من دواعي كتابة هذا المقال الجدل و اللغط الدائر حول مسألة ” أولوية” ضرورة تطبيق قواعد العدالة الانتقالية. و لا ريب أن طلب تطبيق قواعد العدالة الانتقالية دعوة صادقة ومشروعة ومطلوبة من حيث المبدأ ـ كما سنفصل لاحقاً ـ كما أنه صادرة من قوى وطنية قلبها على الوطن وشعبه. و لكن طلب العدالة الانتقالية لا يحتل ـ في تقديري المتواضع جداً ـ المرتبة الأولى في سلم أولويات المهتمين بالشأن الوطني على وجه العموم و المعنيين بأمر حسن وسداد إدارة العدالة في بلادنا على وجه الخصوص، بل يأتي في المرتبة الرابعة بعد الأولويات الثلاث التالية: أولاً: انفاذ الإصلاح القانوني والقضائي الشامل “تشريعات و أجهزة العدلية كافة”. و ثانياً: ضمان بسط العدالة القضائية المعتادة و تطبيقها. و ثالثاً: ضمان قبول قادة ورموز وقاعدة النظام المخلوع الاحتكام لقواعد العدالة الانتقالية. إذ أن المطالبة بضرورة تطبيق العدالة الانتقالية كأولوية دون استيفاء متطلبات الأولويات الثلاث السابقة لها كما أوردناها أعلاه، فوق أنها سابقة لأوانها فهي (تبدو) مضللة لأنها إنما توحي و كأنما القضاء بأجهزته على ما يرام، و أن التشريعات السارية والنافذة كلها لا غبار عليها و أن العدالة المعتادة قد استوفيت وطبقت بحذفارها، كما تغفل أو تتجاهل أن فلول النظام المخلوع رافضة بالمطلق التغيير الذي جرى، دع عنك قبولها الاحتكام الي قواعد العدالة الانتقالية، بينما الواقع يؤكِد عدم نقيض استيفاء شروط الاصلاح القانوني و بسط العدالة القضائية كما يثبت أيضا نفيض قبول فلول النظام المخلوع بالتغيير الذي جري ورفضهم لنتائجه.
ونخلص من ذلك إلي أنه و الحال كذلك فلا يستقيم والعقل والمنطق و لا يتسق مع المجرى العادي للأمور طلب تطبيق العدالة “الانتقالية” بينما العدالة القضائية “المعتادة” غير متحققة النفاذ و ناقصة الاستيفاء وذلك بقرينة أن طلب الأخيرة، مقدم دون أدنى شك، على طلب الأولى، في سلم الأولويات، كما سنوضح في ثنايا هذا المقال لاحقاً.
إذن فالواجب الملح الآن هو أن ندرك أن أولى أولوياتنا في جبهة العدالة (ثالث شعارات الثورة) ونرتبها وفق ضروراتها تلك في جدول أعمال الثورة لنطالب بها فنبدأ: بـ (1) المطالبة والتمسك بالإصلاح القانوني والقضائي الشامل “أجهزة وتشريعات”. (2) المطالبة بتحقيق العدالة القضائية حتى لا يفلت أحد من العقاب (3) المطالبة بعد ذلك وليس قبله بتطبيق العدالة الانتقالية ثم (4) لا بد بعد كل ذلك من موالاة ومناجزة كل المطالبات أعلاه والتمسك بتحقيقها حسب ترتيبها في سلم الأولوية. إذ لا معنى ـ في تقديري ـ للمطالبة بضرورة تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية كأولوية إذا كان تطبيق العدالة القضائية المعتادة إما محجوب أو ناقص، خاصة وأن الكثيرين إنما يعزون هذا الحجب والنقص الي تقاعس و تراخي ظاهر ( ومتعمد على الأرجح) في تطبيق القانون المعتاد. و يستدلون على ذلك بقرينة أنه و رغم مرور ما يقارب الثلاث سنوات على ازالة رأس ورموز النظام المخلوع أنهم يرون العدالة القضائية ليست منتقصة فحسب بل ومكبلة بسلاسل غليظة بفعل فعلة لا تخطئهم العين و “تقديرهم معلوم” لشعب السودان. ففيما عدا محاكمة رأس النظام المخلوع باستلام أموال بعملات أجنبية من مسئول دولة مجاورة والاحتفاظ بها في حيازته بالمخالفة للقواعد الحاكمة لحيازة العملات الأجنبية إلي جانب محاكمته ومعه مجموعته من العسكر والمدنيين على جريمة الانقلاب بقوة السلاح على السلطة الشرعية المنتخبة والممثلة لإرادة الشعب والغاء العمل بالدستور … إلخ فإن مسئولي النظام المخلوع لم يقدموا لمحاكمات في قضايا قتل ضحايا بيوت الأشباح والاحتجاجات الطلابية السلمية في جامعة الخرطوم وغيرها من معاهد العلم، و قتلة شهداء رمضان و ضحايا العيلفون و ضحايا دارفور وجنوب كردفان، و بورتسودان و أمري و الحامداب والمناصير و كدن تكر (كجبار) وضحايا الاحتجاجات السلمية في هبة سبتمبر 2013م و ضحايا مجازر ثورة 19 ديسمبر 2018 و مجزرة فض الاعتصام …. إلخ دع عنك بالطبع البطْء في ملاحقة أساطين الفساد الاداري والسياسي و سارقي وناهبي المال العام.
و حيث لا اختلاف مبدئياً على صلاحية قواعد العدالة الانتقالية كآلية لإنهاء حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي السائدة في بلادنا منذ استقلالها و عمقها و فاقم من وتئرها النظام المخلوع وطالما أننا قد نلجأ إلي تطبيقها ( حال استيفاء الأولويات الثلاث المار ذكرها آنفاً)، فلا بأس إذن ـ في تقديري ـ من توعية الناس بمتطلبات تطبيقها. و هذا ما قام به كتابٌ وسياسيون و حقوقيون سودانيون كثر قد تناولوا موضوعها من حيث هي كنظرية ومفهوم و من حيث هي كتطبيق وتنزيل على أرض الواقع و أحيوه بحثاً وافياً (على النقيض تماماً من خطأ القول الشائع و الذائع قتلوه بحثاً في). و لا ريب أن كتاباتهم وبحوثهم الجادة قد راكمت مساهمات فقهية قانونية اتسم معظمها بالرصانة و الشمول و الاحاطة وغطت مفهوم مبدأ العدالة الانتقالية و تطبيقاته النموذجية على أرض الواقع. إذ يحمد لمن كتبوا عن قواعد العدالة الانتقالية أنهم لم يكتفو بعرض جوانبها النظرية المجرَدة فحسب بل أوردوا أمثلة للدول التي لجأت لتطبيقها عملياً وحققت نجاحاً ملموساً كجنوب إفريقيا ورواندا والكونغو وليبريا وسيراليون والمغرب وتونس و الأرجنتين وكولومبيا وغواتيمالا…. و غيرها من دول العالم. و عليه و حتى لا أقع في تكرار و أعادة ما تطرق اليه من سبقوني في الكتابة تفصيلاً و اسهاباً في التعريف بالعدالة الانتقالية سأكتفي بإشارات موجزة و عابرة و ضرورية كمدخل لهذا المقال، و الذي أستهله بالقول بأنه من (حسن الطالع) أن العدالة الانتقالية التي يمكن ترجمتها بالـ (Transitional Justice) إنما هي تفسر نفسها بنفسها(Self – Explanatory) ، لأن اسمها (في حد ذاته) دال دلالة كافية على معناها أي ( Its very name is very telling & informative) كما في العبارتين الذائعتين للفرنجة …إلخ. كما يدل اسمها أيضاً دلالة لا يشوبها أدنى غموض على أن الحاجة إليها مؤقتة بقرينة انتقاليتها، وبحكم اقتصارها ضرورتها على الحالات المشار إليها آنفاً حصراً، أي أنها تزول ضرورة بزوال دواعيها، عند انتقال المجتمع من حالة دولة انفراط عقد القانون (State of lawlessness) إلي دولة التي تحترم خضوعها لمبدأ سيادة حكم القانون (Subjectivity to the Rule of Law) و ذلك للخروج من حالة الفوضى إلي حالة الاستقرار في بسط العدل والنصفة.
و شملت الكتابات والمساهمات أيضاً الإشارة إلي دواعي الحاجة الماسة الي تطبيق قواعد العدالة الانتقالية فذكروا أنها إنما تبرز عقب مرور المجتمعات بأوضاع سياسية و قانونية استثنائية تخلفها ظروف غير عادية منها الحروب الأهلية أو فترات حكم النظم الشمولية الاستبدادية القمعية التي تشهد إسرافاً في العسف و إهدار العدل و ارتكاب انتهاكات فظة لحقوق أفراد و جماعات مكونات المجتمع المعين، مع ما يرافق ذلك من إحكام سد أبواب ومنافذ اللجوء للعدالة القضائية أمام المواطنين بسبب سن القوانين القمعية المصادرة للحريات والمهدرة للحقوق أو بالتوسع في بسط الحصانات المطلقة أو الإجرائية للجناة مما يسمح بإفلاتهم من المحاسبة والعقاب أو بالإسراف في تطبيق التشريعات المصادرة و المهدرة للحقوق الدستورية والقانونية طُراً وعلى إطلاقها والقامعة للمطالبين بها.
وأجمع من تناولوا مبدأ العدالة الانتقالية على أن الضرورة الماسة للجوء إلي تطبيقها إنما تكون للتجسير بين مرحلتين: اتسمت الأولى منهما و تميزت ـ إما بسبب الحرب الأهلية أو طغيان النظام الشمولي ـ بإهدار سيادة حكم القانون وحجب حقوق المواطن الدستورية و القانونية الأساسية وحرمانه مما يلزمه من حماية القضاء العادل والمنصف في ظل إسراف السلطة الحاكمة في انتهاكات وإهدار الحقوق الأساسية. بينما يراد بالمرحلة الثانية منها الانتقال عبر ألية العدالة الانتقالية، إلي استعادة الدولة لوضعها الطبيعي ببسط مبدأ سيادة حكم القانون بما يلازمه من استقلال و حيدة القضاء والمساواة أمام القانون و خضوع الجميع له على السوية و دون أدنى تمييز أو محاباة أو عصمة وحصانة من المساءلة والمحاسبة لأي سبب أو مبرر، حتى لا يفلت جاني من العقاب.
كما أوجز من كتبوا عن العدالة الانتقالية أهم ملامحها وسماتها في: إقرار كل مكونات المجتمع بحاكمية القانون و خضوع الأفراد والجماعات لسيادته لضمان خضوع كل شخص في المجتمع للمساءلة القانونية بحيث يتحمل تبعات أفعاله وتصرفاته فلا يفلت من المحاكمة وتوقيع الجزاء عليه إن وجد مذنباً، وبالتالي كافلة وضامنة حق المتضرر في اختصام و مقاضاة المتسبب في ضرره سواء كان ذلك أمام مجالس القضاء الطبيعي أو خارجها في مجالس الحقيقة والمصالح. مع ما يلازم ذلك من ضمان حق الضحية في مطالبة الجاني المتسبب في ضرره المادي أو المعنوي بجبر ذلك الضرر بالتعويض الذي يراه الضحية ملائماً. ويتضح مما تقدم أن العدالة الانتقالية ليست محض تدابير و إجراءات قضائية تتخذ أمام القضاء، لأنها لو كانت كذلك، لما كان هناك فرق بينها والعدالة القضائية يبرر الحاجة الماسة إليها ولما كان هناك داعٍ إلي فرز حيز مستقل للعدالة الانتقالية في الفقه القانوني مختلف ومتميز عن العدالة القضائية المعتادة. و السبب هو أن العدالة الانتقالية تنطوي على ترتيبات و تدابير تشمل إلي جانب العدالة القضائية وشبه القضائية ( في حال تنازل عنها الضحايا واختاروا البديل الملائم) إجراءات تسوية سياسية واجتماعية، تتم عبر وسائل و آليات مختلفة كجلسات السماع العامة و كشف الحقيقة و إجراء أو عرض الصلح والمصالحة التي يقبل بها الضحايا…. إلخ؟!!.
و مما تقدَم ذكره يتضح أن تطبيق العدالة الانتقالية يقصد به ضمن أشياء أخرى تحقيق هدفين في “آن واحد معاً” هما: الأول هو: معالجة قصور أداء الأجهزة المختصة بإدارة العدالة في تطبيق القانون بسبب يعود إما لقصور التشريعات أو قمعيتها أو تبعية الأجهزة العدلية للجهاز السياسي والتنفيذي في الأنظمة الشمولية المسيطرة والمهيمنة عليها، او الاثنتين معا. و الثاني هو: معالجة اختلالات أصابت بنية المجتمع تعود الي التنازع السياسي الاقتصادي بين مكونات المجتمع المختلفة المنابت والمتباينة المصالح والرؤى أدت إلي شروخ و جروح عميقة لحقت بقماشة علاقات تساكنها الحضري السلمي مع بعضها البعض، قد تؤدي على الأرجح، إن هي لم تدرك و تعالج بحكمة وبعد نظر، إلي انفصام عرى مكونات المجتمع الواحد، فيؤول مصيره إلي الانشطار والتشظي .(جنوبنا الحبيب نموذجاً)
و في حالتنا الماثلة في السودان يلحظ إن قوى الحرية والتغيير التي قادت ثورة 19 ديسمبر 2018م الشعبية المجيدة و أطاحت بالنظام المخلوع والتي كان منها ـ في الواقع ـ أغلب “ضحاياه” هي التي تطرح ضرورة تطبيق مبدأ العدالة الانتقالية، وذلك من منطلق مسئوليتها الوطنية و حرصها علي تجاوز الاحتقان السياسي والاجتماعي الناتج من تجاوز ذلك النظام القانون وانتهاكاته الحقوق مواطنيه والحاق الظلم بهم و من منطلق جديتها أيضاً لإنهاء حالة التشظي والتشرذم السياسي والاجتماعي بتصفية تركة الماضي المثقلة بالمظالم تمهيداً وتوطئة لانتقال المجتمع الي المرحلة الجديدة المعافاة من آثار حكم الطغيان والشمولية الذي خلف مرارات واحن و مظالم مصدرها الفئة ضئيلة العدد و (الشأن رضي من رضى و أبى من أبى!) التي حكمت لثلاث عقود كالحة السواد و التي طالت بعدوانها معظم مكونات المجتمع أو شرائح واسعه منه أفراداً كانواِ أم جماعات. إذن فالقصد من تطبيق العدالة الانتقالية هو تضميد الجراح وجبر الكسور عن طريق تسويات رضائية يتفق عليها الجناة و ضحاياهم كفيلة بجبر ضرر الأخيرين مما نتج عن انتهاكات حقوقهم من قتل وتعذيب وتنكيل وجرائم وفظائع يسأل عنها حصراً، النظام المخلوع و أتباعه وبقاياه. علماً بأن ما ارتكبه قادة النظام المخلوع خلال حكمهم الممتد من 30 يونيو 1989م إلي 11 إبريل 2019م من جرائم وفظائع قل أن تجد له نظير ليس في تاريخ وطننا خلال كل عهوده القديمة والحديثة فحسب بل في تاريخ أكثر الأنظمة بربرية وتوحشاً ودمويةً، و ذلك من حيث الاسراف في استسهال القتل و الاستهانة بحيوات معارضيه و استرخاص أرواحهم و دمائهم و العمل قصداً وتعمداً على استهداف، حيواتهم والسعي الحثيث المتعمد لمحقها وإزهاقها، لما يعتبر مجرَد خلاف في الفكر والرأي السياسي وقد أقر رأس ذلك النظام بأنهم استرخصوا و استسهلوا قتل مئات المواطنين ( وفي اعتراف آخر قال عشرة آلاف) قال أنهم ذبحوهم فيما لا يستحق ذبح بهيمة. ورغم إقراره هذا الذي قرع و لا زال يقرع بأجراسه الآذان فإن قضاء ونائب عام دولة مشروعه الحضاري التي ادع لها (كذباً و زوراً وبهتاناً) نسباً (سفاحاً) الي شريعة السماء لم يقولا له “عينك في راسك!! أو تلت التلاتة كم”؟؟!!!
فإذا قلنا في الفقرة السابقة أن قوى ميثاق الحرية والتغيير ” ومنها الضحايا” هي من طلبت تطبيق إجراءات العدالة الانتقالية، فما هو موقف النظام المخلوع و مناصريه وفلوله وهم “الجناة” من طلب تطبيق ذلك المبدأ الآن؟؟!!.
و لا نجيب على هذا الاستفهام بقول من عندنا بل نستمد إجابته من أقوال و سلوك فلول و بقايا نظام الحكم المخلوع ومناصريه. وهي دالة دلالة لا تخفى على أحد على أنهم لا يرون فيما فعلوه خطأ أو تجاوزاً أو جرماً أو حتى انتقاصاً من حقوق مكفولة للآخر يستوجب عليهم الاعتذار أو الندم . بل وعلى النقيض من ذلك تماماً فإن فلول النظام المخلوع ينظرون إلي الانتهاكات والتجاوزات التي وقعت على عهد حكمهم بمنظار ومعيار أيديولوجيتهم المجسدة لـ “وعيهم الزائف” الذي يصور لهم أنهم إنما كانوا مكلفين تكليفاً ربانيا لعمل ما قاموا به بل هم مؤمنون إيماناً (كفيف البصر والبصيرة) بأنهم إنما سيثابون عليه بل يتوهمون أنهم كانوا سيقعون في إثم يحاسبون عليه إن لم يقتلوا معارضيهم في بيوت الأشباح أو في المظاهرات السلمية. لذا تجدهم الآن وهم في صدمة مزلزلة مما حدث لحكمهم يضمرون انكاره و يلحون على المضي في التمادي في غيهم القديم المتجدد، فتجدهم في حالة استنفار عام لمقاومة التغيير بالتآمر المستمر عليه وفي انتظار السوانح للانقضاض على الحكومة الانتقالية والاطاحة بها واستعادة الحكم مرة أخرى بإصرار من يسعون للسباحة الخرقاء ضد التيار لإعادة عقارب الساعة إلي الوراء. ولكن هيهات!!.
وعليه نقول إن طلب الاحتكام إلي قواعد العدالة الانتقالية مع عدم إقرار قادة النظام السابق وفلوله ومناصريه بخطأ أفعالهم وتصرفاتهم السابقة وعدم استعدادهم للإقرار بتعديهم على حقوق ضحاياهم وعدم الاعتراف بحق ضحاياهم في مقاضاتهم بشأن حقوقهم التي أهدروها و وانكارهم حق الضحايا في المطالبة بإلزامهم بجبر أضرارهم قضاء أم صلحاً إنما هو طلب ـ في تقديري ـ سابق لأوانه (Pre – Mature) لافتقاره إلي أهم شرطٍ من الشروط الأساسية وهو إقرار الجاني بجنايته وبحق ضحاياه في مقاضاته ومطالبته بالتعويض إن أرادوا ذلك.
إذن دعونا الآن نطلب تطبيق العدالة القضائية ونتمسك بتحقيقها أولا قبل الخوض في طلب العدالة الانتقالية حتى لا ينطبق علينا مثل “ذهب الحمار يطلب قرنين فعاد مصلوم الأذنين” الذي يضرب للرجل يذهب للغنيمة فتحل به الخسارة. و حكايته هي ـ والعهدة على راويها ـ أن حماراً رأى ثوراً يفِر في ذعر فظنه خائفاً منه فطارده طمعاً في الفوز بقرنيه لكي يدافع بهما عن نفسه. و لكن سرعان ما أدركه أسد كان يطارد الثور ( و في غفلة من الحمار) فانقض السبع على الطريد (السادر في غفلته) لافتراسه. فخرج الحمار من بين أنياب ومخالب الأسد المهاجم ـ فيما يشبه المعجزة ـ مصلوم الأذنين.
aminmibrahim46@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم