العبادي (19): الباليه السوداني والفسخو بلّه… يا رقية فكيهو الدلو !!

 


 

د. مرتضى الغالي
19 يونيو, 2022

 

قبل أن نلج إلى عوالم أغنية العبادي العجيبة المُترعة بالحنين (يا حليل رياضنا الغنا)..لا بد أن الدهشة تأخذ بمجامع القلوب عن حلاوة الإمتاع والمؤانسة وعمق المعرفة في أحاديث العبادي وخزانته المعرفية وحلو تشبيهاته ومقارباته..! وللتدليل على ذلك نستمع إلى العبادي في مقطع مجزوء لا يتعدى زمنه (ثلاثة دقائق) من مقابلة تلفزيونية قديمة مع الإعلامي الشهير الراحل (فهمي بدوي).. يقول العبادي في مقطع من حديثه ويبدو أنه ذكر قبله نماذج من الشعر السوداني الشعبي البدوي والحضري:
(أيوه لكن الشعر بتاعهم زي ما أنا قلت فيهو التعبير الحضري..يعني الشعر الأول فيهو قوة وفتوة.. تقدر تقول زي الشعر الجاهلي بعدين يجي شعر المخضرمين أو يجي شعر المولّدين..و..)
يقاطعه فهمي بدوي قائلاً: شعر البادية عموماً..
ويستدرك العبادي على فهمي ويقول له: (مع البادية..أنا أقصد الطور نفسو ..لأنو البيئة هي اللي بتتحكّم في المفاهيم..معناهو الشعر دلوكت في الجاهلية لامن تقبض بيت شعر عاوز تكتب عنّو صحيفة.. لكن بعدين جا ضحل شوية أو جات المعاني افتَح..أصبحت يعني القصيدة تكتب عنها سطرين..يمكن سمعت في المثل (الفسخو بله) دلوكت ذكّرني كلامكم..لكن أنا عندي زيادة عن الفسخو بله..وأقول: الفسخو الحردلو..!! الحردلو جا يستشفع في مسألة الخليفة شريف وقف قدام خليفة المهدي قال ليهو:
فوق لقا فوق محل في الجايه ما بتتمحّن
فراج كربة الهم القبايلو يزحّن
وكت حسناتك السَيتِن قبيل ما صحّن..
صبر ايوب بتتقل بو الليالي إن شحّن..!
خليفة المهدي انصرف عنّو قبّل كدا...بعد كدا الحردلو ضمن خلاص إنو اتختّ في (البلاك لست)...راح لفّ قدام خليفة المهدي.. جاهو تاني قال ليهو:
عجل البُربُره الوقّف قرونو شراتي
نطح الصومعه ولي اماتو جايي يتاتي
وقت الطَر مرق ركب السديس العاتي
والله البواردك في مشارعك خاتي...!!
يعني الحردلو تنصل منها...حقو تسأل عن عِجل البُربُره..!! المهم ناس الغنا الحضري بعد ديلاك عملوا اللحن والوزن وكل شي على وزنهم هم ..داك بقول مثلاً ببكي وبنوح انا دمعي سايل/ محجور من الارايل/ من (خمسين) جات وصيه/ أحلى من الصندليه/ وبي ادبا تقوم مقريه/ تبلّغ لي (السُتميه) / و(سبعه) أم خُلقاً رضيه/ لكن للغير يا أخيا/ شيل السلام معاك تحيه/ ومنّو الرد جيبو ليّا..)
هنا انقطع التسجيل..!!
كلام العبادي هذا لم يزد عن ثلاثة دقائق من الحوار الذي سبقه كلام وأعقبه كلام.. ولكن تجد فيه أن العبادي في هذه الدقائق الوجيزة أشار إلى عديد من المسائل.. منها ما يلي:
- الشعر الشعبي البدوي والحضري وبدايات الشعر المديني
- أطوار الشعر وتحولاته واختلاف خصائصه
- مقارنة الشعر الشعبي السوداني بالشعر العربي
- المعرفة بالألحان الشعبية وعلاقتها باللغة المنظومة
- المراحل المتتابعة للشعر العربي القديم (الشعر الجاهلي وشعر المخضرمين وأشعار المولّدين)
- الإشارة إلى علاقة مضمون الشعر بالبيئة التي يعيش فيها الشاعر (كلامه عن البيئة والمفاهيم)
- الأمثال الشعبية ومدلولاتها: مغزى المثل الشعبي (الفسخو بلّه) وهو مثل عن سرعة التنصُّل بعد الوقوع في الورطة..!
- ذخيرة العبادي من حكاوي ووقائع التاريخ الاجتماعي والسياسي السوداني، وقوة حافظته فيما رواه عن شعر الحردلو وموقفه مع الخليفة وقوة الدراما من خلال حركة الانصراف وإدارة الوجه تعبيراً عن عدم القبول..وأجواء الواقعة التي تنذر بالخطر، وحالة الشاعر مع الحاكم في مناخ صراع حول السلطة..ومفارقة (حُسن التخلّص) والانتقال من العتاب والشفاعة إلى المديح والاعتذار..وكأن الحردلو أتجه بعد غضب الخليفة إلى تخطئة من جاء يستشفع له لينجو بجلده..! (البواردك في مشارعك خاتي)..!
- التقاط العبادي من اللغة الأجنبية..البلاك لست (blacklist) ووضعها في مكانها الصحيح من الحبكة بطرافة ومفارقة..لأن تعبير (القوائم السوداء) تعبير لاحق على زمن الحكاية التي رواها
والخلاصة انه ليس بغريب على العبادي اقتناص حكاوي التاريخ الاجتماعي وتحويل الأحداث إلى دراما مسرحية بالصوت ولغة الجسد والأداء المسرحي..فهو مسرحي وكاتب مسرحيات لا يُشق له غبار..! ولا هو بغريب عن معرفة الشعر السوداني الشعبي والشعر العربي الفصيح والأوزان والألحان والأهازيج الشعبية وهو عرّاب الأغنية المدينية الحديثة التي أطلت في العشرينيات (أغنية الحقيبة)..وليس بغريب عليه الاغتراف من مخزون الأدب الشعبي كما ليس بغريب التقاط المفردات الأجنبية السائرة..فهو على اختلاط بطبقات مختلفة من المجتمع ولا ننسى انه كان في وقت ما من تنقلاته العديدة يعمل (محاسب دوبيا) في "شركة بدران" ذات السِمة الأفرنجية...!
والعبادي استخدم صيغة الجمع من (جنتلمان) Gentlemen "جمع تكسير" على (جناتل):
عمّ الفرح كل الجهات / من زي الكؤوس أملأ وهات
ما بين شـادن أو مهاة / الكل "جناتل" أبهات..!
وفي أغنية حفلة خِدر (جيبولي بس عقلي الوِدِر) أورد العبادي مفردة (بون) الفرنسية bonne والشيكات والكبونات؛ وهذا ليس بغريب حيث ترد هذه المفردات في الاستخدام الشعبي العام..والراجل "محاسب بلدي" متنوِّر:
الحفله كانت (حاجه بون) / شيكات ألوفات ما (كبون)
أشيا عزيزه على الجَبون / بي روحك اقرب يا زبون..!
**
في حوار تلفزيوني آخر في مرحلة لاحقة من التسجيل الأول يقول العبادي لمحاوره محمد عبد الله الريح:
(سؤالك دا سؤال عظيم ينقلنا لي مجال بعيد.. بعيد المدى..أولاً أنا ما بعتقدش إنو الأغنية شئ مش لازم للحياة..الأغنية بتنبعث من العمل اللي بيشتغل فيهو الإنسان..البيوجد فيهو نشاطو..حتى اللي بنشل المويه كان بقول: (الليله انملو الليله انملو..يا رقيه فكيلنا الدلو..)..وحاجات من النوع ده عشان تدي نشاط...ثم الألحان دي نفسها بتؤخذ من ضروب السير ومن زقزقة العصافير ومن تفاعيل نفسية في الإنسان..أنا ما أقول إنو الأغنية بدأت عندنا في أي مرحلة من المراحل...لكن أقول إنو في المهدية الباليه اللي بتتعزّا بيهو اليوم روسيا وأمريكا كان عندنا بالفطرة موجود... بعدين اتدرّجت الأغنية دي وكانت مصحوبة بالحنجرة في الطمبور..بعدين الشمالية جات منها ألحان ...والألحان دي كانت رائعة جداً.. وكان يقود الحملة دي ود الفكي...فكنا كلنا نتبع ود الفكي ..نمشي في أي لعبه..ود الفكي جا ود الفكي جا.. وإن كان الكلمات ذاتا كانت بدائية..وما كانش فيها روعة شعر كمان..)
هنا قاطعه مقدِّم الحوار..!!
أنظر يا صديقي إلى هذا الحديث وإلى ما قاله العبادي في "دقائق معدودة" من "لحظة عابرة" في "حلقة واحدة" من عشرات الحلقات التي سجلها فهمي بدوي مع العبادي في تلفزيون السودان.. فأين يا ترى ضاعت هذه الجواهر النفيسة..؟!!!

murtadamore@yahoo.com
////////////////////////////

 

آراء