم البلاد أو شارك مباشرة في حكمها مراراً منذ الاستقلال، الأمر الذي يجعل فكرة «الجيش المنقذ للديمقراطية» غير كافية لتفسير سلوكه.

ومن أكثر النتائج أهمية أن الجيش الذي يساعد في إسقاط حاكم مستبد لا يصبح تلقائياً جيشاً ديمقراطياً. فقد تكون لحظة إسقاط الدكتاتور نتيجة تقاطع مصالح بين الشارع والمؤسسة العسكرية، ثم يبدأ الصراع الحقيقي بعد سقوط الحاكم حول سؤال: من يملك الدولة؟ ومن يملك الاقتصاد؟ ومن يملك السلاح؟ ومن يملك حق تحديد شكل النظام السياسي؟

وهذا بالضبط ما حدث في السودان. فقد كان هناك تقارب مؤقت بين الثورة الشعبية وأجزاء من القوات المسلحة في مواجهة نظام البشير، لكن ذلك التقارب لم يتحول إلى اتفاق على مبدأ السيادة المدنية الكاملة. ولذلك تحولت العلاقة بعد سقوط البشير من تحالف ظرفي إلى صراع حول السلطة الانتقالية.

وتكشف حالة الفريق أول طيار ركن صلاح عبد الخالق سعد، قائد القوات الجوية وعضو المجلس العسكري الانتقالي، هذه المنطقة الرمادية بوضوح. فقد صرح في مايو 2019 بأن الجيش هو الذي حمى الثورة وأن القوات المسلحة لا تستخدم السلاح ضد المدنيين، وقال إن الجيش أتاح للمتظاهرين الوصول إلى القيادة العامة، كما ذكر أن القوات المسلحة طالبت البشير بالتنحي عندما أصر على الحل الأمني (عبد الخالق، 2019). وفي يونيو 2019 قال إن المجلس العسكري لا يريد حكم السودان إلى الأبد وإنه يريد انتقالاً سياسياً خلال أشهر (Sayigh, 2020).

لكن عبد الخالق لم يتبنَّ في الوقت نفسه مبدأ الحكم المدني الكامل؛ فقد أعلن أن المجلس العسكري لن يسلم السلطة إلا لحكومة منتخبة، ورفض أن يكون مجلس السيادة مدنياً بالكامل (عبد الخالق، 2019). ولذلك فإن إدراجه في تاريخ العلاقة بين الجيش والثورة مهم، لكنه لا يبرر وضعه في الفئة نفسها مع الضباط الذين عصوا الأوامر لحماية المعتصمين. إنه مثال على التأييد العسكري للانتقال السياسي المقيد وليس بالضرورة على الالتزام بمبدأ إخراج الجيش من السياسة.

أما الفريق أول بحري ركن عبد الله المطري الفرضي حامد، فقد شغل منصب المفتش العام للقوات المسلحة خلال الفترة الانتقالية، وأُعفي من منصبه في فبراير 2020. وتناولت احتجاجات فبراير 2020 إبعاد عدد من الضباط الذين اعتبرهم المحتجون مناصرين للثورة، وكان المطري من الأسماء التي وردت في التغطية الصحفية لتلك الاحتجاجات (الجزيرة، 2020). كما كان رئيس اللجنة العليا للنظر في قضايا المفصولين تعسفياً من القوات المسلحة، وهي لجنة عملت خلال الفترة الانتقالية على مراجعة أوضاع ضباط وضباط صف وجنود سبق فصلهم أو إحالتهم لأسباب اعتبرها أصحابها سياسية.

غير أن الأدلة المتاحة لا تكفي لوضع المطري في الفئة نفسها مع محمد صديق أو عمر أرباب أو صلاح الكودة؛ فالدليل الأقوى يتعلق بموقعه في إصلاح أوضاع المفصولين وبإبعاده في 2020، وليس لدينا من المصادر الموثوقة المتاحة ما يكفي لإثبات أنه كان صاحب برنامج متكامل للديمقراطية المدنية. ومن ثم فإن تصنيفه ضمن الشخصيات العسكرية ذات الصلة بالإصلاح المؤسسي أدق من وصفه بأنه أحد قادة التيار الديمقراطي داخل الجيش.

رابعاً: التفسير النظري لسلوك الضباط المنحازين للثورة

يمكن فهم هذه الحالات بصورة أفضل من خلال الانتقال من سؤال «هل كان الضابط ديمقراطياً؟» إلى سؤال أكثر قابلية للبحث: ما الذي دفع الضابط إلى رفض أوامر القمع، وما الذي جعله مستعداً لتحمل تكلفة مهنية أو أمنية نتيجة ذلك؟

توضح نظرية العلاقات المدنية–العسكرية التقليدية أن الجيش المهني يفترض الفصل بين المؤسسة العسكرية والسياسة، وأن احتراف القوات المسلحة يفترض خضوعها للسلطة السياسية المدنية المنتخبة (Huntington, 1957). لكن التجارب الحديثة بينت أن الاحتراف العسكري وحده لا يكفي؛ فقد يكون الجيش مهنياً في التنظيم والتدريب والتسليح، لكنه يحتفظ في الوقت نفسه بمصالح سياسية واقتصادية تجعله لاعباً مستقلاً داخل الدولة.

ومن هنا جاءت المقاربات الحديثة التي تميز بين المهنية العسكرية، والتسييس العسكري، والمصالح المؤسسية، والانقسامات داخل المؤسسة. وقد بينت الأدبيات أن الأنظمة السلطوية تستطيع استخدام التعيينات والترقيات والامتيازات الاقتصادية والأجهزة الأمنية الموازية لتقسيم الجيش ومنع نشوء موقف موحد ضد النظام (Koehler, 2017; Kingma Neu, 2023).

وهذه المقاربة شديدة الصلة بالسودان. فقد عمل نظام البشير على إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية والأمنية بحيث أصبحت الولاءات السياسية والاقتصادية جزءاً من بنية السلطة. وفي الوقت نفسه نشأت قوات مسلحة وأجهزة أمنية متعددة، وأصبح الاحتكار الفعلي لاستخدام القوة موزعاً بين القوات المسلحة والدعم السريع والأجهزة الأمنية وغيرها.

وتشير دراسة حديثة عن القوات المسلحة السودانية إلى أن الضباط الصغار الذين حموا المتظاهرين عام 2019 أظهروا أن المؤسسة لم تكن كتلة واحدة، وأن الخوف من انقسام عنيف داخل الجيش كان حقيقياً (Davies, 2023). وهذه النتيجة تتوافق مع الأدبيات المقارنة التي ترى أن الأنظمة شديدة التسييس قد تنتج انشقاقات مجزأة بدلاً من انشقاق موحد، لأن الضباط يختلفون في مصالحهم ومواقعهم وعلاقاتهم بالسلطة (Kingma Neu, 2023).

ويمكن صياغة نموذج تفسيري خاص بالسودان يتكون من خمسة عناصر مترابطة: الشرعية الوطنية للجيش، والهوية المهنية للضابط، والتعرض المباشر للعنف ضد المدنيين، والمصالح المؤسسية للقيادة، وانفتاح المؤسسة على المجتمع. كلما شعر الضابط أن استخدام القوة ضد المدنيين يتعارض مع مهمته المهنية وصورته عن الجيش الوطني، وكلما كان ارتباطه بالمصالح السياسية للنظام أضعف، زادت احتمالات رفضه للقمع.

وقد لعبت ثورة ديسمبر دوراً مهماً في إعادة تعريف العلاقة بين الجيش والمجتمع. فالاحتجاجات لم تكن حركة نخبوية محدودة، وإنما حركة جماهيرية واسعة ذات امتداد اجتماعي وجغرافي، وهو ما جعل من الصعب على المؤسسة العسكرية أن تتعامل معها باعتبارها عدواً خارجياً. وتوضح الدراسات المقارنة أن التنوع الاجتماعي للحركات الاحتجاجية يمكن أن يزيد قدرتها على إحداث انقسامات داخل أجهزة الدولة، لأنها تصبح أكثر قدرة على الوصول إلى قطاعات من المجتمع ترتبط أصلاً بأفراد القوات المسلحة (Dahlum, 2023).

ومن هنا يمكن تفسير ظاهرة الضباط الذين انحازوا إلى الثورة ليس فقط باعتبارها «شجاعة فردية»، وإنما أيضاً بوصفها نتيجة تداخل اجتماعي ومهني بين الجيش والمجتمع السوداني.

خامساً: من حماية الثورة إلى بناء جيش ديمقراطي

لا تكفي بطولة الضابط الفردية لإنشاء مؤسسة عسكرية ديمقراطية. فالتحول المؤسسي يحتاج إلى قواعد واضحة تحدد وظيفة القوات المسلحة، وسلسلة القيادة، والرقابة المدنية، والميزانية، والاقتصاد العسكري، والتعيينات والترقيات، والقضاء العسكري، وعلاقة الجيش بالأجهزة الأمنية والقوات شبه العسكرية.

ولهذا فإن التجربة السودانية تقدم درساً مهماً: الضابط الذي يحمي المتظاهرين يمكن أن يكون عاملاً ضرورياً في إسقاط الاستبداد، لكنه ليس بديلاً عن إصلاح المؤسسة العسكرية.

وقد أظهرت وثيقة 2019 ضعف هذا الجانب؛ إذ أنشأت شراكة مدنية–عسكرية، لكنها لم توفر آليات كافية لإعادة بناء القطاع الأمني أو لإخضاع الاقتصاد العسكري لرقابة مدنية فعالة. وتشير International IDEA إلى أن إصلاح القطاع الأمني كان شرطاً أساسياً لإنجاح الانتقال، بينما بقيت قدرة المدنيين على السيطرة على المؤسسات العسكرية والاقتصادية محدودة (International IDEA, 2022).

كما خلصت دراسات الاقتصاد السياسي للانتقال إلى أن إعادة هيكلة الدولة السودانية تتطلب إخضاع الاقتصاد والدفاع والأمن للسلطة المدنية، لأن استمرار الاستقلال الاقتصادي للمؤسسات الأمنية يجعل الاستقلال السياسي للمدنيين ناقصاً (Tchie & Ali, 2021).

وتؤكد المقارنة السودانية أن الإصلاح ينبغي أن يتجاوز إعادة توزيع المناصب داخل القيادة. فالمشكلة ليست فقط في «من يقود الجيش»، بل في القواعد التي تجعل الجيش قادراً على التدخل في السياسة والاقتصاد. ولذلك فإن استبدال قائد بآخر من دون إصلاح البنية المؤسسية قد يعيد إنتاج المشكلة نفسها.

وهنا تظهر أهمية الضباط الذين انحازوا إلى الثورة في تصور مستقبل الجيش. فالقيمة التاريخية لمواقف محمد صديق وحامد عثمان حامد وصلاح الكودة وعمر أرباب وغيرهم ليست أنهم يمثلون «حكومة عسكرية بديلة»، وإنما أنهم يقدمون نموذجاً مختلفاً للولاء العسكري: الولاء للدولة والشعب والقانون، وليس للحاكم أو القيادة السياسية الشخصية.

ويقتضي هذا النموذج الحديث أن يكون العسكري قادراً على رفض أمر غير قانوني دون أن يتحول إلى فاعل سياسي؛ وأن تحمي المؤسسة العسكرية حق المدنيين في الاحتجاج؛ وأن تكون مهمة الجيش الدفاع عن الدولة لا إدارة الدولة؛ وأن تكون الميزانية العسكرية خاضعة للمؤسسات الدستورية؛ وأن تكون الشركات الاقتصادية العسكرية تحت الرقابة المدنية؛ وأن تتم الترقيات والتعيينات على أساس مهني لا على أساس الولاء السياسي.

سادساً: حدود الأدلة ومشكلة صناعة «أبطال الجيش الديمقراطي»

يجب التعامل بحذر مع الروايات السودانية التي ظهرت بعد الثورة. فقد تحولت بعض أسماء الضباط بسرعة إلى رموز شعبية، وأصبحت روايات البطولة جزءاً من الذاكرة السياسية للثورة. وهذا أمر مفهوم اجتماعياً، لكنه لا يعفي الباحث من التحقق.

هناك فرق بين ثلاث درجات من الأدلة: وثيقة أو قرار عسكري أو حكم قضائي؛ تقرير صحفي معاصر متعدد المصادر؛ ورواية لاحقة أو شهادة فردية أو منشور في وسائل التواصل الاجتماعي. وكلما انخفضت درجة المصدر، ينبغي أن تنخفض درجة اليقين في صياغة الاستنتاج.

وبناء على هذا المعيار، فإن أقوى الأدلة في هذه الدراسة تتعلق بمحمد صديق، ومحمد سليمان بابكر، وحامد عثمان حامد، وأحمد ود المنسي، وصلاح الكودة، وعمر أرباب، لأن مصادر متعددة وثقت الاعتقال أو المحاكمة أو الإحالة أو حماية المعتصمين. أما أسماء مثل عمر الفاروق ومحمد حسن فضل المولى ومصطفى شرف الدين وإبراهيم عبد الغفور ووليد مصطفى سليمان محمد وفضل الله عبد الله الشفيع ومنصف حميدة وطه المبارك وضياء الدين خضر، فهناك أساس موثق لربطها بالحملة ضد الضباط المؤيدين للثورة، لكن المعلومات المنشورة عن الأدوار الفردية لكل واحد منهم أقل تفصيلاً.

كما ينبغي عدم تحويل الانحياز للثورة إلى إثبات تلقائي لموقف ديمقراطي شامل. فقد يكون الضابط مؤيداً لسقوط البشير، ولكنه يريد نظاماً عسكرياً بديلاً؛ وقد يكون مؤيداً لانتخابات مدنية، ولكنه يريد الاحتفاظ بامتيازات المؤسسة العسكرية؛ وقد يرفض الانقلاب العسكري لكنه لا يؤيد جميع مطالب القوى المدنية.

ولهذا فإن المعيار الأكثر صرامة هو السلوك المؤسسي المتكرر: هل قبل الضابط مبدأ السلطة المدنية؟ هل رفض استخدام الجيش لقمع الاحتجاج السلمي؟ هل دعم إصلاح القطاع الأمني؟ هل قبل خضوع المؤسسة العسكرية للرقابة المدنية؟ هل رفض امتيازاتها الاقتصادية والسياسية؟ وهل استمر في ذلك بعد انتهاء لحظة الثورة؟

وبحسب هذا المعيار، يصبح عمر أرباب من أكثر الحالات إثارة للاهتمام بسبب استمراره في الحديث عن الإصلاح العسكري بعد الثورة، بينما يمثل محمد صديق نموذجاً شديد الوضوح لسلوك عسكري لحظة الثورة نفسها، ويمثل صلاح الكودة وأحمد ود المنسي نموذج الضباط الذين تحملوا تكلفة مهنية قبل سقوط البشير.

سابعاً: النتيجة التاريخية والسياسية

تكشف تجربة ثورة ديسمبر أن السؤال الصحيح ليس: «هل وقف الجيش مع الثورة أم ضدها؟»، وإنما: «أي أجزاء من الجيش، وفي أي لحظة، وتحت أي أوامر، ولأي هدف، وبأي تكلفة، اتخذت موقفاً من الثورة؟»

والإجابة التي تقدمها الأدلة هي أن القوات المسلحة السودانية لم تكن كتلة متجانسة. فقد انحاز ضباط وجنود، خصوصاً من الرتب الدنيا والمتوسطة، إلى المتظاهرين، وحموهم من أجهزة الأمن، ورفض بعضهم أوامر القمع، وانضم بعضهم علناً إلى المعتصمين. وقد وثقت هذه الظاهرة مصادر حقوقية وصحفية مستقلة، كما أصبحت موضوعاً للدراسة الأكاديمية المتخصصة (Human Rights Watch, 2019; Amnesty International, 2019; Davies, 2023).

وكانت لحظة 6–11 أبريل 2019 حاسمة؛ فقد أدت حماية أجزاء من القوات المسلحة للمعتصمين إلى منع أجهزة أمنية أخرى من إخلاء الاعتصام، وأسهمت في انهيار قدرة نظام البشير على استخدام القوة بصورة موحدة ضد الحركة الجماهيرية. وتشير التقارير المعاصرة إلى أن الجيش اشتبك مع أجهزة أمنية حاولت فض الاعتصام وفتح أبواب مقاره لإيواء المدنيين (Sudan Tribune, 2019).

لكن هذه اللحظة لم تؤدِّ إلى ديمقراطية مكتملة؛ لأن القيادة العسكرية احتفظت بموقع دستوري وسياسي واقتصادي قوي. وأصبح الاتفاق الانتقالي لعام 2019 تسوية بين قوتين غير متكافئتين، بدلاً من انتقال كامل للسلطة إلى المدنيين (Marsden, 2019; International IDEA, 2022).

ثم جاءت أحداث 3 يونيو 2019 والانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021 لتؤكد أن حماية بعض الضباط للمدنيين لم تكن كافية لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس ديمقراطية. وقد بينت الدراسات أن نفوذ القوات المسلحة ظل مرتبطاً بالمصالح السياسية والاقتصادية، وأن الانقلاب أعاد ترسيخ موقع الجيش في الدولة (Sayigh, 2021; Ali et al., 2022).

وعليه، فإن أحمد محمد علي ود المنسي، وصلاح الكودة، وعمر أرباب، وخالد البدوي، وحامد عثمان حامد، ومحمد صديق إبراهيم أحمد، ومحمد سليمان بابكر يمثلون، بدرجات متفاوتة، أهم الأسماء التي يمكن توثيقها في مسار الضباط الذين انحازوا عملياً إلى ثورة ديسمبر أو حماية المدنيين أو الإصلاح العسكري. ويضاف إليهم عدد من الضباط الذين تعرضوا للاعتقال في سياق الانحياز للثوار، منهم محمد حسن فضل المولى، وعمر الفاروق، ومصطفى شرف الدين، وإبراهيم عبد الغفور، ووليد مصطفى سليمان محمد، وفضل الله عبد الله الشفيع، ومنصف حميدة، وطه المبارك، وضياء الدين خضر، مع اختلاف قوة الأدلة المتاحة بشأن الأدوار الفردية لكل منهم.

أما صلاح عبد الخالق وعبد الله المطري، فهما حالتان مختلفتان: الأول يمثل تياراً عسكرياً قبل مبدأ الانتقال السياسي والانتخابات، لكنه لم يؤيد خروج الجيش الكامل من السلطة؛ والثاني ارتبط اسمه بالإصلاح المؤسسي وقضايا المفصولين، لكن الأدلة المتاحة لا تكفي لوضعه في الفئة نفسها مع الضباط الذين ثبتت مشاركتهم المباشرة في حماية المعتصمين.

وهكذا فإن أفضل قراءة أكاديمية لتجربة هؤلاء ليست صناعة «جيش ديمقراطي» من مجموعة أبطال، وإنما التعرف إلى بذور مهنية ودستورية داخل المؤسسة العسكرية نفسها يمكن أن تشكل، إذا اقترنت بإصلاح مؤسسي شامل، أساساً لجيش وطني غير مسيّس. فالدرس الأهم من ثورة ديسمبر ليس أن الجيش يستطيع إنقاذ الديمقراطية، بل أن الديمقراطية تحتاج إلى جيش يقبل مسبقاً وبصورة مؤسسية أن وظيفته هي الدفاع عن الدولة والمجتمع، وأن السلطة السياسية مصدرها المدنيون والقانون والانتخاب، لا قيادة القوات المسلحة.

وفي هذا المعنى، فإن القيمة التاريخية لمحمد صديق ومن وقفوا معه لا تتمثل في دعوتهم الجيش إلى حكم السودان، وإنما في اللحظة التي عكسوا فيها المعادلة: الجيش يحمي المواطنين، وليس المواطنين من يحتمون بالجيش من الجيش. وهذه هي النقطة التي يمكن أن تلتقي عندها المهنية العسكرية مع التحول الديمقراطي، شريطة أن تتحول البطولة الفردية إلى قواعد مؤسسية دائمة.

المراجع

  1. Albrecht H, Ohl D. Exit, resistance, loyalty: Military behavior during unrest in authoritarian regimes. Perspectives on Politics. 2016;14(1):34–52.
  2. Ali H, Ben Hammou S, Powell JM. Between coups and election: Constitutional engineering and military entrenchment in Sudan. African Affairs. 2022;121(485):548–573.
  3. Amnesty International. Sudan: Government mounts lethal offensive against protesters, killing nine, blocking food and water supplies. London: Amnesty International; 2019.
  4. Chatham House. Can Sudan achieve peace and democratic transition? London: Royal Institute of International Affairs; 2019.
  5. Croissant A, Kuehn D, Eschenauer T. The dictator’s endgame: Explaining military behavior in nonviolent anti-incumbent mass protests. Democracy and Security. 2018;14(2):174–199.
  6. Dahlum S. Joining forces: Social coalitions and democratic revolutions. Journal of Peace Research. 2023;60(1):42–57.
  7. Davies M. Surviving revolution and democratisation: The Sudan armed forces, state fragility and security competition. Journal of Modern African Studies. 2023.
  8. Human Rights Watch. “They Were Shouting ‘Kill Them’”: Sudan’s Violent Crackdown on Protesters in Khartoum. New York: Human Rights Watch; 2019.
  9. Human Rights Watch. السودان: استيلاء العسكر على السلطة يهدد الحقوق. نيويورك: هيومن رايتس ووتش؛ 2021.
  10. Huntington SP. The Soldier and the State: The Theory and Politics of Civil-Military Relations. Cambridge: Harvard University Press; 1957.
  11. International IDEA. Sudan’s 2019 Constitutional Declaration: Its Impact on the Transition. Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance; 2022.
  12. International IDEA. War in Sudan 15 April 2023: Background, Analysis and Scenarios. Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance; 2023.
  13. Kingma Neu K. Strategies of dictatorship and military disloyalty during anti-authoritarian protests: Explaining defections and coups. Journal of Global Security Studies. 2022;7(1):ogab033.
  14. Kingma Neu K. Explaining types of military defections during major anti-authoritarian protests. Political Science Quarterly. 2023;138(1):47–66.
  15. Koehler K. Political militaries in popular uprisings: A comparative perspective on the Arab Spring. International Political Science Review. 2017;38(3):363–377.
  16. Makara M. Rethinking military behavior during the Arab Spring. Defense & Security Analysis. 2016;32(3):209–223.
  17. Marsden R. Can Sudan achieve peace and democratic transition? London: Chatham House; 2019.
  18. Sayigh Y. The ongoing turf war in Sudan. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace; 2020.
  19. Sayigh Y. The military has taken power in Sudan and dissolved its transitional government. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace; 2021.
  20. Siegle J. The Sudanese military’s interests in civilian rule. Washington, DC: Africa Center for Strategic Studies; 2021.
  21. Sudan Tribune. Rebellious military declare their support for Sudan’s protests. Khartoum: Sudan Tribune; 2019.
  22. Sudan Tribune. Sudanese army retires junior-rank officers. Khartoum: Sudan Tribune; 2020.
  23. Tchie A, Ali HE. Restructuring state power in Sudan. Economics of Peace and Security Journal. 2021;16(1):41–50.
  24. Young J. Peace and the security sector in Sudan, 2002–11. Conflict, Security & Development. 2017;17(3):223–246.
  25. الجزيرة نت. دعوة لمليونية رد الجميل: غضب سوداني لفصل ضباط ناصروا الثورة. الدوحة: شبكة الجزيرة الإعلامية؛ 2020.
  26. الجزيرة نت. السودان: مظاهرات مناهضة لإقالة ضباط من الجيش انحازوا للثورة. الدوحة: شبكة الجزيرة الإعلامية؛ 2020.
  27. عبد الخالق ص. حوار مع الفريق أول طيار ركن صلاح عبد الخالق حول الثورة والجيش والمرحلة الانتقالية. الخرطوم: الصحافة السودانية؛ 2019.
  28. عبد الله علي إبراهيم. المجلس العسكري: إذا ما عملوها الكبار حيعملوها الصغار. الخرطوم: حركة العدل والمساواة السودانية؛ 2019.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
الطريق الثالث … تحرير للحكومة وتحرير للتحالف .. بقلم: د. منتصر أحمد ابنعوف
الإنسانية قبل السياسة
تاريخ العُمُلات والضرائب في سودان القرن التاسع عشر
منبر الرأي
الحداثة ومذهب الحرية الفردية: تأملات في الحدث الأمريكي .. زواج المثليين .. بقلم: د/ محمد مجذوب
منبر الرأي
وتستمر الهبة الشبابية .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

قاتل الله الدابى شاهد الزور .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه

عثمان الطاهر المجمر طه
منبر الرأي

السودان.. حين تنهار الهيبة من الأطراف

زهير عثمان حمد
منبر الرأي

الحروب لم تقدم حلاً لأية مشكلة في التاريخ .. بقلم: طلحة جبريل

طلحة جبريل
منبر الرأي

لقاء العليين في برلين.. بعد تعذره بالخرطوم .. بقلم: إمام محمد إمام

إمام محمد إمام
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss