الطفل معتصم والفرعون العاري! أو حول “المُتديّن الجُزافي” .. بقلم: محمد عثمان (دريج)


لا يكاد العام 2021 يلفظ أنفاسه الأخيرة، و بدلاً عن أن يمضي بكرونته و بـ”برهانه” و “حميدتيه” و بكل من رهن وجوده/ا بلعق أبوات السفاحين/المرتزقة، عسكريين و مدنيين و “ناس ساكت”، بدلاً عن كل هؤلاء، أطلّ علينا بفضيحة “قضية” الطفل معتصم بكل قبحها و وقاحتها!
و لعل الكثيرين مثلي قد أصابهم الذهول والغضب الشديد حيال حيثيات الوأد أي الفصل من المدرسة _ لطفل لم يتجاوز السابعة من العمر وذلك بسبب تساؤلات مشروعة أطلقها بكل براءة متوقعة في وجه مُدرّسته تتعلق بـ “مكان الله” وسط الكواكب و مشاركة “الشيطان” للناس أثناء الأكل إن هم يستخدمون اليد اليسرى لتناول الطعام، و هكذا! لا نحاول هنا إعادة لإنتاج التبريرات المجانية و الواهية التي قام البعض بصياغتها للتعبير عن تضامنهم المزعوم و المشكوك في نصاعتها مع الطفل معتصم بذريعة ضمان مخارجة له مما قد اعتبره هؤلاء “ورطة” أرجعوا سببها الأول و الأخير ل”حداثة” الطفل و”وعيه غير المكتمل” و غير القادر على معرفة “الحقيقة/الحق”، و أيضاً لا نحاول هنا الغرق في توصيف حجم العنف الذي تعرض له الطفل، و لكننا بصدد الولوج عميقاً في أدابير بنية وعي “المُتديّن الجزافي”_ والذي يلج مغارات المعرفة دون بصيرة أو تبصر أو رويّة_ و تلمس مكان الخوف المتأصل والمؤسس لبنيته النفسية (العقلية؟).
نحن نرى أن “البنية السردية” لرواية “الطفل و الفرعون العاري” لربما مثّلت مدخلاً بليغاً لما نسعى إلى تأسيسه هنا!
و تتلخص الرواية _ الطفل و الفرعون العاري في نُسخة من نُسخها العديدة حول أن محتالين قد تمكنا من إقناع الفرعون بقدرتها الفائقة على نسج قطعة سحرية من القماش لا يتمكن من رؤيتها إلا الاطفال المولودين بصفة “شرعية” و أنهما بعد ذلك سوف يقومان بحياكة “زي” منها للفرعون لا يضاهيه شيء في الوجود. جهز الفرعون مكانا اُعد خصيصا للمحتالين حتى يتفرغ للعمل على إنتاج المنسوج و الملبس المزعومين. وكان أن انتشر خبر المنسوج االسحري و “عمّ القرى و الحضر”! و بعد فترة وجيزة قرر المحتالان إكتمال إنتاج المنسوج المزعوم و الفراغ من حياكة الزي الخاص للفرعون و الذي قد دعاه لمشاهدة المنتج. دخل الفرعون المكان المُعد لعرض المنتوج إلّا أنه و لدهشته لم يرى الزي المزعوم، و لكنه و بسبب الخوف إن هو صرح من أن يُتهم بجريمة كونه طفل غير شرعي الجريمة التي يضنى لها الجبين ضمن الأنساق الذكورية و الأبوية السائدة و ما قد يترتب على ذلك من فقدانه للسطة، إلخ، تظاهر بقدرته على رؤية المنسوج و بالغ في التظاهر و بسروره و إعجابه الشديدين به و كذلك عبّر عن استعداده التام لإرتداء الزي المُخاط منه. و في اليوم المشهود، تظاهر المحتالان بمساعدة الفرعون على إرتداء الزي السحري و الذي قد تظاهرت الحاشية أيضاً بإعجابها الشديد به و حيث لم يتمكن أي أحد منهم التعبير عن الحقيقة الكاذبة لقطعة النسيج المزعومة. خرج الفرعون تتبعه الحاشية و هو يجوب المملكة التي احتشدت بالرعايا و هم يهتفون ويهللون بحياته و يعبرون عن اندهاشهم و استحسانهم لجمال الزي الملكي المزعوم ولم يجرؤ أحد على التعبير عن حقيقة الزي الوهمي و هم يرون الملك عاريا. و لكن لدى مرور موكب الفرعون بأحدى طرقات المملكة، كان هناك طفل صغير وسط الحشد يأبى إلّا أن يتقدم إلى الامام قليلاً ثم يشير بسبابته الصغيرة نحو الملك و يطلق صيحة مجلجلة يتبعها بالقول: “انظروا الى الملك، فهو عار” و يتبع ذلك بضحكة عميقة و طويلة. يُصيب الذهولُ كل الحضور بما فيهم الفرعون و حاشيته. نعم لقد انفضح الجميع وانكشف عريهم، فلم يكن الفرعون وحده هو الذي كان عارياً، بل كان الجميع عوراة “نيجل” حتى الثمالة رغم محاولتهم المستميتة و اليائسة على مُدارة عريهم بسبب الخوف والنفاق!
لا يختلف موقف الطفل معتصم عن طفل الفرعون العاري إلا ربما في حقيقة أن هذا الآخير_طفل الفرعون_ قد تم إنتاجه ضمن بنيات مُتخيلة خاصة بآليات المجتمعات التي كانت تتوسل القص و الحكي كأدوات فاعلة لحفظ و تدارك “ذاكرتها الجمعية” و في إعادة إنتاج ذاتها.
نقول، الكُل عراة عندما يتعلق الأمر بقضايا الوجود و أسئلته الكُبرى و من ضمنها الاسئلة الخاصة بالدين و التدين، فليست هناك أجوبة سهلة و جاهزة لمثل هذه القضايا، اللهم إلأ في وعي المُتدين المنافق و الذي “يُظهر غير ما يُبطن” حتى لا يُكدّر صفو “حيزه الآمن”. محاولات الاجابة على مثل هذه الاسئلة “الكُبرى” هي في في أحسن الاحوال، لا تعدو عن كونها مجرد افتراضات تالدة مدسوسة في اللغة، “اللغة القديمة”، و التي تحاول أن تؤسس لها مكاناً خارج “التاريخ”_أي خارج سيرورة الصراع الإنساني من أجل البقاء، ولكن هيهات. فما هو “ديني” هو في نهاية المطاف لا يعدو عن كونه جزء أصيل من هذا الصراع، حيث يتأثر به و يؤثر فيه سلباً أو إيجاباً. و بالتالي يصطدم الديني كما هو متوقع و مفترض بالإنساني و اليومي العادي ويشمل ذلك مواجهته المستمرة للاسئلة و التساؤلات ابتداء من الاسئلة على شاكلة من هو “الله”، و من أين و كيف جاء و لماذا الوجود، أو ازلية و أبدية الوجود، إلخ، و هي الاسئلة التي يتجنبها المتدين الجزافي ويُحاول بكل ما أُتي به من قوة منع الآخرين من طرحها واجترار أو من الإقتراب منها و بل عقابهم و ردعهم إن هم فعلوا ذلك، وذلك لأنهم إن هم_ أي الآخرين فعلوا ذلك فإن “حيزه الآمن” لا شك أن يهتز ثُم يتساقط و يتشظى. و لربما لهذا السبب نجد أن مُتدينُنا الجزافي قد خلط عن عمد ما بين “الاجابة” على تلك الاسئلة (و التي غالباً ما تكون باللغة) و “الإستجابة لها” (و التي تتم باللغة و بالجسد). و في حقيقة الامر، و لأنه لا يملك إجابة/إجابات حقيقية و شافية لتلك الأسئلة، يجنح مُتدينُننا الجزافي إلى الإستجابة والتي ليست هي سوى “الخوف”: الخوف من جهله بالكون و بالوجود كسيرورة و نواميسه وعلائقها المقلقة و المتغيرة و المتجددة (السيرورة التاريخية)، فالخوف، إذن، ليس هو فقط إحساس عابر ينتاب المتدين الجزافي و يمسك بتلابيبه و لكنه مكانأً ومرعباً يُرهن بنيته النفسية (العقلية) و الجسدية بالتمام و الكمال لسطوتة و سلطانه، و بل يصبح كذلك معولاً حاسماً في محاولاته اليائسة لمقاومة أي حراك نحو إتجاه إطلاق تلك الاسئلة و تلك التساؤلات. و من داخل نفق مثل هذا الخوف شديد الإظلام يُطل علينا مُتدينُنا الجزافي بمقولات كبيرة ليُحصن بها أركان الخوف_خوفه_ على شاكلة “الدين في خطر”، “الإسلام مُستهدف”، ” الإساءة إلى الذات الإلهية”، إلخ. نقول، يجتر مُتدينُنا لكل تلك المقولات و أمثالها و يستخدمها فقط للهروب من دواخله التي تعُج بتلك الأسئلة “المُحرمة” و المُخيفة. إذن، غياب تلك الأسئلة ومثيلاتها من على السطح اليومي و المُعاش_ هو وحده الذي يوهمه بأمن و امان مزيفين (ربما فقط على صعيد النفاق الإجتماعي/المجتمعي)، و يُغطي عريه المنداح و المتدفق سيولاً. و لكن لأن الأطفال هم أجمل الكائنات و أقربها إلى الحس السليم والمعافى من لغة تجنح نحوتعييب/تغييب الجسد (الزماني و المكاني)، الفردي والجماعي و تجميله الكاذب، لا ينفك أن يأتي من بينهم/منهم الطفل معتصم (في الوجود و في دواخلنا)، و الذي و بلمسة خفيفة من اطراف أنامله على الجسد المُوشى بالخوف و الرعب، ينهار الجدار المتوهم، فيصحو “تنين” الخوف الرابط و المرابط ليبطش بالكل و لا يعود إلى حصنه إلا بعد أن يُذبح ويُولم له و يا حبذا لو كان القربان/الضحية طفلاً في نقاء “المعتصم”!
و في مملكة الخوف المستشرية و السائدة و المسودة يستوى الكثيرون: سائق الكارو الذي يناضل من أجل توفير حياة كريمة له و لاسرته، و بائعة الشاي والطعام التي تلتحف الشمس و التنمر والمضايقات في صراعها من أجل البقاء و بروفيسور الجامعة أو قل “الافندي” الذي يتجمل بأحدث ما توصلت إليه الحداثة من لبس و لُبس و أوهام أخرى عديدة و متنوعة و متجددة في محاولة يائسة ومستميته منه لإخفاء عريه الوجودي. و عُرينا الوجودي، أيها السيدات و السادة، ما هو إلّا تلك الجرثومة التي زُرعت فينا منذ زمن بعيد و هي ليست إلا الوعي القديم: “وعي الخلوة” الذي تم تشريبنا و إطعامنا له بملعقة التلقين و التحفيظ دون بصيرة أو روية أو رؤية!
نعم، لقد مارس الطفل معتصم حقاً جوهريا ضمن سيرورة العملية التعليمية و التربوية_ ألا و هو حق السؤال و البحث_ و لكن لأنهما _ السيرورة التعليمية و التربوية_ من المرحلة الأولية وحتى الجامعية_ ليستا سوى إمتداد كمي و مستحدث لوعي الخلوة و لثقافتها و تهافتها، تصد حراسُها و سُدنتها بشراسة لتساؤلات الطفل معتصم و قررت تقديمه قرباناً لآلهة خوفها و هلعها الوجودي!
محمد عثمان (دريج)
هاميلتون 12 يناير 2022

zalingy@gmail.com
//////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك